العودة إلى فهرس السور: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن)


069.0 سورة الحاقة


ملاحظة: قبل البدئ بهذه السورة، يجب الاطلاع على ما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– تسهيل فهم وتدبّر القرآن: اضغط هنا


069.1 التعريف بالسورة:

1) مكية. 2) من المفصّل. 3) عدد آياتها 52 آية. 4) التاسعة والستون من حيث الترتيب في المصحف. 5) والحادية والثمانون حسب ترتيب النزول، نزلت بعد “الملك”. 6) ليس لها أسماء أخرى.

7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة: الله 1 مرّة، رب 4 مرّات، العظيم 2 مرّة. انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

السورة الوحيدة التي ذكرت فيها الكلمات: الحاقة 3 مرّات؛ (1 مرّة): عاتية، حسوماً، صرعى، رابية، تعيها، واعية، واهية، أرجائها، تخفى، خافية، هاؤم، الخالية، القاضية، غلوه، ذرعها، غسلين، الوتين.

أكثر سورة تكرر فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: ثمانية 2 مرّة.

تكررت فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: قول 7 مرّات، يومئذ 4 مرّات، تذكرة 3 مرّات؛ (2 مرّة): نفخ، رسول، واحدة، دكة، تبصرون؛ (1 مرّة): قارعة، الصور، جارية، باقية، صرصر، أعجاز، خاوية، خاطئة، خاطئون، طغى، جارية، وقعت الواقعة، أسلفتم، ذراع، سلسلة، اسلكوه، صلّوه، يحض، حميم، حاجزين، حق، يقين.

069.2 فضائلها وما ورد عنها من الأثر:

عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم “شيبتني هود وأخواتها: الواقعة والحاقّة وإذا الشمس كوّرت”.

أخرج أحمد عن عمر بن الخطاب قال: خرجت أتعرّض لرسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقّة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ {إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون}. قلت: كاهن، قال: {ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون، تنزيل} إلى آخر السّورة، فوقع الإسلام في قلبي كلّ موقع.

069.3 وقت ومناسبة نزولها:

هي واحدة من السور الأوائل التي نزلت في مكة. وموضوعها يشير إلى أنها نزلت في الوقت الذي ازدادت فيه مقاومة الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم ولكنها لم تصل الى حد الاستبداد. انظر أيضاً كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن في المبحث: 1.5.5- مراحل نزول القرآن المكي.

من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتضح أن هذه السورة نزلت قبل دخوله الإسلام بوقت طويل، فهو أسلم بعدها بوقت طويل، أي: بعد أن ظلّت الأحداث المختلفة تؤثر فيه شيئاً فشيئاً لصالح إسلامه، إلى أن أسلم أخيراً في بيت أخته فاطمة بنت الخطاب، حوالي السنة الخامسة من بدئ النبوّة كما ذكر سابقاً في سورة الواقعة.

069.4 مقصد السورة:

069.4.1- إثبات صدق القرآن بالتأكيد بالقسم على أنه كلام الله أنزله على رسوله، فيه حجّة وتذكرة للمتقين، وإنذار ووعيد شديد للكافرين، وفيه الخبر اليقين عن حتمية مجيء الحاقة التي فيها يتحقق الوعد الحق بالجزاء على الأعمال، والوعيد بالعقاب على المعاصي، وبأن يعطى كل صاحب حق حقه. (السورة دفاع عن القرآن وبأنه تذكرة بالحاقة).

069.4.2- ومقصدها نجده في الآيات الأخيرة (38-52) وهو: التأكيد بالقسم على أن القرآن هو كلام الله أنزله على رسوله، فيه حجّة وتذكرة للمتقين، وإنذار للكافرين. وذلك من أجل إحقاق الحق بالجزاء على الأعمال، في الدنيا ويوم القيامة. في الدنيا بهلاك المكذبين، وفي يوم القيامة بتحقق الوعد الحق والوعيد بالجزاء على الأعمال. فيعطى كل صاحب حق حقه، ويعاقب كل مفسد على إفساده.

069.4.3- قال البقاعي: مقصودها تنزيه الخالق ببعث الخلائق لإحقاق الحق وإزهاق الباطل بالكشف التام لشمول العلم للكليات والجزئيات وكمال القدرة على العلويات والسلفيات، وإظهار العدل بين سائر المخلوقات، ليميز المسلم من المجرم بالملذذ والمؤلم، وتسميتها بالحاقة في غاية الوضوح في ذلك وهو أدل ما فيها عليه.

069.5 ملخص موضوع السورة:

هي من السور الأوائل التي نزلت في مكة، ومقصدها إثبات صدق القرآن بالتأكيد بالقسم على أنه كلام الله أنزله على رسوله، فيه حجّة وتذكرة للمتقين، وإنذار ووعيد شديد للكافرين، وفيه الخبر اليقين بوقوع الحاقّة؛ و{الْحَاقَّةُ (1)} هي من أسماء يوم القيامة ومعناها: إحقاق الحق بالجزاء على الأعمال.

وتضمّنت ثلاث مجموعات من الآيات: بدأت (12 آية) بالإشارة إلى هلاك ستّ من الأمم السّالفة المكذّبة بالقارعة والعاصية رُسل ربها، ثمّ (25 آية) ذكرت نبأ الآخرة والحساب من بدايته إلى نهايته، حيث يُعطى المؤمن كتابه بيمينه ويَلقى الإكرام والإنعام، ويُعطى الكافر كتابه بشماله ويَلقى الذل والهوان، ثمّ (15 آية) ختمت بالمقصد وهو إثبات صدق القرآن الذي فيه خبر مجيء الحاقة لا ريب فيها، كما يلي:

(الآيات 1-12) بدأت بالإشارة إلى أنباء ودليل الحاقّة في الدنيا: حيث استهلّت بذكر اسمها {الْحَاقَّةُ (1)}، ثم سألت بعدها {مَا الْحَاقَّةُ (2)}؟ وأجابت بأن لا أحد يعلم كنهها إلا الله. وقد {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)} في الدنيا، وسمّيت قارعة لشدة هولها، وقد أهلكت بها ستة من أعظم الأمم السّابقة المكذّبة والمعرضة في تاريخ الإنسان وهي: ثمود وعاد وفرعون ومَن قَبلَه والمؤتفكات (وهم قوم لوط) وقوم نوح، ونجّى المؤمنين من قوم نوح في السفينة ليتعظ أصحاب الوعي والفهم {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)}.

(الآيات 13-37) ثمّ عقبت بأنباء الحاقّة في الآخرة: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة، ودكّت الأرض والجبال ففي ذلك الحين قامت القيامة، وانشقت السماء وضعفت، والملائكة على أطرافها، ويحمل عرش ربك فوقهم ثمانية، {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)}. فأمّا من أوتي كتابه بيمينه {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22)}، وأمّا من أوتي كتابه بشماله فهو في ندم وحسرة وذلّ وهوان ويتمنّى أنه لم يبعث بعد الموت، فيؤخذ بالأغلال إلى الجحيم، {إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)}، فليس له يومئذ قريب يدفع عنه العذاب {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36)}.

(الآيات 38-52) ثم ختمت عقب تلك الأنباء والدليل بذكر مقصودها وهو إثبات صدق القرآن: {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)} وليس بقول شاعر، ولا بقول كاهن، قليلاً ما تذكُّرون الفرق بينهما، ولكنه كلام رب العالمين، ولو ادَّعى علينا شيئاً لم نقله، لانتقمنا منه فلا يقدر أحد منكم أن يحجز عنه عقابنا. إن هذا القرآن {لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48)} وإن التكذيب به لحسرة على الكافرين، {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)}.

اللهم يمّن كتابنا ويسّر حسابنا واغفر كلّ ذنوبنا وسيّئاتنا وثقل موازيننا بالحسنات وثبّت أقدامنا على الصّراط وأسكنّا أعلى الجنات وارزقنا جوار نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

069.6 بعض التفاصيل عن موضوع السورة:

باعتبار ترتيب السورة يمكن تقسيمها إلى قسمين في ثلاثة مجموعات من الآيات، المجموعة الأولى فيها إشارة إلى ما حصل في الماضي، وهلاك الأمم المكذبة. والمجموعة الثانية فيها نبأ الآخرة والحساب من بدايته إلى نهايته، المجموعة الأخيرة فيها المقصد الذي هو إثبات صدق القرآن الذي فيه خبر حتمية مجيء الحاقة.

069.6.1- القسم الأوّل الآيات (1-37): تعريف الحاقة:

الآيات (1-3) ما هي الحاقّة: تبدأ المجموعتين الأوليين من السورة بكلمة الحاقة، ثم تسأل ما هي الحاقة، ثم تجيب: أنت لا تدري أو لا تعلم ما هي الحاقة:

{الحاقة}: هي إحقاق الحق، أو من حق الشيء، إذا ثبت ووجب، أي الساعة الواجبة الوقوع، الثابتة المجيء، وفيها يتحقق الوعد الحق والوعيد بالجزاء على الأعمال. وهي ستحق الحق، فيعطى كل صاحب حق حقه: في الدنيا هلاك الأمم بسبب تكذيبها، وفي يوم القيامة إما الجنة أو النار. وهو ما تفصّله السورة كالتالي:

069.6.1.1- الآيات (4-12) الحاقة في الدنيا: الحاقة هي من أسماء يوم القيامة، وتبدأ في الدنيا بالقارعة، و {القارعة}: هي الحاقة التي تقرع قلوب الناس بالمخافة والأهوال، وسميت قارعة لشدة هولها، إذ القرع ضرب شيء بشيء، وهي هنا أهلكت ستة من أعظم الأمم في تاريخ الإنسان، هي: ثمود وعاد وفرعون ومن قبله وقوم لوط وقوم نوح.

كذَّبت ثمود وعاد بالقارعة. فأما ثمود فأهلكوا بالصيحة العظيمة الشديدة، وأمَّا عاد فأُهلِكوا بريح باردة شديدة، سلَّطها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام متتابعة، فترى القوم موتى كأنهم أصول نخل متآكلة الأجواف. فهل ترى لهؤلاء القوم مِن نفس باقية دون هلاك؟

وجاء الطاغية فرعون، ومَن سبقه من الأمم التي كفرت، وأهل قرى قوم لوط، فعصت كل أمة منهم رسول ربهم الذي أرسله إليهم، فأخذهم الله أخذة بالغة في الشدة.

إنَّا لما جاوز الماء حدَّه، وارتفع، حملنا أصولكم مع نوح في السفينة التي تجري في الماء؛ لنجعل الواقعة التي كان فيها نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين عبرة وعظة، وتحفظها كل أذن مِن شأنها أن تحفظ، وتعقل عن الله ما سمعت.

069.6.1.2- الآيات (13-37) الحاقة في الآخرة:

069.6.1.2.1- الآيات (13-18) يوم العرض للحساب: فإذا نفخ المَلَك في “القرن” نفخة واحدة، ورُفعت الأرض والجبال ودكتا دكة واح-دة. ففي ذلك الحين قامت القيامة، وانشقت السماء، فهي يومئذ ضعيفة غير متماسكة، والملائكة على أطرافها، ويحمل عرش ربك فوقهم يوم القيامة ثمانية من الملائكة. في ذلك اليوم تُعرضون على الله، لا يخفى عليه شيء من أسراركم.

069.6.1.2.2- الآيات (19-24) أصحاب الجنة: فأمَّا من أُعطي كتابه بيمينه، فيقول مسروراً: خذوا اقرؤوا كتابي، إني أيقنت في الدنيا بأني سألقى جزائي يوم القيامة، فأعددت له العدة من الإيمان والعمل الصالح، فهو في عيشة هنيئة مرضية، في جنة عالية، ثمارها قريبة. يقال لهم: كلوا واشربوا هنيئاً بسبب ما قدَّمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا.

069.6.1.2.3- الآيات (25-37) أصحاب النار: وَأمَّا من أعطي كتابه بشماله، فيقول نادماً متحسراً: يا ليتني لم أُعط كتابي، ولم أعلم ما جزائي؟ يا ليتني مت ولم أُبعث بعدها، ما نفعني مالي الذي جمعته، ولم يَعُدْ لي حجة أحتج بها. ثم يقال لخزنة جهنم: خذوه بالأغلال، ثم أدخلوه الجحيم، ثم في سلسلة من حديد فأدخلوه فيها؛ إنه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على إطعام المساكين. فليس له يوم القيامة قريب يدفع عنه العذاب، وليس له طعام إلا مِن صديد أهل النار، لا يأكله إلا المذنبون المصرُّون على الكفر.

069.6.2- القسم الثاني: الآيات (38-52) يقسم ربنا بالذي نبصره في الدنيا (الحاقة في الدنيا وغيرها من المرئيات)، وبالذي لا نبصره (الحاقة في الآخرة وغيرها مما غاب عنا) بأنه أنزل عليهم القرآن تذكرة للمتقين وحسرة على الكافرين وبأنه الحق اليقين:

فلا أقسم بما تبصرون، وما لا تبصرون، إن القرآن لَكَلام رسول الله، عظيم الشرف والفضل، وليس بقول شاعر، قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن، قليلا ما تذكُّرون الفرق بينهما، ولكنه كلام رب العالمين الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

ولو ادَّعى محمد علينا شيئاً لم نقله، لانتقمنا وأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه نياط قلبه، فلا يقدر أحد منكم أن يحجز عنه عقابنا. إن هذا القرآن لعظة للمتقين الذين يمتثلون أوامر الله ويجتنبون نواهيه.

إنا لَنعلم أنَّ مِنكم مَن يكذِّب بهذا القرآن، وإن التكذيب به لندامة عظيمة على الكافرين، وإنه لحق ثابت ويقين لا شك فيه. فنزِّه الله سبحانه عما لا يليق بجلاله، واذكره باسمه العظيم.

069.7 الشكل العام وسياق السورة:

069.7.1- سميت بهذا الاسم {الحاقة} وهو اسم من أسماء يوم القيامة، لتضمن السورة أحوال يوم القيامة من سعادة وشقاء لبني الإنسان، وأنّ كلّ إنسان حقيق بأن يجزى بعمله، وقد أحقت لقوم الجنة، وأحقت لقوم النار. اسم الحاقة في كل المصاحف، قيل في كتاب بصائر التيسير أنها تسمى السلسلة، وسماها الجعبري في منظومته “الواعية”.

069.7.2- سياق السورة باعتبار ترتيب آياتها:

ابتدأت السورة بالحديث عن الحاقة، ثم بينت ما هي الحاقة، ثم ختمت بذكر مقصدها وهو صدق كلام الرسول الكريم (القرآن) الذي فيه بيان ونبأ الحاقة، كما يلي:

بينت السورة بأن سبب هلاك الأمم السابقة هو تكذيبهم بالقارعة، وكذلك بسبب كفرهم وتكذيبهم المرسلين، وتكذيبهم رسالة ربهم إليهم وعصيانهم. ثم ذكرت من أنباء تلك القارعة التي كذبوا بها، ليعلموا أن الهلاك في الدنيا ليست النهاية. لأنه بقيت هنالك حقوق لم ترد لأصحابها، فلا بد من الحاقة، (لأجل إحقاق الحق بين العباد). لذا فالأمر المقبلون عليه عظيم وفيه حساب شديد ومصير خطير فإما الجنة وإما النار. وتنزه الله العظيم عن أن يجعل الناس يواجهون هذا المصير الخطير بدون أن ينزل عليهم بيان فيه تفصيل، وفيه إقامة الحجة والدليل، فأرسل الرسول الكريم وأنزل معه الذكر الحكيم والقول المبين في القرآن الكريم، وهو كلام الله الذي أقسم سبحانه على صدقه بما يبصرون من هلاك الأمم وبمالا يبصرون وهي القارعة والحاقة. وهذا السياق اعتمدته السورة لتصل بفكر الإنسان وقلبه ونفسه إلى أن القرآن حق وصدق، ووجوده نعمة وضرورة ملحّة لهم، تستحق منهم أن يشكروا الله العظيم ويسبحوه.

069.7.2.1- الآيات (1-37) تتحدّث الآيات عن الحاقة: حيث تبدأ بالحديث وبالتأكيد عن حتميّة البعث ووجود الآخرة، (وهي القارعة) وأن من كذب بها من الأمم أهلكهم لله. ثم بعد أن أهلكهم في الدنيا أعادهم في الآخرة حيث الواقعة، فيعرضون على ربهم، ثم يؤتون كتبهم للحساب، ثم ينال كلٌ جزاء ما عمل في الدنيا.

069.7.2.1.1- الآيات (4-12) الأمم التي أنكرت الآخرة استحقت عقاب الله في الدنيا وأهلكها الله أخيراً ليكتمل بعد ذلك الحساب في الآخرة.

069.7.2.1.2- الآيات (13-17) ذكرت الآيات بعض التفاصيل والأنباء عما سيحصل إذا وقعت الواقعة، من النفخ في الصور، ودك الجبال، وانشقاق السماء، والملائكة يحملون عرش ربهم.

069.7.2.1.3- الآيات (18-37) الدنيا دار ابتلاء، وكل ما يعمله الإنسان في هذه الدنيا سيحاسب عليه يوم القيامة، فمن غير المعقول أن يستوي الذين يعملون الصالحات مع الذين يعملون السيئات. فإذا ما وقعت الواقعة، تُوزع الصحف فيؤتى المحسن الذي آمن وأطعم المسكين كتاب أعماله بيمينه ويدخل الجنة، ويؤتى المسيء كتاب أعماله بشماله ويدخل النار.

069.7.2.2- الآيات (38-52) يقسم الله تعالى بما يبصرونه من الآيات وبما لا يبصرونه، بأن القرآن تنزيل من عنده، وأنه قول رسوله الكريم، فيه تذكرة لهم بمهمتهم التي خلقوا لأجلها، وهي الإيمان بالله العظيم والعمل بما جاء به القرآن من الإنفاق والحض على إطعام المسكين، لأنهم سيحاسبون على ذلك: بالفوز للمنفقين، وبالخسران للمحتكرين المكنزين حق المساكين (لأن الناس كلهم سواسية وشركاء في خيرات الله على الأرض، وما أنعم الله به عليهم). ومن هنا تكمن ضرورة تدبّر الآيات والتفكر وتصديق قول رسول الله الكريم وما جاءهم به من الحقائق والأنباء. فما يقوله رسول الله ليس بشعر ولا كهانه ولا تقوّل، إنه الحق اليقين من ربّ هذا الوجود العظيم، وفيه من الآيات التي يبصرون ومالا يبصرون أعظم دليل على الحساب على الأعمال وعلى العدل في ميزان الحق، فمن يؤمن ويعمل صالحاً يفوز ومن يكذب ويعمل السيئات يخسر في الدنيا والآخرة.

فالقرآن شيء عظيم وضروري لوجود الناس، لأن فيه نبأ الحاقة، أنزله رب عظيم، وبلّغه رسوله الكريم، الذي لم يخفي ولم يكذب على الله شيئاً، فلا يستطيع رسول أن يقول ككلام الله، فسبحوا باسم ربكم العظيم لأنه لم يترككم بدون تذكرة للمتقين أو نذير للمكذبين.

069.7.3- سياق السورة باعتبار موضوعاتها:

سنلاحظ أن مقصد السورة يتلخص في آياتها الأخيرة، كما ذكرناه أعلاه. لكن تبدأ السورة بالإشارة إلى أحداث سابقة، وهي هلاك الأمم المكذبة، (نرى آثارها في مساكن أصحابها المهجورة)، لتكون دليلاً على سنة الله في الأرض القائمة على الأسباب، ولتكون إشارة إلى استمرار سنته بإهلاك المكذبين في الدنيا، وهي دليل على أحداث قادمة سوف نراها. ثم تتبعها أخبار من عالم الغيب: أي عن الحشر وعرض الأعمال والحساب ثم الجزاء في الجنة أو في النار. هذه الأحداث والأنباء التي في القرآن الذي يقسم سبحانه على صدقها، وعلى أنها كلامه، أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم، هي الحق اليقين الثابت الذي لا شك فيه، ويوم حصولها يكون هو يوم الحاقّة والذي هو اسم السورة.

موضوعات السورة هي ثلاثة مواضيع، مكررة مرتين، مرّة على شكل قصص وأحداث، ومرّة أخرى بطريقة الخبر. والموضوعات جاءت متداخلة مع بعضها في نصفين متساويين تقريباً من الآيات، متداخلة ومشتركة حتى في الآية الواحدة، كما يلي:

069.7.3.1- قصص وأحداث تُسهل فهم الموضوع، عن أمم هلكت، وعن مجريات أحداث الحساب، والجزاء إما في الجنة أو في النار. الآيات (4-7، 9-11، 13، 14، 16-20، 25-32، 44-47) = 26 آية.

069.7.3.1.1- الآيات (5-9، 11) فيها إشارة إلى قصص هلاك أقوام ثمود وعاد وفرعون ومن قبله وقوم نوح.

069.7.3.1.2- الآيات (13، 14، 16-20، 25-32) فيها أنباء عن أحداث، وتفاصيل مختصرة عن يوم الحساب وتوزيع كتب الأعمال، ثم الجزاء، إما النعيم في الجنة أو العذاب في النار.

069.7.3.1.3- الآيات (44-47) فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلّم لم يتقول على ربه، بل بلغ القرآن بأمانة تماماً كما أنزل عليه، بدليل أنه لو فعل لأخذ الله منه باليمين ولقطع منه الوتين.

069.7.3.2- تحدثت الآيات بطريقة الخبر عن نفس موضوعات القصص. وهو أن الناس وجدوا على الأرض للعمل وفي الآخرة يكون الحساب، وأن كل إنسان يُجزى بعمله (حسن أو سيء)، ولكل عامل درجات مما عملوا وهم لا يظلمون. الآيات (1-3، 8، 12، 15، 21-24، 33-43، 48-52) = 26 آية.

من أجل التأكيد بأن القرآن هو كلام الله: يقسم ربنا سبحانه بأشياء نبصرها (وهي في الدنيا) وأشياء لا نبصرها (وهي في الآخرة)، بأن القرآن حق، وأن خبر الحاقة الذي نزل فيه حق (أي الساعة الواجبة الوقوع، الثابتة المجيء وهي يوم القيامة) وكل ما ذكرته الآيات عنها من الأوصاف والأحداث هي حق:

069.7.3.2.1- الآيات (1-4، 10، 12، 38) تتحدث عن الأشياء التي نبصرها في الدنيا: وهي خبر الحاقة الذي نزل علينا نبأه في القرآن، وعن تكذيب الأمم، وعصيان المكذبين الرسول، وعن أخذ الدروس والعبر والتذكرة من مصير العاصين وهلاكهم في الدنيا.

069.7.3.2.2- الآيات (15، 21-24، 33-37، 39) تتحدث عن الأشياء التي لا نبصرها في الآخرة: وهي قوع الواقعة، والحساب، والجزاء النهائي على الأعمال: إما في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية، أو العقاب في الحميم وطعام من غسلين، لأنه لم يؤمن ولم يطعم المسكين.

069.7.3.2.3- الآيات (40-43، 48-52) القرآن: هو قول رسول كريم، وليس قول شاعر ولا كاهن، وهو حق لأنه تنزيل من عند الله رب العالمين، ليكون تذكرة للمتقين وحسرة على الكافرين. وأن الله يعلم أن منهم مكذبين، فأهلك تلك الأمم المكذبة. والآيات تأمر بتسبيح الله العظيم، لأن كلامه الهادي في القرآن حق، وأخبار الجنة والنار فيه هو الحق اليقين.

069.7.4- الإشارة إلى عدد آيات القصص والأمثال والآيات وباقي الموضوعات في السورة:

069.7.4.1- القصص في الآيات: (4-12) = 9 آيات.

069.7.4.2- قصص يوم القيامة في الآيات: (13-37) = 25 آية.

069.7.4.3- باقي السورة في الآيات: (1-3، 38-52) = 18 آية.

069.8 تناسب وتناسق السورة مع غيرها من السور:

069.8.0- وهكذا برهنت على صدق القرآن وأنه تذكرة للمتقين وأنه حق اليقين، وأنّ التكذيب والتصديق أمر قديم في الأمم، وأنّ وعد الله حق واقع فيهم لا ريب فيه، قد وعينا دليله في الدنيا بهلاك من سبق من المكذبين ونجاة من آمن منهم، ثم علمنا بعده نبأ إحقاق الحق والجزاء على الأعمال في الآخرة. وقد سبقتها على نفس السياق سورة الملك: بأن الله خلق هذه الحياة الدنيا ليختبر الناس بأعمالهم، فمن حسُن عمله فقد فاز ومن أساء عوقب في الدنيا والآخرة، وكذلك في سورة القلم: نزّهت النبي صلى الله عليه وسلّم عن قبيح قولهم، وبيّنت أنه بنعمة القرآن والنبوّة غير مجنون بل هو على خلق عظيم ويستحق الأجر من ربه (والمؤمنون كذلك)، وفي المقابل أفاضت بذكر سوء خُلق وهوان المكذبين وحسدهم وعداوتهم وعقاب الله لهم في الدنيا والآخرة، وأنه من غير المعقول أن يتساوى المؤمنون والمكذبون في الجزاء على الأعمال. ثم أُتبعت بثلاث سور متناسبة معها في مقصودها وهي المعارج: عن حسن تدبير الله الأمر، تعرج الملائكة والروح بأمره ووحيه وتقديره ورسالته وتدبيره الأمر من السماء إلى الأرض، فمن أطاع واتبع فاز وأفلح، ومن عصى وأعرض خسر وعذّب؛ ثمّ نوح: عن استنفاذ الدعوة إلى الإيمان كل الوسائل والسّبل وتكرارها وطول مدّتها، لكن أكثرهم أعرضوا وعصوا وضلّوا وأضلّوا فاستحقوا العذاب في الدنيا والآخرة؛ ثمّ الجن: عن سهولة القرآن وقربه من العباد، وبساطة تذكيره الهادي إلى الرشد الناهي عن الباطل، بدليل استجابة الجن وتصديقهم مقابل تكذيب أكثر الإنس لنبيّ من جنسهم وبلسانهم مع أنهم أولى بالتصديق والاستجابة.

069.8.1- قال الإمام جلال الدين السيوطي: لما وقع في ‏{‏ن‏}‏ ذكر يوم القيامة مجملاً في قوله‏: {يَومَ يَكشِفُ عن ساق (43)} شرح ذلك في هذه السورة بناء على هذا اليوم وشأنه العظيم.

069.8.2- وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما بنيت سورة {ن والقلم} على تقريع مشركي قريش وسائر العرب وتوبيخهم وتنزيه نبي الله صلى الله عليه وسلم عن شنيع قولهم وقبيح بتهم، وبين حسدهم وعداوتهم {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم (51)} القلم، أتبعت بسورة الحاقة وعداً لهم وبياناً أن حالهم في سوء ذلك المرتكب قد سبق إليه غيرهم {كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4)} الحاقة، {فهل ترى لهم من باقية (8)} الحاقة، {ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن (6)} الأنعام، {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم (102)} يونس، و {كم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً (98)} مريم، فسورة الحاقة جارية مجرى هذه الآي المعقب بها ذكر عناد مشركي العرب ليتعظ بها من رزق التوفيق {لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (12)} الحاقة. ولما ذكر حال من هلك من الأمم السالفة بسوء تكذيبهم وقبيح عنادهم، أتبع ذلك بذكر الوعيد الأخراوي {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18)} الحاقة، ثم عاد الكلام إلى ما بنيت عليه سورة {ن والقلم} من تنزيهه صلى الله عليه وسلم وتكريمه مقسماً على ذلك {إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون (42)} الحاقة، وانتهى نفي ما تقوله منصوصاً على نزاهته عن كل خلة منها في السورتين {ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2)} القلم وما الذي جئت به بقول شاعر ولا بقول كاهن بل هو {تنزيل من رب العالمين (43)} الحاقة، {وإنه لتذكرة للمتقين (48)}، {وإنه لحق اليقين (51)}، فنزه ربك وقدسه من عظيم ما ارتكبوه، انتهى. فلما بلغ التهويل حده، وكان سبب الإنكار للساعة ظن عدم القدرة عليها مطلقاً أو لعدم العلم بالجزئيات، قال دالاً على تمام القدرة والعلم بالكليات والجزئيات، محذراً من أنكرها بأنه قادر على تعجيل الانتقام ولكنه لإكرامه لهذه الأمة أخر عذابها إلى الآخرة إلا لمن كان منهم من الخواص فإنه يظهرهم في الدنيا ليتم نعيمهم بعد الموت بادئاً بأشد القبائل تكذيباً بالبعث لكون ناقتهم أول دليل على القدرة عليه، وقالوا مع ذلك {أبشراً منا واحداً نتبعه (24)} القمر، إلى أن قالوا: {بل هو كذاب أشر (25)} القمر، وقالوا في التكذيب بها {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت (37)} الآية، المؤمنون، فإن الامر فيهم دائر بين عاد وثمود: {كذبت ثمود} وتقديمهم أيضاً من حيث أن بلادهم أقرب إلى قريش، وواعظ القرب أكبر وإهلاكهم بالصيحة وهي أشبه بصيحة النفخ في الصور المبعثر لما في القبور {وعاد} وكان الأصل أن يقال: بها، ولكنه أظهرها بوصف زادها عظماً وهولاً فقال: {بالقارعة} أي التي تقرع، أي تضرب ضرباً قوياً وتدق دقاً عنيفاً شديداً للأسماع وجميع العالم بانفطار السماوات وتناثر النيرات ونسف الجبال الراسيات، فلا يثبت لذلك الهول شيء. ولما جمعهم في التكذيب، فصلهم في التعذيب لأجل ذلك التكذيب فقال: {فأما ثمود} وهم قوم صالح عليه السلام. ولما كان الهائل لهم لتقيدهم بالمحسوسات إنما هو العذاب، لا كونه من معين، بنى للمجهول قوله: {فأهلكوا} أي بأيسر أمر من أوامرنا {بالطاغية} أي الصيحة التي جاوزت الحد في الشدة فرجفت منها الأرض والقلوب. ولما ذكر المهلكين بالصيحة لأجل التكذيب بالقارعة تحذيراً لمن يكذب بها، أتبعه المهلكين بما هو سبب لإنفاذ الصيحة وتقويتها دلالة على تمام القدرة على كل نوع من العذاب بالاختيار فقال تعالى: {وأما عاد} وهم قوم هود عليه السلام {فأهلكوا} أي بأشق ما يكون عليهم وأيسر ما يكون في قدرتنا {بريح صرصر} أي هي في غاية ما يكون من شدة البرد والصوت كأنه كرر فيها البرد حتى صار يحرق بشدته والصوت حتى صار يصم بقوته، وقال الملوي: أصله صر وهو البرد الشديد أو الحر الشديد {عاتية} أي مجاوزة للحد من شدة عصفها وعظمة قصفها تفعل أفعال المستكبر الذي لا يبالي بشيء فلم يستطع خزانها ضبطها، ولم يملك المعذب بها ردها ولا ربطها، بل كانت تنزعهم من مكامنهم التي احتفروها ومصانعهم التي أتقنوها واختاروها فتهلكهم، قال الملوي: قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: “لم ينزل قط ماء ولا ريح إلا بمكيال على يد ملك إلا يوم الطوفان فإن الله تعالى أذن للماء فطغى على الخزان ويوم عاد أذن للريح فعتت على خزانها” انتهى.

انظر تناسب سورة الجن مع غيرها من السور (072.8.2).

– انظر 4.2.4.18.2.0- جدول يبيّن تناظر نصفي القرآن، ويلخص تناسب مقاصد سوره حول أن الإيمان واتباع طريق الهدى نعمة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.

– انظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد.

أعلى الصفحة Top