العودة إلى فهرس القرآن: إضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر القرآن)


7.0 الباب السابع: الشكل العام للقرآن، وسياقه، وأسلوبه في إيصال المعلومة


ملاحظة 1: لقد تمّ تأليف هذه الكتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن، كما ذكرنا في المقدّمة والتمهيد على ثمانية أبواب، (أنظر: 0.3- لقد أنشأنا هذا الكتاب على ثمانية أبواب).

ملاحظة 2: هذا الكتاب مكوّن من مقدّمة وخاتمة وجزئين متكاملين، كما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: إضغط هنا
– الجزء الأول: اسمه “كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن” ويتناول القرآن كاملاً وبشكل عام. أنظر الفهرس هنا
– الجزء الثاني: اسمه “كتاب تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن” ويتحدث عن كل سورة من سور القرآن منفردة وبنفس الأبواب الرئيسية الثمانية المشار إليها أعلاه. أنظر الفهرس هنا
– الملخص والخاتمة: إضغط هنا


 

الله سبحانه وتعالى خلق الناس ليبتليهم، وهو قادر أن يخلقهم بدون ابتلاء، لكن هم اختاروا لأنفسهم هذا الطريق، اختاروا حمل الأمانة. والأمانة هي اتباع طريق الهدى اختياراً، وحبّاً وطواعية، من أجل الزكاةِ والفلاحِ، أو اختيارُ عدم الاتباع إعراضاً وتكذيباً وبالنتيجة التدسية والخيبة. ولا شك بأن هذا الاختيار هو توجّه أصيل في جبلّتِهِم، وله دور في كمال سعادتهم، التي تحتاج لذلك الابتلاء والتمحيص؛ لترتقي به إلى الفلاح بالتزكية، أو إلى الخيبة بالتدسية، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)} الشمس؛ الله سبحانه قادر على أن يخلقهم وأن يبسط لهم الرزق، بدون أمراض وبدون أي منغصات لحياتهم، كالمنغصات التي هي حاصلة الآن في الدنيا، فيخلقهم مثلاً على الحال التي سيكونون عليها في الجنة، شباب دائم، فلا أمراض ولا حاجة إلى أطباء ولا معالجين. وهو قادر كذلك على أن يجعل أجسادهم قويّة جداً تتحمّل أقسى الظروف، وتتكيف فتتحمّل أشد أنواع العذاب والصعاب، كحال أجساد أصحاب النار (مثلاً)، وهو قادر على كل شيء، قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)} يس. فالله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى أن يبتلي الناس ولا أن يعذبهم، فهو غنيّ عن كل هذا، وغني عن وجود كل مخلوقاته، وسيأتي يوم يقبض فيه أرواح جميع خلقه، فلا يبقى سواه وحده لا شريك له، فيقول: لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات، فلا مجيب، ثم يجيب نفسه قائلا: {لله الواحد القهار}، أي: هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه. لقد خلقهم سبحانه لكي يسعدوا بمعرفة أنه إلههم وربهم وخالقهم، وأنه بهم رؤوف رحيم؛ لكنه خلق المرض لضرورة الابتلاء والاختبار، الذي اختاروه هم لأنفسهم. فهدى الذين آمنوا إلى الصراط المستقيم، للحصول على الزيادة والزكاة والترقي إلى أعلى الدرجات في الجنة، واستدرج من أعرض منهم بأعمالهم، ليقيم عليهم الحجة بكفرهم وذنوبهم التي تهوي بهم إلى دركات الجحيم في النار. وأكبر الذنوب (بعد الشرك والافتراء على الله) هي الاعتداء على حقوق الآخرين، أو التي تقترف بحق العباد ظلماً وعدواناً، وبحق المخلوقات الأخرى، لأن الذنوب التي بحق الله يمكن أن يعفو عنها برحمته، قال تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)} البقرة، أو أن تغفرَ بحصولِ مصيبة في الدنيا، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (30)} الشورى، أو بتوبة نصوحة من المذنب قبل الموت، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)} الزمر، لكن حقوق العباد لا بد وإلا أن تعاد إلى أصحابها كاملة من غير نقصان. وغالب العذاب في النار (بعد الشرك والقول على الله) هو بسبب حقوق العباد، وأعظمها قتل النفس بغير حق، وأكلُ مال اليتيم، وقطيعةُ الرحم، وعقوقُ الوالدين، وغيرها من كبائر الذنوب، قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ (31)} النساء، وقال: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ (32)} النجم، وقال صلى الله عليه وسلّم: “اجتنبوا السبعَ الموبقاتِ. قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما هن؟ قال: الشّركُ باللهِ، والسحرُ، وقتلُ النّفسِ التي حرّم اللهُ إلا بالحقِّ، وأكلُ الربا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والتولي يومَ الزحفِ، وقذفُ المحصناتِ المؤمناتِ الغافلاتِ” رواه البخاري، ووسّع العلماء دائرة الكبائر فاشتملت أنواعاً من الذنوب الكبيرة التي أوجب لها عذاباً في الدّنيا والآخرة مثل عقوق الوالدين، والظلم بأنواعه كما في الآية الكريمة: {ولا تَرْكَنُوا إلى الذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُم النَّارُ (113)} هود، وقال عليه الصلاة والسلام: “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ …. فذكر منها عقوق الوالدين” متفق عليه.

في الباب السابق بينّا موضوعات الهدى الأربعة الرئيسية التي يتحدث عنها القرآن (الأول: التعريف بالله الخالق، الثاني: الإنسان المخلوق، والثالث: العبادة، والرابع: نعمة معرفة الله وعبادته ونعمة الرزق)، وفي جميع مراحله التي بيّناها في البابين الرابع والخامس السابقين (الأولى: هي التعريف بالله الرحمن الرحيم، ونعمة دين الله القويم؛ والثانية: التعريف بكل سابق نعم الله التي لا تعد ولا تحصى على الناس، نعم دينية ودنيوية؛ والثالثة؛ التطبيق العملي للدين وبيان مصير الأمم والقرون التي آمنت ثمّ أعرضت عن اتباع الدين؛ والرابعة: بيان نعمة تطبيق الدين). أما في هذا الباب فسنبين سياق القرآن بشكل عام، وأسلوبه في بيان طريق الهدى، وحقيقة ما فعله الناس في الدنيا، مع الإشارة إلى الأسباب والنتائج في الدارين، وبيّنا اختلاف وتنوّع طرق إيصال المعلومة لجميع الناس بالوسائل التي تناسب اختلافهم وتنوع لغاتهم وثقافاتهم ومستويات تعليمهم، وقد ركزنا كثيراً على المقصد الذي خلق الإنسان لأجله وهو الابتلاء والزكاة وإقامة الحجة على الناس بأعمالهم، والشكر، والمحبّة؛ ولأن مقصد القرآن هو بيان طريق الهدى، ففي هذا الباب سنبين وسائل الخطاب والبشائر والنذر والأساليب والوسائل والأدوات الرئيسية التي رأينا أن القرآن اتبعها في بيان طريق الهدى، وفيه أربعة أقسام، كما يلي:

الأول: بيان الوسائل والأساليب التي اتبعها القرآن لتسهيل تفهيم القرآن، فنتحدث عن السياق الذي سار عليه القرآن في بيان طريق الهدى من مختلف الزوايا وبكلّ الوسائل واللغات التي يفهمها الناس: أسمائه، وسياقه، وترتيب سوره، والقصص، والأمثال، والآيات. (وهو بيان نظري بسرد القصص والوقائع).

الثاني: أساليب القرآن في الخطاب والبيان لطريق الهدى وإيصال الدين، فنتحدث عن سياق القرآن في استخدام أساليب مخاطبة الناس وإيصال الدين عقولهم وقلوبهم: بالحض على طلب العلم، والحوار، وخطاب الإنسان بكل جوارحه، وإرسال المرسلين، والقتال في سبيل الله، والإنفاق. (وهو تطبيق عملي بإظهار نتائج اتباع طريق الهدى وردّات الأفعال).

الثالث: نعمة الدين في إسعاد الإنسان وتلبية حاجاته اللانهائية، فنتحدث عن: سياق القرآن في بيان نعمة الدين وشؤم الكفر، والتجربة والخطأ، والابتلاء، وتكريم الإنسان بالمعرفة والعبادة، والسعادة بالتزكية، والسعادة بالشكر، وبيان أسباب الكفر، ومحبّة الله للناس.

الرابع: ملخص جامع يبين سياق القرآن في بيان كل مقاصد القرآن، ويلخّص أهم هذه الأساليب التي ذكرناها في هذا الباب (أنظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد).

أعلى الصفحة Top