العودة إلى فهرس السور: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن)


078.0 سورة النبأ


ملاحظة: قبل البدئ بهذه السورة، يجب الاطلاع على ما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– تسهيل فهم وتدبّر القرآن: اضغط هنا


078.1 التعريف بالسورة:

1) سورة مكية. 2) من المفصّل. 3) عدد آياتها 40 آية. 4) الثامنة والسبعون من حيث الترتيب في المصحف. 5) والثالثة والثمانون حسب ترتيب النزول، نزلت بعد “المعارج”. 6) أسماء أخرى للسورة: وتسمّى أيضاً عمّ والتساؤل والمعصرات.

7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة: رب 3 مرّات، الرحمن 2 مرّة؛ (1 مرّة): خلق، أنذر، أنزل، مخرج، أحصى. انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

السورة الوحيدة التي ذكرت فيها الكلمات: (1 مرّة): وهاجاً، المعصرات، ثجاجاً، ألفافاً، كواعب، دهاقاً، صواباً.

تكررت فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: (5 مرّات): نجعل، يوم؛ (3 مرّات): كذب؛ (2 مرّة): كلا، سيعلمون، جبال، مآباً، عذاباً، حساباً، السماوات، الأرض؛ (1 مرّة): النبأ، مهاداً، أوتاداً، سباتاً، لباساً، سراجاً، الصور، أفواجاً، مرصاداً، أحقاباً، حميماً، غساقاً، وفاقاً، مفازاً، أتراباً.

078.2 فضائلها وما ورد عنها من الأثر:

أخرج الطبراني في الأوسط عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المنافق لا يحفظ سورة هود وبراءة ويس والدخان وعمّ يتساءلون”.

قال أبو بكر رضي الله عنه سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا رسول الله قد شبت؟ قال “شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعمّ يتساءلون وإذا الشمس كوّرت”.

078.3 وقت ومناسبة نزولها:

كما ذكر في سورة المرسلات بأن السور الخمسة من القيامة إلى النازعات تتشابه إلى حدّ كبير في الموضوعات التي تعالجها، وأنها نزلت في نفس المرحلة الزمنية أي في بداية العهد المكّي. انظر أيضاً كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن في المبحث: 1.5.5- مراحل نزول القرآن المكي.

لقد كان كفار مكّة يعتقدون بأن الله هو خالق الكون ولكن كانوا يشركون معه الأصنام والأوثان كآلهة أخرى، وأنها تقرّبهم إلى الله زلفى، وكانوا يعتقدون أن الملائكة والجان هن بنات الله، وغيرها من الافتراءات الجاهليّة الغير صحيحة. أما موضوع اليوم الآخر فلم يكونوا يعتقدون بوجوده، أو شيء يستحيل التصديق به أو تخيّل أنه سيقع، بل سخروا من دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الى الإيمان به، وتعجبوا كثيراً من إمكانيّة حصول البعث بعد الموت، فراحوا يهزأون ويتندّرون به. لهذا السبب ركزت السور المكّية الأولى على الإيمان بالآخرة وأكثرت من تكرار الحديث عنها أكثر من أي شيء آخر.

078.4 مقصد السورة:

078.4.1- تأكيد صدق النبأ العظيم، ببيان علاماته وآياته، ووصف ما أعده الله من النعيم للمتقين، لكي يستبشروا فيتخذوا إلى الله سبيلاً بعمل الصالحات، والوعيد من هول يوم القيامة ووصف ما أعدّ للكافرين من العذاب، وتمني الكافر أن يكون تراباً، لكي يرتدعوا.

078.4.2- ومقصدها نجده في الآيات الأولى (1-5) فهم يسألون عن النبأ العظيم والله تعالى يجيب بأنه قادم وسيعلمون عاقبتهم في وقته حين وقوعه. وفي السورة الدلائل والبراهين على قدرة رب العالمين على إعادة خلق الإنسان بعد فنائه. وفي الآيتين الأخيرتين (39، 40) بأنه يوم حق يحاسب فيه الناس على أعمالهم.

078.4.3- وقال البقاعي: مقصودها الدلالة على أن يوم القيامة الذي كانوا مجمعين على نفيه، وصاروا بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في خلاف فيه مع المؤمنين، ثابت ثباتاً لا يحتمل شكاً ولا خلافاً بوجه، لأن خالق الخلق مع أنه حكيم قادر على ما يريد دبرهم أحسن تدبير، بنى لهم مسكناً وأتقنه، وجعلهم على وجه يبقى به نوعهم من أنفسهم بحيث لا يحتاجون إلى أمر خارج يرونه، فكان ذلك أشد لإلفتهم وأعظم لأنس بعضهم ببعض، وجعل سقفهم وفراشهم كافلين لمنافعهم، والحكيم لا يترك عبيده وهو تام القدرة كامل السلطان يمرحون يبغي بعضهم على بعض ويأكلون خيره ويعبدون غيره بلا حساب، فكيف إذا كان حاكماً فكيف إذا كان أحكم الحاكمين، هذا ما لا يجوز في عقل ولا خطر ببال أصلاً، فالعلم واقع به قطعاً، وكل من اسميها واضح في ذلك بتأمل آيته ومبدأ ذكره وغايته.

078.5 ملخص موضوع السورة:

نزلت في بداية العهد المكّي، ومقصدها مترتب على تساؤلهم {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)} فمؤمن به وكافر. واسمها (النبأ) فيه الخبر العظيم عن يوم القيامة الذي ظنّ المشركون استحالته وعجبوا من إمكانية حصوله وهزأوا وتندّروا به، وقد برهنت عليه بثلاثة أسباب، سببان في نصفها الأوّل وهما الحكمة والوقت بقوله: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)}، فسمّي يوم الفصل لأن من الحكمة إحقاق الحق وإتمام العدل بالفصل بين العباد: فجهنّم للطاغين مآباً، والجنة للمتقين مفازاً، ثم الميقات وهو زمان العمل في الدنيا يليه البعث وجمع الخلائق للحساب {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18)}. والسبب الثالث في نصفها الثاني وهو الجزاء والعطاء من رب ورحمنِ الدنيا والآخرة {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ (37)}، لا يملكون أن يسألوه إلا إذا أذن لهم، فهذه البراهين والأسباب هي إنذارات على تأكّد وقوعه وقربه، وعندئذ {َيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)}، كما يلي:

(الآيات 1-20): استهلّت بتساؤل المشركين {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2)} وهو يوم الفصل ويوم القيامة الذي جاء ذكره في القرآن، فيجيبهم بتهديد شديد ووعيد أكيد {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)} عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور، بدليل ما هم فيه من بديع الخلق والنعيم، وأنه جعل لهم {الْأَرْضَ مِهَادًا (6)} وثبتها بالجبال وخلقهم أزواجاً (للسكن والمودّة والذرّية) وجعل الليل ستراً لراحتهم والنهار لمعاشهم والسماوات فوقهم والشمس والماء العذب والحبّ والنبات والجنّات، وغيرها من جميل صنعه ونعمته عليهم ودليل حكمته وقدرته وكمال وجلال صفاته، ما يستلزم ويستدعي تصديق وعده بالفصل بين العباد {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)}، أي موعداً لجزائكم على ما سلف منكم، يوم ينفخ في الصور وتجمع الخلائق وتفتح السماء وتزول الجبال.

(الآيات 21-40): ذكر ما أعدّ للطاغين في جهنم التي تترصدّهم ماكثين فيها دهوراً لا طعام ولا شراب {إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)}، جزاءً عادلاً موافقاً لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، إنهم كانوا لا يؤمنون بالحساب وكذبوا بالآيات {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29)}، فذوقوا جزاء أعمالكم فلن نزيدكم إلا عذاباً. ثم ذكر ما أعدّ للمتقين من المفاز بدخول الجنة، لهم فيها حدائق وأزواج وشراب ولا يسمعون باطلاً ولا كذباً، جزاءً من ربك عطاءً منه على ما عملوا، ربّ كل شيء رحمنِ الدنيا والآخرة، يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون في {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ (39)}، إنا أنذرناكم عذاباً قريباً حيث يتمنى الكافر أن يكون تراباً فلا يحشر ولا يحاسب.

تضمنت السورة مجموعتان متساويتان من الآيات: بدأت (20 آية) في النصف الأوّل تصف بديع وجميل صنع الله في الدنيا، يرون كمالها وتمامها وبركتها ودقة صنعها وإتقان وتكامل عناصرها ومكوناتها واتزان أسبابها فيعلمون أنه ما كان الخالق القادر المبدع ليترك عباده هملاً بغير حساب ولا جزاء، ثمّ (20 آية) في النصف الثاني بأن ما ذكر من آيات سكنهم وطعامهم وشرابهم وأمانهم وتدبير أمرهم في الدنيا هو البرهان والدليل على حقيقة وقوع النبأ العظيم بالفصل بين العباد في ميقات محدد معلوم، لما وعد به الله تعالى من الثواب والعقاب على ما سلف منهم، فمن أسماء ربّ الوجود {الرَّحْمَن} وقّتَ يوماً للحق والفصل بين العباد على اختلاف درجاتهم بمشيئتهم وأعمالهم بين طاغ شقي ومتقي فائز، فتأكّد بهذا بأن يوم القيامة حقّ كائن واقع فمن شاء النجاة من النار والفوز بالجنّة فليتخذ إلى ربه مرجعاً بالطاعة والعمل الصالح.

اللهم اجعلنا من المؤمنين المصدّقين والعاملين بما فيه رضاك والفوز بالجنة والنجاة من النار.

078.6 بعض التفاصيل عن موضوع السورة:

باعتبار ترتيب الآيات في السورة نستطيع تقسيمها إلى مجموعتين من الآيات: المجموعة الأولى تتحدث عن النبأ العظيم الذي أنذر الله به الناس، بينما هم يتساءلون عنه ومختلفون على حقيقة حصوله، وتبين بالدلائل في السماوات والأرض التي تؤكد النبأ، وتجيب بأن خالق هذه النعم والأسباب لا بد أن يجازي على ما أحدثوه فيها من خير أو شر، وأن يفصل بين المفسدين والمصلحين بميزان عدله ورحمته، فجعل له يوماً محدداً وموقوتاً معلوماً له، وسوف يعلمونه علم اليقين حين قدومه. والمجموعة الثانية فيها خبر ووصف بالتفصيل لأحداث ذلك اليوم العظيم، الذي يفصل فيه الله بين الحق والباطل، ويجازي كل عامل بعمله، فالمصلح في الجنة والكافر في النار، وما كان للرحمن ورب الوجود أن يترك مخلوقاته دون أن يجعل وقتاً محدداً ويوماً معلوماً للحساب على الأعمال، يعطي فيه لكل صاحب حق حقه؛ وفي ذكر هذه التفاصيل إنذار للمكذبين ليرتدعوا، وبنفس الوقت بشارة للمؤمنين فيتعظوا.

078.6.1- الحديث عن النبأ العظيم الذي عنه يتساءلون:

078.6.1.1- الآيات (1-5) إشارة إلى تعجب الكفار في مكّة وحديثهم في حاراتهم ومنتدياتهم وتساؤلهم عن أمر هذا النبأ العظيم الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم. وتأكيد الله لهم بأنهم سيعلمون أمره في وقته حين وقوعه.

عن أيِّ شيء يتساءلون عن الخبر العظيم الشأن، وهو القرآن الذي ينبئ عن البعث، سيعلم هؤلاء المشركون عاقبة تكذيبهم، وسيتأكد لهم ذلك، وهذا تهديد ووعيد لهم.

078.6.1.2- الآيات (6-16) بيان بنعم الله الجليلة التي لا تحصى على الإنسان، في الأرض والجبال والأزواج والليل والنهار والسماء والنجوم والماء والنبات. هل من جعل كل هذه الأشياء العظيمة للإنسان، ليمارس حياته العاديّة يعجز عن أن يبعثه مرّة أخرى.

ألم نجعل الأرض ممهدة لكم كالفراش؟ والجبال رواسي كي لا تميد بكم الأرض؟ وخلقناكم أزواجاً؟ وجعلنا نومكم راحة وسكناً؟ والليل لباسًا تكما يستر الثوب لابسه؟ والنهار معاشا تنتشرون فيه لمعاشكم ومصالحكم؟ وبنينا فوقكم سبع سموات محكمة متينة البناء؟ وجعلنا الشمس سراجاً مضيئاً؟ وأنزلنا من السحب ماءً لنخرج به حباً ونباتاً وجنّات ألفافاً؟

078.6.2- وصف بالتفصيل لأحداث ذلك اليوم العظيم، الذي يفصل فيه الله بين الحق والباطل، ويجازي فيه كل عامل بعمله، فالمصلح في الجنة والكافر في النار:

078.6.2.1- الآيات (17-20) ذكر الله تعالى ما يكون في يوم القيامة الذي يتساءل عنه المكذبون، إنه يوم عظيم، وأن الله جعله {ميقاتاً (17)} للفصل بين الخلق.

إن يوم الفصل بين الخلق، وهو يوم القيامة،كان وقتاً وميعاداً للأولين والآخرين، يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً. وفُتحت السماء، فكانت ذات أبواب كثيرة لنزول الملائكة، ونسفت الجبال فكانت كالسراب.

078.6.2.2- الآيات (21-30) وصف بعضاً من أحوال جهنم تترصّد المكذبين المنكرين للحساب جزاءاً وفاقاً على ما عملوا.

إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مرجعاً، ماكثين فيها دهوراً لا تنقطع، لا يذوقون فيها ما يُبرد حرّ السعير عنهم ولا شراباً، إلا ماءً حاراً وصديداً، جزاء عادلا موافقاً لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا. إنهم كانوا لا يخافون يوم الحساب فلم يعملوا له، وكذّبوا بما جاءتهم به الرسل، وكلّ شيء أحصيناه وكتبناه، فذوقوا جزاء أعمالكم، فلن نزيدكم إلا عذاباً فوق عذابكم.

078.6.2.3- الآيات (31-36) وصف بعضاً من النعيم أعطاه للفائزين بالجنة جزاءاً على أعمالهم التي وفقهم الله لها.

إن للذين يخافون ربهم ويعملون صالحاً فوزاً بدخولهم الجنة، حدائق وأعناباً وأزواجاً وشراباً، لا يسمعون باطلاً ولا كذباً، جزاءً من الله وعطاءً بسبب أعمالهم التي وفقهم الله لها.

078.6.2.4- الآيات (37-40) وصف ليوم إحقاق الحق، إنه يوم قريب، لا أحد يتكلّم إلا بإذن الذي خلق، وهو نفسه الذي يجازي، الرحمن ربّ كلّ شيء، فاحذروا حسابه، حيث سيتمنى الكافر الموت من شدّة الحسرة والندم.

ربّ السموات والأرض وما بينهما، رحمن الدنيا والآخرة، لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه، يوم يقوم الروح والملائكة مصطفّين، لا يشفعون إلا لمن أذن له الرحمن في الشفاعة وقال صواباً، ذلك اليوم الحق لا ريب فيه، فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا أي مرجعاً بالعمل الصالح. إنّا أنذرناكم عذاب الآخرة القريب الذي يرى فيه كل امرئ ما عمل من خير أو اكتسب من إثم، ويقول الكافر من هول الحساب: يا ليتني كنت ترابًا فلم أُبعث.

078.7 الشكل العام وسياق السورة:

078.7.1- إسم السورة {النبأ}: لأن فيها النبأ والخبر العظيم عن القيامة، ووصف أحداثه وما سيحصل فيه من الحساب والجزاء على الأعمال. وكلمة النبأ أوسع في معناها من الخبر. وتُسَمَّى ‏أَيْضَاً “‏عَمَّ”، “وعم يتساءلون”.

078.7.2- سياق السورة باعتبار موضوعات الآيات هو: مقدمة وخاتمة أو سؤال وجواب، وبينهما موضوعان هما دليل من الله بعلامات وآيات في الدنيا تؤكد حقيقة النبأ، وإنذار في نبأ عن الآخرة من خطورة وعظيم الأحداث ونتائج هذا النبأ الذي يتساءلون عنه.

078.7.2.1- سؤال عن النبأ وجواب عليه:

078.7.2.1.1- الآيات (1-5) سؤال: هم يسألون عن النبأ العظيم والله تعالى يجيب بأنه قادم وسيعلمون عاقبتهم في وقته حين وقوعه.

078.7.2.1.2- الآيات (37-40) وفي هذا الآيات جواب أيضاً: وهو لأن الله هو الرحمن وهو رب السماوات والأرض، فبرحمته جعل يوماً للحق الذي صلحت به وقامت على أسبابه السماوات والأرض، فيأخذ فيه كل صاحب حق حقه: فمن شاء السعادة والنجاة فليتخذ إلى ربه مرجعاً بالعمل الصالح، ثم يقول سبحانه وتعالى: إنَّا حذَّرناكم عذاب يوم الآخرة القريب، الذي يرى فيه كل امرئ ما عمل من خير أو اكتسب من إثم، ويقول الكافر وقد تيقن بأنه سيعاقب على طغيانه: يا ليتني كنت تراباً.

078.7.2.2- بين السؤال والجواب موضوعين:

078.7.2.2.1- الآيات (6-16) وفيها ما نراه في الدنيا من آيات الله التي تدل على أن في الكون نظام متناسق، وتدل على أن فيه حكمة وسنن ثابتة ومترابطة وبادية لكل متأمّل، وتدل على أن هذه الأسباب الثابتة المسخّرة لها نتائج متسلسلة ومتكررة وذلك لثبات أسبابها؛ وعلى أن الأحداث الحادثة بما فيها أعمال الإنسان لها نتائج متغيرة تتبع اختلاف أحداثها ومقدماتها. فلا بدّ من قرار ولا بدّ من حقّ يصحح مسار الأحداث بما ينسجم مع ثبات وتناسق نظام الكون.

078.7.2.2- الآيات (17-36) وهي نصف عدد آيات السورة، وفيها نبأ من الغيب وخبر من المستقبل يؤكّد ما يستطيع العاقل أن يستشفّه ويدركه عن وجود حق ومقصد عظيم لهذا الوجود، وهو مقصد قائم على الحق والعدل، وفيها نبأ عظيم يؤكد بأن كل عامل سيحصل على جزاء عمله، وأن رب هذا الوجود لن يرضى إلا أن يعاقب الباطل ويكافئ الحق، في يوم الفصل الذي جعل الله له وقت وميعاد محدد.

078.7.3- الإشارة إلى عدد آيات القصص والأمثال والآيات وباقي الموضوعات في السورة:

078.7.3.1- قصص يوم القيامة في الآيات: (17-38) = 22 آية.

078.7.3.2- آيات الله في السماوات والأرض: (6-16) = 11 آيات.

078.7.3.3- مقصد السورة وموضوعاتها في الآيات: (1-5، 39، 40) = 7 آيات.

078.8 تناسب وتناسق السورة مع غيرها من السور:

078.8.0- وقد تناسب الحديث عن القيامة في خمس سور متتالية (من القيامة إلى النازعات)، فبرهنت على حقيقتها وعلى قدرة الله عليها بخمس طرق مختلفة، ففي القيامة: القدرة على إعادة جمع رفات الإنسان بعد موته وأنه لن يترك سدى، وأبطلت أسباب كفره، والإنسان: أوجد الله الإنسان ولم يكن شيئاً وهو أقدر على أن يعيده ويحييه بعد موته، وبينت دواعي طاعته وشكره لربه، والمرسلات: قدرة الله على بعث وجمع الأولين والآخرين ليحاسبهم ويفصل بينهم يوم القيامة، والنبأ: أسباب وحكمة وتوقيت يوم القيامة، والنازعات: لا أحد يعلم ساعة قيام الساعة إلا الله وهي قريبة جداً {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)}.

078.8.1- قال الإمام جلال الدين السيوطي: وجه اتصالها بما قبلها‏:‏ تناسبها معها في الجمل ففي تلك‏: {أَلم نهلك الأَولين ثم نتبعهم الآخرين} {أَلم نخلقكم مِن ماءٍ مَهين} {أَلم نجعَل الأَرض كفاتا} إلى آخره وفي عم: {‏أَلم نجعَل الأَرضَ مِهاداً} إلى آخره فذلك نظير تناسب جمل‏:‏ ألم نشرح والضحى بقوله في الضحى: {أَلَم يجِدكَ يَتيماً فآوى} إلى آخره وقوله‏: {أَلم نشرح لكَ صدرك} مع اشتراك هذه السورة والأربع قبلها في الاشتمال على وصف الجنة والنار ما عدا المدثر في الاشتمال على وصف يوم القيامة وأهواله وعلى ذكر بدء الخلق وإقامة الدليل على البعث وأيضاً في سورة المرسلات: {لأي يوم أُجلت ليوم الفصل وما أدراكَ ما يوم الفصل} وفي هذه السورة‏: {إِن يوم الفصل كان ميقاتا يوم يُنفخ في الصور فتأَتون أَفواجاً} إِلى آخره فكأن هذه السورة شرح يوم الفصل المجمل ذكره في السورة التي قبلها.

078.8.2- قال الإمام أبو جعفر بن الزبير: سورة النبأ أما مطلقها فمرتب على تساؤل واستفهام وقع منهم وكأنه وارد هنا في معرض العدول والالتفات، وأما قوله: {كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5)} النبأ، فمناسب للوعيد المتكرر في قوله {ويل يومئذ للمكذبين (19)} المرسلات، وكأن قد قيل: سيعلمون عاقبة تكذيبهم، ثم أورد تعالى من جميل صنعه وما إذا اعتبره المعتبر علم أنه لم يخلق شيء منه عبثاً بل يعتبر به ويستوضح وجه الحكمة فيه، فعلم أنه لا بد من وقت ينكشف فيه الغطاء ويجازي الخلائق على نسبة من أحوالهم في الاعتبار والتدبر والخضوع لمن نصب مجموع تلك الدلائل، ويستشعر من تكرار الفصول وتجدد الحالات وإحياء الأرض بعد موتها، جرى ذلك في البعث واطراد الحكم، وإليه الإشارة بقوله {كذلك نخرج الموتى (57)} الأعراف، وقال تعالى منبهاً على ما ذكرناه {ألم نجعل الأرض مهاداً (6)} النبأ، إلى قوله {وجنات ألفافاً (16)} النبأ، فهذه المصنوعات المقصود بها الاعتبار كما قدم، ثم قال تعالى {إن يوم الفصل كان ميقاتاً (17)} النبأ، أي موعداً لجزائكم لو اعتبرتم بما ذكر لكم لعلمتم منه وقوعه وكونه ليقع جزاؤكم على ما سلف منكم {فويل يومئذ للمكذبين} ويشهد لهذا القصد مما بعد من الآيات قوله تعالى لما ذكر ما أعد للطاغين {إنهم كانوا لا يرجون حساباً (27) وكذبوا بآياتنا كذاباً (28) وكل شيء أحصيناه كتاباً (29)} النبأ، ثم قال بعد {إن للمتقين مفازاً (31) حدائق وأعناباً (32)} النبأ، وقوله بعد {ذلك اليوم الحق (39)} النبأ، وأما الحياة الدنيا فلعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، وقوله بعد {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً (40)} النبأ.

راجع تناسب سورة النازعات مع غيرها من السور (079.8.1)، حول تناسب السور الخمسة مع بعضها: القيامة والإنسان والمرسلات والنبأ والنازعات.

– انظر 4.2.4.18.2.0- جدول يبيّن تناظر نصفي القرآن، ويلخص تناسب مقاصد سوره حول أن الإيمان واتباع طريق الهدى نعمة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.

– انظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد.

أعلى الصفحة Top