العودة إلى فهرس القرآن: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر القرآن)


1.0 الباب الأول: التَّعريف بالقرآن الكريم


ملاحظة 1: لقد تمّ تأليف هذه الكتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن، كما ذكرنا في المقدّمة والتمهيد على ثمانية أبواب، (انظر: 0.3- لقد أنشأنا هذا الكتاب على ثمانية أبواب).

ملاحظة 2: هذا الكتاب مكوّن من مقدّمة وخاتمة وجزأين متكاملين، كما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– الجزء الأول: اسمه “كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن” ويتناول القرآن كاملاً وبشكل عام. انظر الفهرس هنا
– الجزء الثاني: اسمه “كتاب تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن” ويتحدث عن كل سورة من سور القرآن منفردة وبنفس الأبواب الرئيسية الثمانية المشار إليها أعلاه. انظر الفهرس هنا
– الملخص والخاتمة: اضغط هنا


في الباب الأوّل من كتاب تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن قمنا بتعريف كل سورة على انفراد من حيث كونها:

1) سورة مكية أو مدنيّة. 2) من سور الطول او المثاني أو القصيرة. 3) عدد آياتها. 4) ترتيبها في المصحف الشريف. 5) وترتيبها حسب النزول. 6) أسماء أخرى للسورة وبعض السور لها أسم واحد فقط وليس لها أسماء أخرى: وقد لوحظ أن لاسم السورة دور مهم في فهم مقصدها فهو كالعنوان لها، وهو واضح في بعض السور مثل اسم سورة الفاتحة أو سورة الأنعام أو سورة القيامة. 7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة.

أما هنا في “كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن”، هذا الباب جعلناه للتَّحضير وخلق المقدِّمات، وليكون مدخلًا مُوجزًا وملخصًا عن تدبُّر كامل القرآن، فقمنا بتعريف القرآن ككلٍّ، بنفس الطريقة وبنفس العناوين التي عرَّفنا فيها كلَّ سورة من سور القرآن على انفراد في الجزء الثاني كتاب تدبُّر سور القرآن، وبذلك يكون تأليف أقسام هذا الجزء الأول متناسق وعلى نفس نظام تأليف الجزء الثاني من الكتاب، كما يلي:

1.1- التعريف بسُور القرآن [مكيَّة أو مدنيَّة]:

تنقسم آيات وسور القرآن من حيث خواصِّها وأسلوبها وموضوعاتها إلى قسمين حسب وقت نزولها في الفترة المكيَّة (13 سنة)، أو المدنيَّة (10 سنوات)، كما يلي:

1.1.1- أقرب ما قيل عن نزول المكي والمدني: قال أبو بكر بن الأنباري: حدَّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدَّثنا حجَّاج بن منهال، حدَّثنا همام عن قتادة، قال: نزلَ في المدينة من القرآن البقرة وآل عمران والنِّساء والمائدة وبراءة والرَّعد والنَّحل والحج والنُّور والأحزاب ومُحمَّد والفتح والحجرات والرَّحمن والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقون والتغابن والطلاق و﴿يا أيُّها النَّبي لم تحرِّم﴾ إلى رأس العشر وإذا زلزلت و﴿إذا جاء نصر الله﴾.. هذه السُّور نزلت بالمدينة وسائر السُّور بمكَّة.

1.1.2- أقرب ما قيل في تعداد السّور المكية والمدنية إلى الصحة: إنَّ المدنيَّة عشرون سورة: وهي البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والنور، والأحزاب، ومحمَّد، والفتح، والحجرات، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والجمعة، والمنافقون، والطلاق، والتحريم، والنصر، وأنَّ المختلف فيها اثنتا عشرة سورة: هي الفاتحة، والرَّعد، والرَّحمن، والصف، والتغابُن، والتطفيف، والقدر، والبينَّة، والزلزلة، والإخلاص، والفلق، والناس، وأنَّ ما سوى ذلك مكيَّة، وهي اثنتان وثمانون سورة، فيكون مجموع سور القرآن مائة وأربعَ عشرة سورة، وقِيل: وثلاث عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة.

1.1.3- السّور المكيَّة: ويكثر فيها ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة للاعتبار بهم، والمناقشة والحجاج وعرض الأدلَّة الكونية والبراهين العقلية على وجود الله ووحدانيته وعلى البعث بعد الموت، وتثبيت فؤاد الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – وتصبيره على الدعوة، ويغلب عليها أن تكون قصيرة الآيات، سريعة الحركة، ويعلَم أنَّها ليست كلام بشر ولا تشبهُ كلامهم بوجه من الوجوه؛ لحلاوة نظمها، وبديع أسلوبها، وبلاغة معانيها، وجزالة مبانيها، فهي ذات وقعٍ حلو ولفظ جميل ساحر في الأذن والنفس تدلُّ على أنَّها ليست كلام إنس أو جن، قال الوليد بن المُغيرة، ريحانة العرب وأعلمهم باللُّغة وبأساليب الشعرِ والزَّجر السجع والسحر: (واللهِ لقد سمعتُ مِن محمَّد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنِّ، وإِنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمثمِر، وإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِق، وإِنَّه لَيْعلو وما يُعْلى عليه”.

1.1.4- السّور المدنية: وهي في الغالب طويلة الآيات، متأنية الحركة، هادئة، يكثر فيها الأحكام وتشريعات العبادة والمعاملات والحدود والأمر بالجهاد، والحديث عن الغزوات وبيان أمور الغنائم والأسرى، وجِدال أهل الكتاب بالحجة والدليل، وفضح المنافقين وكشف ما يخفونه في قلوبهم، وبيان شؤون الحكم والشورى وضرورة الرجوع فيها إلى الكتاب والسنة، ووعد المسلمين بالفوز والنصر، وإنذار للكافرين بالخسران والهلاك.

1.1.5- ويكتمل في القرآن (بشقَّيه المكِّي والمدنيِّ) بيان دين الله الإسلام: الذي ارتضاه الله سبحانَه للنَّاس وجعله في كتابه، القرآن الكريم، الَّذي أنزله إليهم ليدلَّهم على دينهم، والذي يلِّخصه الحديث التالي: عَنْ عُمرَ بنِ الخطابِ، رضيَ اللَّهُ عنه، قال: (بَيْنما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْد رسولِ اللَّه – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – ذَات يَوْمٍ إِذْ طَلع عَلَيْنَا رجُلٌ شَديدُ بياضِ الثِّيابِ، شديدُ سوادِ الشَّعْر، لا يُرَى عليْهِ أَثَر السَّفَرِ، ولا يَعْرِفُهُ منَّا أَحدٌ، حتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – فَأَسْنَدَ رَكْبَتَيْهِ إِلَى رُكبَتيْهِ، وَوَضع كفَّيْه عَلَى فخِذيهِ وقال: يا محمَّدُ أَخبِرْنِي عن الإسلام! فقالَ رسولُ اللَّه – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الإِسلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكاةَ، وتصُومَ رَمضَانَ، وتحُجَّ الْبيْتَ إِنِ استَطَعتَ إِلَيْهِ سَبيلًا، قال: صدَقتَ، فَعجِبْنا لَهُ يسْأَلُهُ ويصدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عن الإِيمانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِن بِاللَّهِ وملائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، والْيومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، قال: صدقْتَ قال: فأَخْبِرْنِي عن الإِحْسانِ، قال: أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأَنَّكَ تَراهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإِنَّهُ يَراكَ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عن السَّاعةِ، قَالَ: مَا المسْؤُولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِن السَّائِلِ، قَالَ: فَأَخْبرْنِي عَنْ أَمَاراتِهَا، قَالَ أَنْ تلدَ الأَمَةُ ربَّتَها، وَأَنْ تَرى الحُفَاةَ الْعُراةَ الْعالَةَ رِعاءَ الشَّاءِ يتَطاولُون في الْبُنيانِ ثمَّ انْطلَقَ، فلبثْتُ ملِيًّا، ثمَّ قَالَ: يا عُمرُ، أَتَدرِي مَنِ السَّائِلُ قلتُ: اللَّهُ ورسُولُهُ أَعْلمُ قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعلِّمُكم دِينِكُمْ)، رواه مسلمٌ، ومعْنَى: «تلِدُ الأَمةُ ربَّتَهَا» أَيْ: سيِّدتَهَا، ومعناهُ أَنْ تكْثُرَ السَّرارِي حتَّى تَلد الأمةُ السرِّيةُ بِنتًا لِسيدهَا، وبْنتُ السَّيِّدِ في معنَى السَّيِّدِ، وقِيل غيرُ ذَلِكَ و«الْعالَةُ»: الْفُقراءُ، وقولُهُ «مَلِيًّا» أَيْ زمنًا طويلًا، وكانَ ذلك ثَلاثًا.

1.2- أقسام سور القرآن:

سور القرآن أقسام أربعة: الطوال، والمئين، والمثاني، والمفصل، وأرجح الآراء فيها هي: أن الطوال سبعٌ: البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة قيل: هي الأنفال وبراءة معًا لعدم الفصل بينهما بالبسملة، وقِيل هي يونس؛ والمئون: التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها؛ والمثاني: هي التي تليها في عدد الآيات، سميت بذلك لأنها تُثَنَّى في القراءة وتُكَرَّر أكثر من الطوال والمئين؛ والمفصل: قيل: من أول سورة “ق”، وقيل: من أول “الحجرات”، وقيل غير ذلك؛ وأقسامه ثلاثة: طواله، وأوساطه، وقصاره؛ فطواله: من “ق” أو “الحجرات” إلى “عم” أو “البروج”، وأوساطه: من “عم” أو “البروج” إلى “الضحى” أو إلى “لم يكن”، وقصاره: من “الضحى”، أو “لم يكن” إلى آخر القرآن، على خلاف في ذلك، وتسميته بالمفصَّل لكثرة الفصل بين سورة بالبسملة.

وفي الحديث عن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّه قال: (أعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل)، وسُميت طوالا لطولها، وحكي عن سعيد بن جبير أنَّه عدَّ السبع الطوال البقرة وآل عمران والنِّساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، والمئون: ما ولي السبع الطوال سميت بذلك لأنَّ كلَّ سورة منها تزيد على مائة آية، والمثاني: ما ولي المئين وقد تسمَّى سور القرآن كلُّها مثاني وإنَّما سمِّي مثاني لأنَّ الأنباء والقصص تثني فيه، والمفصل: ما يلي المثاني من قصار السور وسمِّي مفصَّلا لكثرة الفصول بين السُّور ببسم الله الرَّحمن الرحيم، وهو من أوَّل سورة “ق” أو من سورة الحجرات حتَّى نختم.

1.3- القرآن الكريم وعدد سُوره وآياته:

عدد سور القرآن (114) سورة، وعدد آياته (6236) آية: منها (28) سورة مدنيّة (في المصحف العثماني، والمسمَّى بالمصحف الإمام أو المعلِّم)، عدد آياتها (1623) آية، هي ربع عدد سور وآيات القرآن تقريبًا؛ و(86) سورة مكيَّة (في المصحف العثماني) عدد آياتها (4613) آية، هي ثلاثة أرباع عدد سور وآيات القرآن تقريبًا؛ وجميعها مرتبة في القرآن كما يلي:

1.4- ترتيب السّور في القرآن الكريم وفق ترتيب المصحف بالرسم العثماني (والمسمّى بالمصحف الإمام):

– الفاتحة، 2- البقرة، 3- آل عمران، 4- النِّساء، 5- المائدة، 6- الأنعام، 7- الأعراف، 8- الأنفال، 9- التوبة، 10- يونس، 11- هود 12- يوسف، 13- الرعد، 14- إبراهيم، 15- الحجر، 16- النَّحل، 17- الإسراء، 18- الكهف، 19- مريم، 20- طه، 21- الأنبياء، 22- الحج، 23- المؤمنون، 24- النور، 25- الفرقان، 26- الشعراء، 27- النمل، 28- القصص، 29- العنكبوت، 30- الروم، 31- لقمان، 32- السجدة، 33- الأحزاب، 34- سبأ، 35- فاطر، 36- يس، 37- الصافات، 38- ص، 39- الزمر، 40- غافر، 41- فصلت، 42- الشورى، 43- الزخرف، 44- الدخان، 45- الجاثية، 46- الأحقاف، 47- محمد، 48- الفتح، 49- الحجرات، 50- ق، 51- الذاريات، 52- الطور، 53- النجم، 54- القمر، 55- الرَّحمن، 56- الواقعة، 57- الحديد، 58- المجادلة، 59- الحشر، 60- الممتحنة، 61- الصف، 62- الجمعة، 63- المنافقون، 64- التغابن، 65- الطلاق، 66- التحريم، 67- الملك، 68- القلم، 69- الحاقة، 70- المعارج، 71- نوح، 72- الجن، 73- المزمل، 74- المدثر، 75- القيامة، 76- الإنسان، 77- المرسلات، 78- النبأ، 79- النازعات، 80- عبس، 81- التكوير، 82- الانفطار، 83- المطففين، 84- الانشقاق، 85- البروج، 86- الطارق، 87- الأعلى، 88- الغاشية، 89- الفجر، 90- البلد، 91 الشَّمس، 92- الليل، 93- الضحى، 94- الشرح، 95- التين، 96- العلق، 97- القدر، 98- البينة، 99- الزلزلة، 100- العاديات، 101- القارعة، 102- التكاثر، 103- العصر، 104- الهمزة، 105- الفيل، 106- قريش، 107- الماعون، 108- الكوثر، 109- الكافرون، 110- النصر، 111- المسد، 112- الإخلاص، 113- الفلق، 114- الناس.

1.4.1- وقيل إنَّ هذا الترتيب للسُّور في القرآن توقيفي وقِيل إنَّه اجتهادي، والأدلة التي استند إليها العلماء القائلون بأنَّ ترتيب السُّور توقيفي وليس اجتهاديًا، كثيرةٌ منها:

قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} الحجر، وقوله: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)} هود، وقوله: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} النساء، وقوله: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)} القيامة، والجمع كما قال المفِّسرون على معنيين: جمعُه في صدر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وجمعه بمعنى تأليفه.

وفي الحديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأنَّ جبريل كان يلقاه في كلِّ ليلةٍ من شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة)، صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن.

وعن أبي هريرة قال: (كان يعرض على النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – القرآن كلَّ عامٍ مرَّة، فعرض عليه مرَّتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كلِّ عامٍ عشرًا فاعتكف في العام الذي قبض فيه عشرين)، صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن.

وعن ابن عباس قال: (أنزل القرآن جملةً واحدةً إلى السماء الدُّنيا في ليلة القدر ثمَّ نزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثمَّ قرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾)، رواه ابن كثير في فضل القرآن وصحيح إسناده.

وقال أوس بن حذيفة الثقفي: (سألتُ أصحاب رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – كيف تحزِّبون القرآن؟ قالوا: ثلاثٌ وخمسٌ وسبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل وحده)، رواه أبو داود كتاب شهر رمضان.

وعن عبد الله بن عمرو أنَّه قال: (يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ قال في شهر، قالَ: إنِّي أقوى من ذلك، ردَّد الكلامَ أبو موسى وتناقصه حتَّى قال: اقرأْه في سبع، قال: إنِّي أقوى من ذلك، قال: لا يفقه من قرأَه في أقلِّ من ثلاث)، رواه أبو داود كتاب شهر رمضان.

1.4.2- وفي ردِّ أدلَّة القائلين بأن ترتيب السُّور اجتهادي: فقد اعتمدوا على حديثٍ رواه يزيد الفارسي عن ابن عباس وهذا نصه: عن يزيد الفارسي قال: سمعتُ ابن عباس قال: قلتُ لعثمان بن عفان ما حملكم أن عمدتُم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموها في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرَّحمن الرحيم؟ قال عثمان: كان النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – ممَّا تنزل عليه الآيات فيدعو بعض مَن كان يكتب له ويقول له: ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أوَّل ما نزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكانت قصَّتها شبيهة بقصَّتها فظننتُ أنَّها منها، فمن هناك وضعتُهما في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطرَ بسم الله الرَّحمن الرحيم.

وعن هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وأحمد، قال الشيخ أحمد شاكر في تخريجه وتعليقه عليه في المسند رقم 399: في إسناده نظرٌ كثيرٌ، بل هو عندي ضعيفٌ جدًا، بل هو حديثٌ لا أصل له يدور إسناده في كل رواياته على (يزيد الفارسي) الذي رواه عن ابن عباس، تفرَّد به عنه عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة، ثمَّ قال الشيخ أحمد شاكر: فهذا يزيد الفارسي الذي انفردَ برواية هذا الحديث يكادُ يكون مجهولًا حتى شبَّه على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره، ويذكره البخاري في الضعفاء فلا يقبَل منه مثل هذا الحديث، فهو ينفرد به، وفيه تشكيكٌ في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتُر القطعي قراءةً وسماعًا وكتابةً في المصاحف وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأنَّ عثمان كان يثبتُها برأيه وينفيها برأيه وحاشاه من ذلك فلا علينا إذا قلنا إنَّه حديثٌ لا أصل له تطبيقًا للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة الحديث، ثمَّ قال الشيخ محمد أمين المصري بعد أن نقلَ كلام الشيخ أحمد شاكر وغيره من العلماء المحقِّقين كالعلَّامة محمد رشيد رضا قال: وبعد هذا البحث الذي لا ندَّعي له الكمال والاستيفاء نريدُ أن نخلص إلى أنَّ الذي نؤمن به من غير ريبٍ أنَّ الذي بين دفتَي المصحف كتاب الله جلَّ شأنه، أنزله على نبيه لا مدخل للبشر في صفةٍ من أوصافه ولا في حرفٍ من حروفه ولا مجال للاجتهاد في ترتيب آياته ولا في ترتيب سوره بحيث أُثبتت البسملة فإنَّما أُثبتت بأمر الله، وحيث حُذفت فإنَّما وقع ذلك بأمر الله.. وإنَّما الريب في مثل هذه الرواية التي سبقَ ذكرها التي تحيط بها الشكوك وتحفُّها الأوهام، ومن عجبٍ أن ينطلي أمر مثل هذه الرواية على بعض العلماء، كما مرَّ لدى البيهقي والسيوطي ولعلَّهما أخذا بتحسين من حسَّنها وتصحيح مَن صحَّحها والعصمة من الخطأ لله وحده.

1.5- ترتيب سور القرآن حسب النزول:

1.5.1- لا شك أن السور والآيات القرآنيَّة لم تثبَّت في القرآن على ترتيب نزولها على الرسول – صلَّى الله عليه وآله وسلَّم – وعلماء الإسلام الماضون كانوا يعتمدون في ترتيب السُّور والآيات على الحديث، ومن الأحاديث المذكورة بهذا الشأن حديث مروي عن ابن عباس (مذكور في كتاب الإتقان للسيوطي) وفيه: (وقال ابن الضريس في فضائل القرآن‏:‏ حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي، أنبأَنا عمرُ بن هارون، حدَّثنا عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه ابن عباس قال‏:‏ كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كُتبت بمكة ثمَّ يزيد الله فيها ما شاء‏، وكان أوَّل ما أنزل من القرآن اقرأ باسم ربِّك، ثمَّ ن، ثمَّ يا أيُّها المزمل، ثمَّ يا أيُّها المدثر، ثمَّ تبَّت يدا أبي لهب، ثمَّ إذا الشَّمس كورت، ثمَّ سبِّح اسم ربك الأعلى، ثمَّ والليل إذا يغشى، ثمَّ والفجر، ثمَّ والضحى، ثمَّ ألم نشرح، ثمَّ والعصر، ثمَّ والعاديات، ثمَّ إنَّا أعطيناك، ثمَّ ألهاكم التكاثر، ثمَّ أرأيتَ الذي يكذب، ثمَّ قُل يا أيها الكافرون، ثمَّ ألم تر كيف فعل ربك، ثمَّ قُل أعوذ بربِّ الفلق، ثمَّ قُل أعوذ بربِّ النَّاس، ثمَّ قُل هو الله أحد، ثمَّ والنجم ثمَّ عبس، ثمَّ إنَّا أنزلناه في ليلة القدر، ثمَّ والشَّمس وضحاها، ثمَّ والسماء ذات البروج، ثمَّ والتين، ثمَّ لإيلاف قريش، ثمَّ القارعة، ثمَّ لا أقسم بيوم القيامة، ثمَّ ويل لكلِّ همزة، ثمَّ والمرسلات، ثمَّ ق، ثمَّ لا أقسم بهذا البلد، ثمَّ والسماء والطارق، ثمَّ اقتربت الساعة، ثمَّ ص، ثمَّ الأعراف، ثمَّ قل أوحى، ثمَّ يس، ثمَّ الفرقان، ثمَّ الملائكة، ثمَّ كهيعص، ثمَّ طه، ثمَّ الواقعة، ثمَّ طسم الشعراء، ثمَّ طس، ثمَّ القصص، ثمَّ بني إسرائيل، ثمَّ يونس، ثمَّ هود، ثمَّ يوسف، ثمَّ الحجر، ثمَّ الأنعام، ثمَّ الصافات، ثمَّ لقمان، ثمَّ سبأ، ثمَّ الزمر، ثمَّ حم المؤمن، ثمَّ حم السجدة، ثمَّ حمعسق، ثمَّ حم الزخرف، ثمَّ الدخان، ثمَّ الجاثية، ثمَّ الأحقاف، ثمَّ الذاريات، ثمَّ الغاشية، ثمَّ الكهف، ثمَّ النَّحل، ثمَّ إنا أرسلنا نوحًا، ثمَّ سورة الأنبياء، ثمَّ المؤمنين، ثمَّ تنزيل السجدة، ثمَّ الطور، ثمَّ تبارك الملك، ثمَّ الحاقة، ثمَّ عم يتساءلون، ثمَّ النازعات، ثمَّ إذا السماء انفطرت، ثمَّ إذا السماء انشقت، ثمَّ الروم، ثمَّ العنكبوت، ثمَّ ويل للمطففين.. فهذا ما أنزل الله بمكة‏، ثمَّ أنزل بالمدينة سورة البقرة، ثمَّ الأنفال، ثمَّ آل عمران، ثمَّ الأحزاب، ثمَّ الممتحنة، ثمَّ النِّساء، ثمَّ إذا زلزلت، ثمَّ الحديد، ثمَّ القتال، ثمَّ الرعد، ثمَّ الرَّحمن، ثمَّ الإنسان، ثمَّ الطلاق، ثمَّ لم يكن، ثمَّ الحشر، ثمَّ إذا جاء نصر الله، ثمَّ النور، ثمَّ الحج، ثمَّ المنافقون، ثمَّ المجادلة، ثمَّ الحجرات، ثمَّ التحريم، ثمَّ الجمعة، ثمَّ التغابن، ثمَّ الصف، ثمَّ الفتح، ثمَّ المائدة، ثمَّ براءة.‏

1.5.2- والترتيب أعلاه (ترتيب سور القرآن حسب النزول) هو نفس الترتيب الذي في حديث ابن عباس أعلاه، ماعدا ما يلي:

1.5.2.1- سورة الفاتحة: فهي لم تذكر في الحديث، وذُكِرت بأنها خامس سورة في حديث عن جابر بن زيد.

1.5.2.2- سورة الرَّحمن: فقد ذكر السيوطي أن الجمهور على أنَّها مكيَّة، ويدلُّ عليه الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرَّحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: ما لي أراكم سكوتًا؟ لقد قرأتُها على الجنِّ ليلة الجن فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنتُ كلَّما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: ولا بشيء من نعمكَ ربنا نكذب فلك الحمد)، وقصَّة الجن كانت بمكَّة، أمَّا ترتيبها فهي تأتي قبل سورة الحجر لحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يقرأ وهو يُصلِّي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يسمعون ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾)، أخرجه أحمد وابن مردويه بسند حسن، والأمر بأن يصدع بما يؤمر جاء في الآية (94) من سورة الحجر.

1.5.2.3- سورة الرعد: الشواهد من السورة في الآيات (27-31 و 34-43) التي تدلُّ على أنها مكيَّة نزلت في المرحلة الأخيرة من العهد المكِّي.

1.5.2.4- سورة الإنسان: معظم المفسِّرين للقرآن بمن فيهم العلامة الزمخشري، والإمام الرازي، والقاضي البيضاوي، والعلامة نظام الدين النيسابوري، والحافظ ابن كثير، والكثير غيرهم.. قالوا إنَّ هذه السورة مكيَّة، وحسب العلامة الألوسي فإنَّ هذا هو قول معظم المفسرين، ويوجد البعض مَن قال إنَّ هذه السورة مدنيَّة، والبعض الآخر أيضًا قال إنَّها مكيَّة ما عدا الآيات (8-10) فهي مدنيَّة، وبالنظر إلى موضوع السُّورة وأسلوبها، نجده يختلف عن القرآن المدني، وبقليل من التأمُّل نلاحظ أنَّها ليست فقط مكيَّة بل حتَّى من السور التي نزلت في بدايات العهد المكي، والذي ابتدأ مباشرة بعد نزول أول سبعة آيات من سورة المدثِّر، أمَّا فيما يتعلَّق بالآيات (8-10) فهي منسجمة بشكل طبيعي مع سياق الموضوع وكأنَّها آتية مقروءة في مكانها الصحيح، ولا يستطيع أحد زعم أنَّ الآيات التي تسبقها والآيات التي تليها نزلت قبلها بحوالي خمس عشرة إلى ست عشرة سنة، وأنَّ هذه الآيات الثلاث نزلت بعدها بعدَّة سنوات وأُقحِمت هذا المكان بشكل غير طبيعي.

1.5.2.5- سورة النصر: هي آخر سورة لحديث ابن عباس في صحيح مسلم قال: آخر سورة نزلت ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾.

1.5.2.6- فيما يلي ترتيب السور حسب النزول، كما وردَ في الحديث والتوضيحات أعلاه:

1- العلق، 2- القلم، 3- المزمل، 4- المدثر، 5- الفاتحة، 6- المسد، 7- التكوير، 8- الأعلى، 9- الليل، 10- الفجر، 11- الضحى، 12- الشرح، 13- العصر، 14- العاديات، 15- الكوثر، 16- التكاثر، 17- الماعون، 18- الكافرون، 19-الفيل، 20- الفلق، 21- الناس، 22- الإخلاص، 23- النجم، 24- عبس، 25- القدر، 26- الشَّمس، 27- البروج، 28- التين، 29- قريش، 30- القارعة، 31- القيامة، 32- الهمزة، 33- المرسلات، 34- ق، 35- البلد، 36- الطارق، 37- القمر، 38- ص، 39- الأعراف، 40- الجن، 41- يس، 42- الفرقان، 43- فاطر، 44- مريم، 45- طه، 46- الواقعة، 47- الشعراء، 48- النمل، 49- القصص، 50- الإسراء، 51- يونس، 52- هود، 53- يوسف، 54- الرعد، 55- الرَّحمن، 56- الإنسان، 57- الحجر، 58- الأنعام، 59- الصافات، 60- لقمان، 61- سبأ، 62- الزمر، 63- غافر، 64- فصلت، 65- الشورى، 66- الزخرف، 67- الدخان، 68- الجاثية، 69- الأحقاف، 70- الذاريات، 71- الغاشية، 72- الكهف، 73- النَّحل، 74- نوح، 75- إبراهيم، 76- الأنبياء، 77- المؤمنون، 78- السجدة، 79- الطور، 80- الملك، 81- الحاقة، 82- المعارج، 83- النبأ، 84- النازعات، 85- الانفطار، 86- الانشقاق، 87- الروم، 88- العنكبوت، 89- المطففين، 90- البقرة، 91 الأنفال، 92- آل عمران، 93- الأحزاب، 94- الممتحنة، 95- النِّساء، 96- الزلزلة، 97- الحديد، 98- محمد، 99- الطلاق، 100- البينة، 101- الحشر، 102- النور، 103- الحج، 104- المنافقون، 105- المجادلة، 106- الحجرات، 107- التحريم، 108- التغابن، 109- الصف، 110- الجمعة، 111- الفتح، 112- المائدة، 113- التوبة، 114- النصر.

1.5.3- وبهذا الترتيب يكون عدد السور المكية (89) سورة؛ من سورة العلق إلى سورة المطففين، وعدد السور المدنيَّة (25) سورة؛ من سورة البقرة إلى سورة النصر، بخلاف ما ذكرناه أعلاه (انظر القرآن الكريم وعدد سوره وآياته) فالرعد والرَّحمن والإنسان مكيَّة كما بيَّناه في الأحاديث أعلاه، وفي مكانه من السُّورة في كتاب تسهيل فهم وتدبُّر سور القرآن، والذي يمكن أن يُقال في هذه الأحاديث وفي غيرها من الأحاديث التي تتحدَّث عن ترتيب نزول القرآن إنَّه لا يمكن الاعتماد عليها بوجه من الوجوه، لأنَّ ليس لها قيمة الأحاديث الدينية ولا قيمة النقول التاريخيَّة، أمَّا أنَّها ليس لها قيمة الأحاديث الدينية فلأنَّها لم يتصل سندها بالنبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ولم يعلم أنَّ ابن عباس تعلَّم الترتيب من النبي أو من انسان آخر أو هو اجتهادي نظري، وأمَّا من الوجهة التاريخية فلأنَّ ابن عباس أدرك مدة قصيرة من حياة الرسول ولم يكن معه دائمًا حتى يشاهد كيفية نزول كلِّ السور والآيات، فلو لم يكُن اجتهد في هذا الترتيب فلا بُدَّ أنَّه نقله من إنسان آخر لم نعلم شخصه، فهذا نقل تاريخي لم يُذكَر فيه المصدر فليس له قيمة في التحقيق، وعلى فرض صحة هذه الأحاديث واستقامتها فهي من قبيل الخبر الواحد، وقد ثبتَ في أصول الفقه أنَّ الخبر الواحد غير حجة فيما عدا الفقه.

1.5.4- فإذًا الطريقة الوحيدة لمعرفة المكي والمدني هو التدبُّر في الآيات والنَّظر في مدى موافقتها لما جرى قبل الهجرة أو بعدها، وهذه الطريقة مفيدة إلى حد ما للتمييز بين المكي والمدني، فإنَّ مضامين سورة الإنسان والعاديات والمطففين تشهد بأنَّها مدنيَّة بالرغم من أنَّها ذُكرت في بعض الأحاديث على أنَّها مكيَّة، وترتيب السور التي يسير عليها هذا التسهيل يأتي وفق ترتيب المصحف العثماني لا وفق ترتيب النزول، مع الإشارة إلى ما ذكر من مناسبة نزول الآيات أو السور لما فيه من الأهميَّة الكبيرة في فهم وتدبُّر وتفسير القرآن، ذلك أنَّ الترتيب الزمني للنزول لا يمكن القطع فيه الآن بشيء، اللهمَّ إلَّا من ناحية أنَّ هذا قرآن مكي وهذا قرآن مدني على وجه الإجمال، على ما فيه من خلافات قليلة، فأمَّا الترتيب الزمني المقطوع به من ناحية زمن نزول كلِّ آية أو كلِّ مجموعة من الآيات أو كلِّ سورة، فيكاد يكون متعذرًا، ولا يكاد يجد الإنسان فيه اليوم شيئًا مستيقنًا، إلَّا في آيات معدودات تتوافر بشأنها الروايات أو تقطع بشأنها بعض الروايات.

1.5.5- مراحل نزول القرآن المكي:

بالمقارنة مع القرآن المدني قليل من المعلومات، كما ذكرنا، متوفِّرة عن مناسبات وأوقات نزول القرآن المكي بسبب عدم تسجيل الأحداث في حينها بالتفصيل الذي حصل للقرآن المدني، يمكننا إيجاد الكثير من الأحاديث والروايات عن مناسبات وأوقات نزول القرآن المدني، لكن القليل من الأحاديث متوفرة عن القرآن المكي، إلَّا إنَّنا بالقراءة المتفحِّصة للأسلوب وللأدلَّة التي تشير إليها الآيات المكيَّة مثل بعض الموضوعات أو الإشارات المباشرة وغير المباشرة للأحداث يمكن عن طريقها معرفة أو الجزم بأوقات نزولها إذا ما قيست على المراحل المختلفة لحياة الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة، ويمكن تقسيمها، من حيث الأحداث إلى أربع مراحل:

1.5.5.1- الأولى: وهي المرحلة السريّة، مدّتها ثلاث سنوات: من بداية نزول الوحي إلى بداية الدعوة العلنية: وكانت الدعوة إلى الإسلام سرًّا، فكان – صلَّى الله عليه وسلَّم – لا يدعو إلَّا مَن يثق به؛ ولم يكن المسلمون يظهرون عبادتهم، وكانوا يصلِّون سرًا في شعاب مكَّة حذرًا من تعصُّب قريش، ولما دخل في الإسلام ما يربو على الثلاثين، صار يجتمع بهم الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – في دار الأرقم بن أبي الأرقم، لقد كان – صلَّى الله عليه وسلَّم – في هذه المرحلة يدعو فقط الذين تربطه بهم صلات: زوجته ومولاه وأصدقائه، وكلَّ مَن يثق به ويطمئن بأنَّه يكتم السر، وكان مَن يُسلِم يدعو أيضًا أقاربه ومواليه وأصدقاءه ومَن يثق به، وهكذا.

إذا أخذنا بالاعتبار الأحاديث غير المتصلة المذكورة أعلاه، ونظرنا في نفس الوقت في مضامين وأسلوب السور والأدلة التي أشرنا إليها في مكانها من السورة في كتاب تسهيل فهم سور القرآن، فإنَّ السور التي نزلت في هذه المرحلة هي: (العلق، القلم، المزمل، المدثر، الفاتحة، المسد، التكوير، الأعلى، الليل، الفجر، الضحى، الشرح، العصر، العاديات، الكوثر، التكاثر، الماعون، الكافرون، الفيل، الفلق، الناس، الإخلاص، عبس، القدر، الشَّمس، التين، قريش، القارعة، القيامة، الهمزة، المرسلات البلد، الطارق، الإنسان، الغاشية، النبأ، النازعات، الانفطار، الانشقاق)، أي (39) سورة.

1.5.5.2- الثانية: وهي مرحلة الإيذاء، وتمتد الى سنتين بعد البدئ بإظهار الدَّعوة الى العلن: حيث بدأت قريش بالسخرية من الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – ومن دعوته والاستهزاء به في مجالسهم ونواديهم؛ فلمَّا عاب آلهتهم وسفَّه عقولهم وذمَّ تقليدهم لآبائهم، تحرَّكت في قلوبهم حميَّة الجاهليّة، غيرة على أصنامهم وعبادة آبائهم؛ ورأى الرسول وأصحابه منهم كثير الأذى وعظيم الشدَّة، واشتهرت من قريش جماعة سُمِّيوا لكثرة أذاهم بالمستهزئين، قال تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)} الحجر، وكان أشدهم أذى أبا جهل، وأبا لهب، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وغيرهم، ونزل فيهم القرآن؛ ثمَّ تصاعد الأذى إلى عداء، وتعمَّد إساءة المعاملة، ومنع الصلاة في البيت، ودعايات كاذبة، وطلبات تعجيزية من الرسول أن ينزل عليهم الآيات، وظلَّ يتصاعد العداء إلى سباب ونميمة، ثمَّ صاروا يرمون القاذورات على الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – ويؤذون أصحابه ويعذبونهم جسديًا، ومات بعضهم تحت العذاب، الذين كانوا في غالبيَّتهم ضعفاء ومساكين؛ ومن الذين عُذِّبوا بلال بن رباح وعمار بن ياسر وأخوه وأبوه وأمه؛ ولم يترك المشركون بابًا إلَّا سلكوه رجاء صدِّ كلِّ مَن أسلم عن اتِّباع الدين، ولم يخلُ أحد من المسلمين من الأذى أو العذاب، وقد بدأ يشتدُّ العذاب ويتفاقم يومًا بعد يوم في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبوة، حتى أواسط السنة الخامسة، فقالَ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم – لأصحابه تفرَّقوا في الأرض، وأشار إليهم بالهجرة إلى الحبشة، فكانت الهجرة الأولى في السنة الخامسة.

ومن الإيذاءات والاتهامات والاستهزاء والسخرية التي نزل بها وسجَّلها القرآنُ عن هذه المرحلة: أنَّهم اتَّهموا الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – بالجنون، قال تعالى: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)} الحجر، فأجابهم تعالى دفاعًا عن رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – بقوله: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)} القلم، وذكر أنَّهم قالوا: {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51)} القلم، واتَّهموه بالسحر: {وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)} ص، {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا (8)} الفرقان، {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا (47)} الإسراء، واتَّهموه بالكذب: {وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)} ص، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4)} الفرقان، وعجبوا أن دعاهم إلى إله واحد: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6)} ص، واتهموه بالإتيان بالأساطير: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)} الفرقان، وقالوا إنَّ القرآن من عند البشر: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)} النحل، واتَّهموا المؤمنين بالضلالة: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32)} المطففين، والسخرية والاستهزاء والضحك والهمز واللمز والتعالي على المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ (31)} المطففين، والتشويش على سماع القرآن: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)} فصلت، وطلبوا أن يأتيهم بالآيات والمعجزات وأشياء تعجيزية: {وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا (8)} الفرقان، {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)} يونس، {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا (59)} الإسراء، {وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا (93)} الإسراء، وسألوه أن يُسيِّر لهم جبال مكَّة ويقطع لهم الأرض ليزرعوها وأن يكلم الموتى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا (31)} الرعد، ثمَّ صاروا يساومونه في العبادة: { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)} القلم، { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} الكافرون.

ومن مضامين وأسلوب السور والأدلَّة التي أشرنا إليها في مكانها من السورة، فإن السور التي نزلت في هذه المرحلة الثانية هي: ص، الجن، الرَّحمن، الذاريات، الطور، الملك، الحاقة، المعارج، المطففين، وكذلك منها السور التي نزلت في السنة الخامسة وهي: النجم، ق، طه، الشعراء، الواقعة؛ أي (14) سورة.

1.5.5.3- الثَّالثة: وهي مرحلة الهجرة من مكة إلى الحبشة، ومقاطعة الرسول وقومه بني هاشم وبني المطلب، وتمتدُّ إلى خمس سنوات، من السنة الخامسة من بداية نزول الوحي إلى العاشرة: أي منذ بدء تعذيب المسلمين إلى موت عمِّ الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – وموت زوجته خديجة رضي الله عنها في السنة العاشرة من الهجرة، واللذان كانا بنفوذهما خلال هذه المرحة يستجلبان مساعدة قومهما في حماية المسلمين، فلمَّا أصبحت مضايقة قريش للمسلمين في صورة أعنف استُخدمَ فيها الإيذاء الجسدي وغيره من أدوات القسوة والوحشيَّة والهمجيَّة ممَّا اضطرَّ كثير منهم للهجرة إلى الحبشة، فكانت هجرتين: الهجرة الأولى في السنة الخامسة من البعثة، وعددها عشرة رجال وخمس نساء، ورجوعهم بعد ثلاثة أشهر، والهجرة الثانية في السنة السابعة، مجموع مَن هاجرَ (83 رجلًا و11 امرأة) من قريش بالإضافة إلى سبعة رجال من غير قريش؛ وفي السنة السادسة أسلم حمزة وعمر بن الخطاب؛ وفي السنة السابعة طبَّقت على النبيِّ عليه السلام ومَن تبقَّى معه من المسلمين؛ (وقد بقي معه في مكة فقط أربعون شخصًا)، المقاطعة الاقتصاديّة والاجتماعية حيث التجؤوا إلى شعاب أبي طالب وحوصروا فيها ثلاث سنوات في شدَّة وبلاء لا يصلهم شيء من الطعام إلَّا خفية، حتى كانوا يأكلون ورق الشجر، وكانوا يمنعون التجار من مبايعتهم؛ الشيء الوحيد الذي كان يساعد على حماية المسلمين ويُخفِّف من عذابهم هو نفوذ عمِّ الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – أبي طالب، وزوجته خديجه رضي الله عنها في قومهما، وبموتهما ابتدأت المرحلة الرابعة باضطهاد لا هوادة فيه اضطرَّ الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – وأتباعه في النهاية إلى الهجرة إلى خارج مكَّة.

وقد نزلَت في هذه المرحلة سورة الكهف، فقصَّة أهل الكهف ترشد المؤمنين إلى الهجرة من دار الكفر فرارًا بالدين، قال تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا (16)} الكهف، وقال: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)} الزمر.

ومن مضامين وأسلوب السور والأدلة التي أشرنا إليها في مكانها من السورة، فإن السور التي نزلت في هذه المرحلة هي: البروج، القمر، يس، الفرقان، فاطر، مريم، النمل، القصص، الصافات، لقمان، سبأ، الزمر، غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف، الكهف، نوح، الأنبياء، المؤمنون، السجدة، الروم؛ أي (25) سورة.

1.5.5.4- الرابعة: مرحلة الابتلاء الشديد، استمرَّت ثلاث سنوات: مِن السنة العاشرة إلى السنة الثالثة عشرة من البعثة، ابتلي فيها الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – وأصحابه بأصعب الابتلاءات وعانوا أشد المعاناة، أصبحت الحياة في مكة فوق الاحتمال فلا مكان للاختباء أو حتى الهجرة، وحينما حاول الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – اللجوء إلى أخواله في الطائف، سلَّطوا عليه الصِّبية يرمونه بالحجارة، وعندما كان يدعو القبائل العربيَّة من خارج مكة في مواسم الحج لم يسمعوا منه؛ وفي السنة الحادية عشرة من البعثة وقع الإسراء والمعراج، وقيل في العاشرة وفيه خلاف، وفُرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج، وبدأت قريش ترسم خطَّة لسجن أو طرد أو قتل النبيِّ عليه السلام للتخلُّص منه إلى الأبد، في هذا الوقت الحرج والوضع الخطير والجوِّ الموحش المليء بالعذاب والتنكيل ومؤامرات قتل الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – قدَّر الله للأوس والخزرج أن يدخلوا الإسلام وطلبوا من المسلمين الهجرة إلى موطنهم في يثرب (المدينة)، وتبايعوا على ذلك في بيعتَي العقبة الأولى والثانية، فكانت الهجرة هي حبل النجاة وابتدأ العهد المدني.

ومن مضامين وأسلوب السور والأدلة التي أشرنا إليها في مكانها من السورة، فإنَّ السور التي نزلت في هذه المرحلة هي: الأعراف، الإسراء، يونس، هود، يوسف، الرعد، الحجر، الأنعام، النَّحل، إبراهيم، العنكبوت؛ أي (11) سورة.


ترتيب السّور باعتبار مضامينها ومناسبات نزولها يختلف عن ترتيبها باعتبار الحديث:

1.5.5.5- سوف نلاحظ أن ترتيب السّور باعتبار مضامين السّور والأدلة التاريخيَّة والمناسبات يختلف عن ترتيبها باعتبار الحديث والتوضيحات أعلاه، وهذا يؤكِّد أنَّ كلا هذين الترتيبين غير دقيق، وأنَّه لا يمكن الاعتماد عليهما بوجه من الوجوه في الجزم بصحَّة ترتيب السور حسب النزول، إلَّا على وجه التقريب، ثمَّ أنَّه من الجدير بالملاحظة أن حوالي نصف عدد سور القرآن، ثَلاثًا وخمسين (53) سورةً نزلت في السنوات الخمسِ (5) الأولى من بدء الوحي، وباكتمال الفترة المكية، والتي مدَّتها ثلاثَ عشرة (13) سنة، بلغَ عددُ سورِ القرآن تسعًا وثمانين (89) سورة، (أي: 78% من عدد السور، عدد آياتها 4765 آية)، أمَّا باقي السور، وهي المدنيَّة، وعددُها خمسٌ وعشرون (25) سورة، (عدد آياتها 1471 آية) فقد نزلت في مدَّة عشرِ (10) سنوات، وهي الفترةُ المدنية، ونزل بعض آياتها في مكَّة، وعمليًا، يمكننا القول إنَّ ثمانين بالمئة (80%) من القرآن مكِّي، نزل في وقت كان فيه عدد المسلمين في حدود ثلاثِمئةِ (300) مسلم، ثمَّ اكتمل نزول القرآن في وقت كان فيه عدد المسلمين تقريبًا ثلاثينَ ألفِ (30,000) مقاتل في غزوة تبوك، لكن الملياراتِ من المسلمين التي جاءت بعد ذلك، فقد تلقته كاملًا في مُصحف واحد، هو المُصحف الإمام الذي بين أيدينا؛ وفي نزوله منجمًا ابتداءً، أي في مناسبات مختلفة وأحداث متغيِّرة، حسْبَ ما استجدَّ في ذلك الوقت من ظروف وأحداث، ثمَّ جمعُه بوحي من الله تعالى بطريقة مغايرة، وبترتيب آخر في المُصحف الإمام، دلالة وإشارة والله أعلم، على أنَّ هذا القرآن لا يُعلم مُراده إلَّا بالعمل والتجربة، غير ما ذُكر من أسباب التثبيت وتيسير الحفظ والتدرج في التشريع ومسايرة الحوادث وأنَّه كلام الله، ويجب فهمه وتدبُّره في سياق المناسبات والأحداث، كما فهمه من نزل عليهم أوَّل مرَّة، ولا يفهم بشكلٍ صحيح مُراده، إلَّا بالعمل وبالتجربة وبالتعلُّم، وفي السياق الذي وضعه العليم الحكيم، خالق النَّاس، الذي يعلم سبل زكاتهم وتعلُّمهم، قال تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ (2)} الجمعة، والآية (164) آل عمران، فلم يجعله سبحانه كتابَ سننٍ وشرائعَ وقواعدَ وموازينَ جامدةٍ صارمةٍ، كقوانينِ البشر الوضعيَّة؛ ثمَّ أنَّه يجب أن يقرأ القرآن في المناسبات والأحداث والتجارب المشابهة التي واجهها المسلمون الأوائل رضوان الله عليهم، وبقصص الأنبياء والأمثلة والنماذج التي قصَّتها الآيات عن القرون الأولى، وهو ما أشرنا إليه كثيرًا، وبيَّناه بالتفصيل في هذا الكتاب، ومن ذلك أنه:

1.5.5.6- العهد المدني: لمَّا اشتدَّ البلاء على المسلمين في مكة بعد بيعة العقبة الثانية، أذِنَ – صلَّى الله عليه وسلَّم – لأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة، وأمرهم باللحاقِ بِإخوانهم من الأنصار، واستمرَّت هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة ثماني (8) سنوات، حتَّى فتح مكة عام ثمانيةٍ للهجرة (8 ه)، وظلَّت الهجرة إلى المدينة واجبةً على المسلمين، ونزلت الكثير من الآيات تحثُّ المسلمين على الهجرة إلى المدينة حتى فتح مكة، فلما فُتِحت مكة أصبحت دارَ إسلام، ولعظم حادثة الهجرة فقد تكرَّر ذِكرها في عشر (10) سور من السور المدنية وهي: البقرة، وآلِ عمران، والنِّساء، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، الأحزاب، والحشر، والممتحِنة، ومرة في السُّور المكية، عن المهاجرين إلى الحبشة، في سورة النَّحل في الآيات (41، 110)؛ انظر أيضًا كتاب تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن: (008.7.3- الهجرة: وقد كانت الهجرةُ أعظم حدث في تاريخ الإسلام).

ثمَّ ابتدأ العهد المدني بعد ثلاثةَ عشرَ (13) عامًا من بدء نزول الوحي في مكة، ولم يزد عددُ المسلمين طُوالَ هذه المدَّة عن بضعِ عشرات من المسلمين، ضيَّق عليهم مشركو قريش غاية الضيق، وآذوهم أشد الإيذاء، وبقي عدد المسلمين قليلًا، حتَّى بعد الهجرة، ففي السنة الثانية للهجرة، كان عدد جندِ المسلمين من المهاجرين والأنصار في معركة بدر أكثرَ قليلًا من ثلاثِمِئة (300)، وهم معظم المسلمين، وظلَّت حركة الدخول في الإسلام محدودة؛ لأنَّ العرب لا يزالون ينتظرون ويتربَّصون موقف قريش من الإسلام، ويقولون: إن كان محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – نبيًا، فسيظهر على قريش، وإن كان غيرَ نبي، فستظهر قريش عليه، وفي صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة (6 ه)، كان عدد المسلمين الذين ذهبوا لأداء العمرة في مكة، ألفًا وأربعمئة (1400) شخص، ثمَّ انتهى الأمر بتوقيع معاهدة للصلح مدَّتها عشرُ (10) سنوات، عرفت بصلح الحديبية، وقد كانت فتحًا عظيمًا أمن بسبِبِه المسلمون على أنفسهم من قريش، فدخل كثير من الناس في دين الله أفواجًا، قال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1)} الفتح؛ وبعد سنتين نقضت قريش وحلفاؤها المشركون الصلحَ، وردًّا على ذلك، جَهَّزَ الرسولُ – صلَّى الله عليه وسلَّم – جيشًا قوامه عشرة آلاف (10000) مقاتل لفتح مكة، فدخلها سلمًا من دونِ قتال تقريبًا، وبعد فتح مكّة في السنة الثامنة (8 ه) واستقرار الإسلام فيها، أقبلَت وفود العرب من كلِّ صوب يظهرون إسلامهم، وسُمِّي العام التاسع بعام الوفود، وأخذَ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا طائعين مختارين، قال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} النصر، وفي غزوة تبوك في رجب السنة التاسعة للهجرة (9 ه)، وهي آخر غزوات الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – خرجَ المسلمون من المدينة بعدد كبير قوامه ثلاثون ألفًا (30,000)، فتضاعف بذلك عدد المسلمين في سبعِ سنوات (7) مائة ضعف، ما بين غزوة بدر إلى غزوة تبوك، من ثلاثمِئة (300) مقاتل إلى ثلاثين ألفًا (30,000)، تمامًا كما وعد الله تعالى، ووعده الحق، بالاستخلاف والتمكين في الأرض.

1.6- أسماء أخرى للقرآن:

في كتاب تدبُّر سور القرآن أشرنا إلى معنى “اسم السورة” لكلِّ سورة وجعلناه في مكانه؛ ومعنى كلمة “السُّورة”: هو الجمع والإحاطة لآياتها كما يسمَّى سور البيت لإحاطته بالمنزل، ومعناها الإبانة والارتفاع لإمكان رؤية كل ما دونها، وقد ثُبتت أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار، وممَّا يدلُّ على ذلك: ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال: كان المشركون يقولون: سورة البقرة وسورة العنكبوت، يستهزئون بها، فنزل: {إنا كفيناك المستهزئين (95)} الحجر.

لكلِّ سورة اسمان (أو عنوانان)، يشيران إلى محتوياتها، وهما: اسم السُّورة ومقصدها:

 

1.6.1- إنّ اسم السورة قد يدلُّ على محتواها أو مضمونها في بعض السور، وفي أغلب السور قد لا يدل على محتواها بقدر ما يدل على الإطار، والشكل المحدد لمقصِدها وموضوعاتها، كالعنوان، أو كمجموعة متجانسة فيها، اسم السُّورة هو الإطار الذي يحيط بالآيات، ويشير إلى ما فيها من موضوعات، فمعنى السورة: هو الجمع والإحاطة، وهكذا نجد أنَّ للآيات والموضوعات في سور القرآن اسمين أو عنوانين رئيسين، يُشيران بطريقتين مختلفتين إلى محتويات كلِّ سورة على اختلاف أغراضها، أحدهما هو اسم السورة: وهو كالإطار الذي يُحيط ويشير إلى مُحتويات السُّورة ويُبرز تناسُبها مع مقصِدها، أو كالخلفية التي تجمع كلَّ موضوعات السُّورة في لوحة واحدة متناسقة مع مقصِدها، ففي سورة البقرة مثلًا، تظلُّ قصَّة ذبح البقرة هي الإطار العام أو الخلفيَّة المناسبة لإظهار بساطة أمر الله وهديه، مقابلَ كثرة جدال اليهود وتحايلهم على الهدى والتشريع؛ والثاني هو مقصدها: الذي يشير إلى الغرض أو الرسالة التي تهدف السورة إلى تبليغها للقارئ، فتكون كلُّ آياتها مترابطةً حولَه، في وَحدة موضوعيَّة متكاملة، فالمقصد في سورة البقرة هو بيان طريق الهدى، وهذا وجه من وجوه إعجاز القرآن: لأنَّ القارئ يستطيع أن يتدبَّر بعض السور التي لها أكثر من اسم بأكثرِ من عنوان؛ وأكثرها مثلًا سورة الفاتحة، فلها نيف وعشرون اسمًا، ومن أسمائها: فاتحة الكتاب وفاتحة القرآن وهذا يُناسب أن تُقرأ آياتها في هذا الإطار وكأنها الفقرة الأولى في ذلك الكتابِ الكبير وهو القرآن، ومن أسمائها القرآن العظيم: فتقرأ آياتها في إطار شمولها على كل معاني القرآن، ومن أسمائها الحمد: فتقرأ آياتها على خلفية أنَّها محامد ربِّ العالمين، ومن أسمائها الصلاة: فتقرَأ في إطار توقُّفِ الصلاة عليها، ولحديث “قسَّمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين”، وهكذا نستطيع أن نتدبَّر السورةَ من عدَّة زوايا، فإنَّ كثرة الأسماء دالَّة على غزارة المعاني وعلى شرف المسمَّى، ومن أسمائها: النُّور، والشُّكر، والراقية، والشفاء، والشافية، والدُّعاء، كما بيَّناه في مكانه؛ أمَّا مقصد سورةِ الفاتحة فهو: الثناء والدعاء وطلب الهداية.

إذًا من وجوه إعجاز القرآن: أن يكون للسورة عنوان، هو المقصِد الذي يُجمَعُ إليه موضوعات آياتها، وأن يكون بين الآيات ترابط يُوصل إلى نفس المقصد أو العنوان، وأن يكون لكلِّ سورة إطارٌ واضح يحيط بهذه الآيات ويعطيها شكلها المحدَّد وصفاتها المميَّزة، وربَّما يكون هذا من باب تعليم الله آدم أسماء الأشياءِ كلِّها، وهي ميزة تميز بها عن باقي المخلوقات، قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا (31)} البقرة، وأنَّ لكلِّ شيء اسمًا يدلُّ على مضمونه وصفاته وترابطِ أجزائه، ولمَزيدِ امن لإيضاح أيضًا فإنَّنا في سورةِ يوسف مثلًا، نستطيع تدبُّر آياتها من زاويتين مختلفتين، وتحت عنوانين مختلفين، الأول: هو قصَّة يوسُف، وهي من أحسنِ القَصص، والثاني: الابتلاء بالخيرِ والشَّر، فاسم السُّورة يوسف هو عنوان مطابق لموضوعها، لأنَّها تحكي قصَّة يوسف عليه السلام كاملة من بدايتها إلى نهايتها في مكان واحد، وهي من أحسن القصص، فيها الأبوَّة والنبوَّة والرؤى والحب والكره والحسد والفشل والسفر والنجاح والمرض والعبودية والملك وغيرها من قصص الإنسان.. لكن مقصِد السُّورة ليس عين القصة ذاتها، إنَّما مقصدها هو الابتلاء بالخير والشر، الذي قد يطول ويستمرُّ لعقود من الزمن، وأنَّ فيه حكمة وخيرًا وتمحيصًا وتدريبًا وغيره كما فصلناه في مكانه، فاسم السورة “يوسف” هو عنوان لمعاني لا حدود لها، وبمجرَّد ذكر هذا الاسم يحضر إلى وعينا ما لا نهاية له من العلوم والمعاني؛ وهو ربَّما يكونُ من معاني الأسماءِ التي علَّمها تعالى لآدم، أو يكونُ كالذي أنبأ به آدمُ عليه الصلاة والسلام الملائكة، في قوله تعالى: {قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ، فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)} البقرة، والله أعلم.

1.6.2- اسم السّورة يدل على مقصودها: يقول الإمام برهان الدين البقاعي في نظم الدُّرر: «إنَّ مَن عرف المراد من اسم السورة عرف مقصودها، ومَن حقَّق المقصود منها عرف تناسُب آيها وقصصها وجميع أجزائها، فإنَّ كلَّ سورة لها مقصد واحد يُدار عليه أولها وآخرها ويستدلُّ عليه فيها؛ فترتب المقدمات الدالَّة عليه على أكمل وجه وأبدع منهج، وإذا كان فيها شيء يحتاج دليلًا استُدلَّ عليه، وهكذا في دليل الدليل وهلم جرًا»، ويضرب المثال على ذلك فيقول: «سورة آل عمران مقصودها التوحيد لذلك بُدئت به وخُتمت بما بُنيَ عليه من الصبر وما معه من التقوى، وسورة مريم مقصودها شمول الرحمة ففُتحت بذكر الرحمة وخُتمت بأنَّ كلَّ مَن كان على نهج الخضوع لله يجعل له وُدًّا ثمَّ كُرِّر الوصف بالرَّحمن فيها تكريرًا يلائم مقصودها».

1.6.3- أسماء القرآن الكريم:

وقال أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك (المعروف بشيدلة) في كتاب البرهان: اعلمْ أنَّ الله سمَّى القرآن بخمسة وخمسين اسمًا: سمَّاه كتابًا ومبينًا في قوله‏:‏ ﴿‏حم والكتاب المبين‏﴾، ‏وقرآنًا وكريمًا في قوله‏:‏ ﴿‏إنَّه لقرآن كريم‏﴾، وكلامًا‏:‏ ﴿‏حتَّى يسمع كلام الله‏﴾،‏ ونورًا‏:‏‏ ﴿‏وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا‏﴾، وهدى ورحمة‏:‏ ﴿‏هدى ورحمة للمؤمنين‏﴾،‏ وفرقانًا‏:‏ ﴿‏نزل الفرقان على عبده‏﴾، وشفاء‏:‏ ﴿‏وننزل من القرآن ما هو شفاء‏﴾، وموعظة‏:‏ ﴿‏قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور‏﴾، وذكرًا ومباركًا‏:‏ ﴿‏وهذا ذكر مبارك أنزلناه‏﴾، وعليًا‏:‏ ‏﴿‏وإنَّه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم‏﴾، وحكمة‏:‏ ‏﴿‏حكمة بالغة‏﴾،‏ وحكيم‏:‏‏ ﴿‏تلك آيات الكتاب الحكيم‏﴾، ومهيمنًا‏:‏ ﴿‏مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه‏﴾، وحبلًا‏:‏‏ ﴿‏واعتصموا بحبل الله‏﴾،‏ وصراطًا مستقيمًا‏:‏‏ ﴿‏وأنَّ هذا صراطي مستقيمًا‏﴾، وقيمًا‏:‏ ﴿‏قيما لينذر بأسا‏﴾، وقولًا وفصلًا‏:‏ ‏﴿‏إنَّه لقول فصل‏﴾، ونبأ عظيمًا‏:‏ ﴿‏عمَّ يتساءلون عن النبأ العظيم‏﴾، وأحسن الحديث ومثاني ومتشابهًا‏:‏‏ ﴿‏الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني‏﴾، وتنزيلًا‏:‏ ﴿‏وإنَّه لتنزيل ربِّ العالمين‏﴾،‏ وروحًا‏:‏ ﴿‏أوحينا إليك روحًا من أمرنا‏﴾، ووحيًا‏: ﴿‏إنَّما أنذركم بالوحي‏﴾، وعربيًا‏: ﴿‏قرآنًا عربيًا‏﴾، وبصائر‏:‏ ﴿‏هذا بصائر‏﴾، وبيانًا‏: ﴿‏هذا بيان للناس‏﴾، وعلمًا‏:‏ ﴿‏من بعد ما جاءك من العلم‏﴾، وحقًا‏: ﴿‏إن هذا لهو القصص الحق‏﴾، وهاديًا‏:‏ ﴿‏إن هذا القرآن يهدي‏﴾، وعجبًا‏:‏ ﴿‏قرآنًا عجبًا‏﴾، وتذكرة‏:‏ ﴿‏وإنه لتذكرة‏﴾، والعروة الوثقى‏: ﴿‏استمسك بالعروة الوثقى‏﴾، وصدقًا‏: ﴿‏والذي جاء بالصدق‏﴾، وعدلًا‏: ﴿‏وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا‏﴾، وأمرًا‏:‏ ﴿‏ذلك أمر الله أنزله إليكم‏﴾، ومناديًا‏:‏ ﴿‏ينادي للإيمان‏﴾، وبشرى‏: ﴿‏هدى وبشرى‏﴾، ومجيدًا‏: ﴿‏بل هو قرآن مجيد‏﴾، وزبورًا‏:‏‏ ﴿‏ولقد كتبنا في الزبور‏﴾، وبشيرًا ونذيرًا‏: ﴿‏كتاب فصلت آياته قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون بشيرًا ونذيرًا‏﴾، وعزيزًا‏:‏ ﴿‏وإنه لكتاب عزيز‏﴾، وبلاغًا‏: ﴿‏هذا بلاغ للناس‏﴾، وقصصًا‏:‏ ﴿‏أحسن القصص‏﴾.. وسمَّاه أربعةَ أسماء في آية واحدة‏:‏ ﴿‏في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة‏﴾ انتهى‏. (منقول عن السيوطي في كتابه الإتقان).

1.6.4- معنى اسم القرآن: اسم القرآن اختُلِفَ في سبب تسميته، فقال جماعة‏:‏ هو اسم علم غير مشتق، خاص بكلام الله، وبه قرأ ابن كثير وهو مروي عن الشافعي‏، وقال قوم منهم الأشعري‏:‏ هو مشتق من قرنت الشيء بالشيء‏:‏ إذا ضممتَ أحدهما إلى الآخر، وسمى به لقرآن السور والآيات والحروف فيه‏، وقال الفراء‏:‏ هو مشتق من القرائن، لأنَّ الآيات منه يصدق بعضها بعضًا، ويشابه بعضها بعضًا، وهي قرائن، وقال أبو عبيدة‏:‏ وسمى بذلك، لأنَّه جمع السور بعضها إلى بعض‏، وقال الراغب‏:‏ لا يقال لكلِّ جمع قرآن ولا لجمع كل كلام قرآن‏، قال‏:‏ وإنَّما سُمِّي “قرآنًا” لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزلة‏، وقِيل لأنَّه جمع أنواع العلوم كلها.

1.7- أسماء الله وصفاته التي عرّف الله بها على نفسه في كتابه:

ذكرنا في مُقدِّمة الكتاب أنَّ مقصد تنزيل القرآن الكريم هو تعريف الإنسان بخالقه أولًا، وبأسمائه الحسنى وصفاته، لكي يسعدَ بمعرفتها؛ ثمَّ عرَّف الإنسان على مقصد وجوده، وماضيه وحاضره ومستقبله، في الزَّمان والمكان، وفي الغيب والشهادة، وما له وما عليه؛ وأنَّ الله جعل سعادته وفلاحه في عبادته وفي اتِّباع هديه، فيخلص الإنسان في عبادته؛ فيسعد بهذه المعرفة الحق بعقله، ويحب بقلبِه، ويطيع بجوارحه، ويتقرَّب بالأعمال، فيحببه الله، فإذا أحبَّه الله كان سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، وقدمَه التي يمشي عليها، وإذا سأله أعطاه، وإذا استغفره غفر له، وإذا استعاذه أعاذه؛ فَفَضْلُ الله والنعيم الذي أراده للنَّاس هو أن يحبَّهم ويحبُّونه، قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54)} المائدة، لذلك نبدأ هنا بالإشارة إلى الأسماء والصفات التي عرَّف الله بها على نفسه في كتابه.

 

1.7.1- الله سبحانه وتعالى: هو خالق كلِّ شيء، فلا يقاس بأشياء خلقها: قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} الشورى، وخالق الزَّمان والمكان والأسباب، له الأسماء الحسنى وجميع صفات الكمال والجمال والجلال والعظمة والعزَّة والقوَّة، هو الأوَّل بلا بداية، والآخر بلا نهاية، فلا يقاس الله تعالى بزمان ولا مكان؛ لأنَّه خالق الزَّمان والمكان، ولا تحكُمُه الأسباب فهو خالق الأسباب؛ قريب يسمع تحاور النَّاس، ويعلم ما تُوسوس به أنفسُهم، وهو أقرب إليهم من حبل الوريد (أي مجرى الدَّم)، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)} ق، فلا يحكُم الله زمان (فلا سرعات)، ولا مكان (فلا مسافات)، عالمُ الغيب والشَّهادة، فلا يخفى عليه شيء، وخارقُ الأسباب بالمعجزات فلا يعجزه شيء؛ هو الرحمةُ الواسعة، والقوَّةُ المطلقة، وذو الحول والطول، ومالك الملك، وواهب كُل شيء، كلُّ المخلوقات في فيض نعمته وفي طاعته تشكرُ فضله وتُسبِّح بحمده، ما خلقهم لحاجته إليهم، ولا ليستكثر بهم من قلَّة، ولا ليتعزَّز بهم من ذلَّة، ولا ليستغني بهم من عيلة، ولا ليستأنس بهم من وحشة، بل هو الغنيُّ وهم الفقراء إليه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)} فاطر، فهذه من صفات الكمال والجلال التي عرَّفنا الله بها تعالى على نفسه، في كتابه، وأراد لنا، بل تحدَّانا أن نجرِّب معرفتها وآثارها في حياتنا، فمعرفةُ أسماء الله ليس علمًا نظريًا فقط، بل علمًا تجريبيًا أيضًا، نرقى بمعرفتها، ونطهِّر أنفُسَنا ونتزكَّى باتِّباع سبيلها، بالإسلام والإيمان والإحسان، فنَنْعمُ بما عرَّفنا عليه من أسمائه وصفاته، وما أعدَّه لنا من رحماته الواسعة التي وسعت كلَّ شيء، ومغفرته، وجنَّاته التي عرضُها السَّموات والأرض، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)} الأعراف.

1.7.2- الدُّنيا: علينا أن نتذكر بأن هذه الدُّنيا خلقها الله للإنسان: بعجائبها وكلِّ ما فيها من زينة ومفاتن وزخارف، وكلِّ عظمتها التي نراها عليها، هي شيء قليل حقير عند الله، قال – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (لو كانت الدُّنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شَرْبَة ماء) رواه الترمذي، فالدُّنيا عند الله لا شأن لها ولا قيمة، وهي لا تبلُغ عنده، جلَّ جلاله، مقدار جناح البعوضة، ولذلك أعطاهم منها ما أعطاهم، وهذه الأرض هي ذرَّة صغيرة جدًا، لا ترى في هذا الكون الواسع الذي قطره مليارات السَّنوات الضوئيَّة، ثمَّ وأنَّ الأرض ومن فوقها السَّموات السَّبع في الكرسي كحلقة في فلاة، قال تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)} البقرة، والكرسي في عرش الرَّحمن كحلقة في فلاة، لا إله إلا الله، له ملكوت كلِّ شيء، وهو بكلِّ شيء محيط، قال تعالى: {وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً (126)} النّساء.

 

1.7.3- أسباب السماوات والأرض: الله تعالى هو خالقُ الأسباب: وجعلَ لكلِّ شيء سببًا، خلقَ كلَّ المخلوقات لعبادته، وقدَّر لها وألهمها طريقَي الخير والشَّرِّ، رضِيَت كلُّ المخلوقات، ولم يرضَ بذلك الإنسان، بل أراد أن يختار لنفسِه، فأعطاه الله ما أراد، خلق له وسخَّر له هذا الكون على اتِّساعه، وأسبغ عليه نعمه، وعلَّمه علمًا نظريًّا بالوحي والكتاب، وعلمًا تجريبيًّا بالعمل والخطأ والصَّواب، وهداه إلى الصِّراط المستقيم، صراط النعيم، وطريق الخير، أمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر، وأنذره وحذَّره من اتباع سبُل الضَّلال، وطُرُق أهل الشَّرِّ من الضَّالين والمغضوب عليهم؛ كلُّ ذلك: بالعلم، والعمل، والتعلُّم بالتَّجربة، وعلم اليقين، ليختار لنفسِه ما يريد، وبِقدَر ما يريد، إلى ما لا نهاية، فهناك طريقان لا ثالث لهما، طريقُ الخيرِ وطريقُ الشَّرِّ؛ اختار الله لهم طريق الخير، وهو الصِّراط المستقيم، والطُّهر والتَّزكية، واختار الكفَّار لأنفسهم سُبُل الضَّلال، أي طريق الخيبة والتَّدسية.

 

1.7.4- الإنسان: لقد خلقَ اللهُ الإنسانَ وميّزَه عن باقي المخلوقاتِ بالعلم والمعرفة: قال تعالى: ﴿وعلَّم آدم﴾، وهذا علمٌ لا تعرفه الملائكة ولا غيرُها من المخلوقات، وعلمٌ لا يقف عند حدٍ، بل ويزدادُ بالعملِ والتجربةِ ومع مرورِ الزمان، ازديادًا طرديًّا تراكميًا، فلا ينتهي علمُ الإنسان، حتى يرى الله تعالى، لا يُضامُّ في رؤيته؛ وكذلك تميز الإنسان عن باقي المخلوقاتِ بأن كرَّمهُ الله بالخلافة في الدُّنيا، ثمَّ بنعيم خالدٍ في الجنَّة، لا ينتهي أبدًا، قال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)} الفرقان، وقال: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)} البينة، بل ويزدادُ هذا النعيم اللا محدود بالشكر والطاعة فلا ينتهي أبدًا، إلى ما لا نهاية، فالله لا يعجزه شيء، قال تعالى: {لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} ق، لذلك خلقنا الرَّحمن لنعرفهُ وندعوهُ ونتعبدهُ بأسمائه الحسنى وصفاته، نبدأُ باسم الله الرَّحمن الرحيم، فباسمه كلُ شيء، ونحمَدُه على كلِ شيء، نحمَدُه على كل ما قضاه، ونشكرُه على كل ما أعطاه، اللهمَّ لكَ الحمد على ما قضيت ولك الشكر على ما أعطيت.

باختصار: فإنَّ القرآنَ يخبرنا ويبين لنا عن كلِّ خصائصِ، ومكوِّناتِ، ومقصِد وجودِ الإنسان، أي حاجاته الثلاث وقرارة نفسه، كما يلي:

1.7.4.1- أولًا: حاجات الإنسان الثلاث هي: أنَّ في عقلِه جوعًا وظمأ إلى المعرفة لا يُشبِعُه ولا يرويهِ إلا معرفة الله بأسمائه وصفاته، وأنَّ في قلبه حبًا وشوقًا لا يطفئُه ولا يطمئنُه إلَّا حبُ كمالِ الله وجماله وجلاله، وأنَّ لجسده حاجات وأهواء وشهوات لا يردعُها إلَّا طاعةُ الله وعبادتُه واتباعُ دينِه، ومعرفةُ أنَّه مالكُ كلِّ ما تتطلعُ إليه النفسُ من أموالِ الدُّنيا وأولادِها وزينتِها، واليقينُ بأنها بقضائه وقدره.

1.7.4.2- ثانيًا: أمَّا قرارةُ نفسِ الإنسان بمكوِّناتها الثلاث: فإنَّ فيه عقلًا لن يستقرَّ حتى يعرفَ الحق، وقلبًا لا يطمئنُ إلا بالإيمان، وجسدًا لا يرضى حتى ينشغلَ بالطاعةِ والعملِ والعبادة، كما يلي:

1.7.4.2.1- معرفة الحقِ: وهو عملُ العقلِ بالعلم المفضي إلى الهدى إلى الصراط المستقيم (وهو الإسلام)، وأنَّ حبَ الإيمانِ هو عملُ القلب السليم المطمئنِّ المهتدي والمتقي لله بحبِ اتباعِ دينِ الفطرة (وهو الإيمان)، يزيدُ وينقصُ بتقوى الله وهو درجات، وأنَّ العملَ والاتباعَ وتقوى اللهِ، هو الطريقُ الطويلُ الذي فيه العملُ والعبادةُ والتخلُّقُ بأخلاق القرآن المفضي إلى معرفةِ ومراقبةِ رضا الرَّحمن (وهو الإحسان).

1.7.4.2.2- الإيمان: يبدأُ بالصراط المستقيم وهو الإسلام (أي عمل)، ثمَّ إيمان (أي طاعة ومحبة)، ثمَّ الإحسان (أي العلم بأسماءِ الله وخشيته)؛ تجمعُها إرادةٌ صادقةٌ طريقها واحد هو تقوى اللهِ باتباعِ صراطهِ المستقيم، وتهدمها إرادةٌ كاذبةٌ هي الفجورُ والضلالُ وطُرِقُها كثيرةٌ ومتشعبةٌ هي البعدُ عن الله ومعصيته.

1.7.4.2.3- النعيم وسعادة الإنسانِ تتمثَّلُ في: أنَّ كلَّ علوم الدُّنيا لا تغني عن معرفةِ الله، وكلَّ عواطفِ المحبةِ لن تغني عن محبةِ الله، وكلَّ لذائذِ الدُّنيا لن تغني عن لذَّة طاعة الله تعالى، وهذا ما اجتهدنا في إظهاره، وسلَّطنا عليه الضوء من خلال هذا الكتاب حول دور معرفة أسماء الله وصفاته في تسهيل فهم وتدبُّر القرآن.

 

1.7.5- دور القرآن في فهم أسماء الله وصفاته: يجب أن نعلم بأنَّ باب معرفة الأسماء هو باب مهم من أبواب تسهيل فهم مقصد السورة، والعكس صحيح، فإنَّ فهم مقصد السورة، وموضوعاتها، وقصصها، أيضًا له دور في فهم الأسماء، وكما سنبيِّن قريبًا إن شاء الله، إنَّ معرفة أسماء الله تعالى بالتَّجربة والمثال، له دور مهمٌّ في تسهيل فهم أفعال الله، وأوامره ونواهيه للإنسان، وإنَّ فهم أسماء الله وصفاته وأفعاله يحتاج أيضًا إلى تطبيق وتجربة، لأنَّه بالتطبيق والتجربة يزداد العلم والإيمان واليقين، فيطمئن القلب، وبهذا تميَّز الإنسان، لأنَّ مقياس القلب يختلف عن ميزان العقل وعن هوى الغريزة، أي إنَّ العقل يزن بالحجَّة والمنطق، بينما القلب حاسَّة من الحواسِّ يعمل بالمشاعر والعواطف، فيحبُّ أو يكره، وهكذا؛ فإبراهيم عليه السلام، قد عَلِم بالعقل أنَّ من أسماء الله أنَّه يُحيي الموتى، لكن لكي يطمئنَّ قلبُه، طلب من ربِّه، رؤية ذلك عين اليقين، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ (260)} البقرة، ورؤية إحياء الموتى تحتاج إلى تجربة عملية ومعجزة تتجاوز حدود الأسباب المألوفة، وهكذا؛ لكنَّ أمَّة محمَّد – صلَّى اللهُ عليه وسلَّم –، لكي تعلم وتتيقَّن وتطمئن إلى تحقّق أسماء وصفات الله تعالى في النَّاس، كما عرَّف بها على نفسه، احتاجت فقط إلى أن يقصَّ عليها قصّة بني إسرائيل كاملة، وبعضًا من قَصَص الأمم الأخرى، وذلك بسبب نُضج وعي الإنسان وفهمه وتفكيره، وبالتالي سهُل عليها فهمَ هديِ الله ومعجزاته ورحماته ونصره وعذابه وغيرها من أسماء وصفات الله وأفعاله في عباده وفي الأمم، فالإنسان العاقل يتعلَّم من تجارب الأمم السابقة، ثمَّ يراكمُ معارفه وخبراته وتجاربه؛ وكذلك ذَكر تعالى الكثير من الأمثلة المعبِّرة وكرَّرها، ليتعلَّم منها قارئُ القرآن، كمثال ركوب البحر، الذي يبيِّن فرح النَّاس بنعمة تسخير البحر وهدوء الموج، حتَّى إذا ماج بهم البحر علموا أن لا مُنجِّي لهم من الهلاك إلَّا الله، فأخلصوا الدُّعاء له وطلب النجاة منه وحده، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)} يونس، فالابتلاءات، كالفرح والخوف، والصعوبات والشَّدائد، كما في المثال، هي تجارب، ونعمة من نِعَم الله، تُعرف بها أسماء الله وصفاته، قال تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (216)} البقرة، ومن الأمثلة كذلك قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (16)} الإسراء، فالرَّاحة والتَّسهيلات والرَّفاهية هي أيضًا تجربة واختبار، تُعرف بها سننُ الله تعالى في الأمم وأفعاله، فالتَّرف هو من مقدِّمات الهلاك والتدمير، ومن دراسة تجارب الأمم، نعلمُ أنَّ الإنسان استُخلف في الأرض ليعمل الصَّالحات: فيبدأ دورة حياته بالاجتهاد والعمل الصَّالح لتحقيق حاجاته فيرقى، فإذا ما قُضيت حاجاته ووصل إلى مراده، ركن إلى الرَّاحة والتَّرف والفسوق فيهوي، ويُستبدل بقوم غيره.

 

1.7.6- معرفة أسماء الله وصفاته ودورها في تسهيل فهم القرآن: يرتبطُ كذلك، ذكرُ الأسماء الحسنى والصفات العلا في القرآن ارتباطًا وثيقًا مع كلِّ سورة، ويتناسب تناسبًا عجيبًا مع مقاصدها وموضوعاتها، ومن أوضح الأمثلة على ذلك، نجده مثلًا في بعض السُّور، بأن تبدأ السُّورة بأحد الأسماء ثمَّ تكمل إلى آخر السُّورة في تفصيل معاني هذا الاسم: ففي سورة آل عمران، تبدأ بذكر اسم الله، قال تعالى: {اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)}، ثمَّ تُواصِل السُّورة شرح معاني هذا الاسم، وأنَّه حي قيوم يسمع الدُّعاء، ويصطفي أفرادًا وجماعات ويحيطهم برعايته، ويكلِّفهم تطبيق دينه الإسلام، ليكونوا قدوة ودليلًا على تطبيق الدِّين والعمل بالهدى والبعد عن الضَّلال، وفي سورة الأنعام: حيث تبدأ بالآية: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ (1)}، ثمَّ تواصِل السُّورة إلى آخرها بتفصيل استحقاق الله للحمد بسبب خلقه ونِعَمِه وجَعلِه الظُّلمات والنُّور.. وفي سورة النَّحل، قال تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)}، ثمَّ تمضي تبيِّن ما هو أمرُ الله، وفي سورة القصص، قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)}، ثمَّ تمضي تفصِّل في إرادة الله ومَنِّه بنصر المستضعفين، وفي فاطر تبدأ بِقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (1)}، ثمَّ تبيِّن فطرة الله، وكيف فطر جميع المخلوقات على طاعته، وفي سورة فصلت تبدأ بِقوله تعالى: {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2)}، ثمَّ تفصِّل في بيان عظمة القرآن وجلالة قدْره لأنَّه تنزيل من ربِّ العالمين، والإشارة إلى إعجازه وتفصيله والرحمة به لمن تعلَّمه وعَمِل به، وفي سورة الرَّحمن تبدأ بقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ (1)}، ثمَّ تُواصل السُّورة بالتعريف بالرَّحمن ثمَّ تعداد آلاء الرَّحمن، في الدُّنيا وفي الآخرة، وفي سورة الملك، تبدأ بِقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)}، ومقصدها وموضوعاتها تدور حول: تبارك مُلك القدير الذي خلق النَّاس برحمتِه لكي يسعدوا بوُجودهم في ملكه، ويُكافئهم سبحانه على حسن العمل في الدُّنيا وفي الآخرة، وهكذا.

1.7.7- أسماء الله الحسنى: وهي الأسماء التي سمَّى الله بها نفسه في كتبه أو على لسان أحد من رسله أو استأثر بها في عِلم الغيب عنده، لا يشبهه ولا يُماثله فيها أحد، ولا يعلمها كاملة وافية إلَّا الله، امتدح الله بها نفسه في القرآن الكريم فقال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)} سورة طه، ورغَّب وحثَّ الرسول محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – أمَّته على معرفتها، ففي الصحاح قال: (إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، مَن أحصاها دخل الجنة)، وفي رواية: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مَن حَفِظها، دخَلَ الجنَّة، وإنَّ الله وِتْرٌ يحبُّ الوِتْرَ)، قال النووي: إنَّ هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه تعالى، فليس معناه أنَّه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين؛ وإنَّما مقصود الحديث أنَّ هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنَّة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء، انتهى.

وكلَّما ازداد الإنسان معرفة بأسماء الله وصفاته، ازداد إيمانه، وقوي يقينه، وعظمت محبَّته لله ولجميع مخلوقات الله؛ والعلم بالله، وأسمائه، وصفاته أشرف العلوم، وأجلها على الإطلاق؛ لأنَّ شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم في هذا العلم هو الله تعالى، وقد ورد ذكر وجود أسماء الله وتسميتها بأسماء الله الحسنى في القرآن في أربع آيات هي: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (180)} الأعراف، {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)} الإسراء، {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)} طه، {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)} الحشر.

1.7.7.1- تعيين أسماء الله وصفاته فيه خلاف: أمَّا تعيين أسماء الله وصفاته ففيه خلاف ولم يرد في تعيينها حديثٌ صحيح عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – وقيل: إنَّها مَخفيَّة التعيين كالاسم الأعظم، وليلة القدر ونظائرها، وقد اجتهد بعضُ العلماء في معرفة أسماء الله الحُسنى، وفي كيفيَّة استخراج تسعة وتسعين اسمًا من الكتاب والسُّنَّة، فمنهم من اعتمدَ على ما وردَ من الأسماء بصورة الاسم فقط من القرآن أو من السنة أو من كليهما، ومنهم من جعلوا لأنفسهم شروطا لاشتقاق الأسماء من الصفات، ومنهم من توسَّعوا فاشتقوا من كلِّ صفة وفعل اسمًا ولم يفرقوا بين باب الأسماء وباب الصفات، بل إنَّ منهم من يُدخِلون ما يتعلَّق بباب الإخبار أحيانًا ويشتقون منها أسماء، ومنهم المتوسعون من ذَكَرَ المشتق والمضاف والمطلق من الأسماء، ومن العلماء الذين اجتهدوا في إحصاء أسماء الله الحسنى: الوليد، والصنعاني، وابن الحصين، وابن مندة، وابن حزم، وابن العربي، وابن الوزير، وابن حجر، والبيهقي، وابن عثيمين، والرضواني، والغصن، وبن ناصر، وبن وهف، والعباد؛ أي (15 عالمًا)؛ ويبلغ مجموع الأسماء والصفات التي عدَّها هؤلاء العلماء: 276 اسمًا وصفة، وقد ذكرتها كلَّها مع عدد تكرار ذكرها في القرآن هنا (أدناه)، لكن ذكرَ علماء آخرون أنَّ بعض هذه الأسماء التي أحصاها هؤلاء العلماء لا تجوز مثل: السخط، المنتقم، الضار، المسعر، الغيور، الزارع، الفاتن، خير الماكرين، وغيرها.. فقال ابن القيم (بتصرُّف): لا يمكن نسب الضرِّ إلى الله تعالى، ولا تسميته بالضَّار، وقد روي عن رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في صحيح مسلم، أسماء الله الحسنى: (والخير كلُّه في يديك، والشرُّ ليس إليك)، والشرُّ ليس إليك، أي لا يضاف إليك ولا يُنسب إليك ولا يصدر منكَ، فإنَّ أسماءه كلها حسنى وصفاته كلها كمال وأفعالُه كلها فضل وعدل وحكمة ورحمة ومصلحة، فكلُّ ما يأتي منه فله عليه الحمد والشكر وله فيه النعمة والفضل؛ وقال أيضًا: ولم يصفْ نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ولم تأتِ تلك الأوصاف إلَّا على وجه الجزاء لمن فعلَ ذلك بغير حق، وقد علمَ أنَّ المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق فكيف من الخالق سبحانه وتعالى، انتهى.

وفي تأليفي لهذا الكتاب وذكري للأسماء الحسنى لم أدخل في ذلك الخلاف، لأنَّ غرض الكتاب هو تسهيل فهم القرآن، وليس إثبات صحة هذه الأسماء، ولأنَّه كما قال بعض العلماء إنَّ الأسماء مَخفيَّة التعيين كالاسم الأعظم، وليلة القدر ونظائرهما؛ بل تركت الأسماء كما هي، كما وردَت في تعيين العلماء الذين ذكرتُهم، ولأنَّ مقصدي من ذكرها هنا هو الإشارة إلى أنَّ لهذه الأسماء دورًا عظيمًا في تسهيل فهم مقاصد السور، كما بيَّنتُه هنا وسأبيِّنه في كتاب تسهيل فهم وتدبُّر سور القرآن؛ وهذا الدور ليس فقط للأسماء، بل وإنَّ في الكلمات والأحرف والأفعال المذكورة في القرآن أهميَّة كبيرة (كما للأسماء) في تسهيل فهم القرآن، وقد أشرنا إليها في مكانها.

1.7.7.2- الأسماء والصفات التي ذكرها العلماء وعدد تكراراتها في القرآن: وقد قمتُ في كتاب تسهيل فهم وتدبُّر سور القرآن بالإشارة إلى ما وجدتُه من هذه الأسماء والصفات، التي ذكرها العلماء وتتبعتُ وجودها، إن وجِدَت، هي أو مشتقاتها، في كلِّ سورة على حِدة، وذكرتُ عددَ مرَّات تكرارها، وذلك في الباب الأول؛ “التعريف بالقرآن الكريم”، من كلِّ سورة، ثمَّ جمعتُها كلَّها في مكان واحد جعلتُه هنا في بداية هذا الجزء الأول من الكتاب؛ “تسهيل فهم وتدبُّر القرآن”، للتعريف بها؛ وذلك اقتداءً بكتاب الله، لأنَّ الله تعالى ابتدأ القرآن الكريم بالتعريف على نفسه أولًا، ثمَّ أمرَ بطاعته وعبادته، كما فصلناه في مكانه؛ ولكي ألفت الانتباه إلى إعجاز القرآن في وضع هذه الأسماء والصفات في مكانها المناسب في الآية أو السورة بحسب سياق الآيات وموضوعاتها، وبحسب ظروف وأحوال الناس وحاجاتهم إلى ذكر الأسماء في ذلك المكان، فقد يكونوا مؤمنين أو كافرين أو ظالمين أو مظلومين وهكذا، فتتغير الأسماء بحسب الحاجة أو المناسبة، فتارة يذكر اسم الله وتارة الرَّحمن وتارة الهادي، وهكذا، قال تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180)} الأعراف، أي اطلبوا منه بأسمائه ما تريدون؛ أو كذكر الاسم ﴿الله﴾ في المكان الذي يحتاج فيه تقوى الله، ويذكر ال ﴿رب﴾ في المكان الذي يحتاج فيه دعاء الرب ورعايته، وهكذا يستحضر الإنسان وجودَ الله في كلِّ حاجة من حاجاته ويبقى دائم الاتِّصال مع الربِّ المغيث والمعين وقاضي الحاجات.. والإعجاز الآخر هو أنَّ وجود الأسماء والصفات في القرآن يساعد على فهم السورة بما يتناسب هذه مع مقصد وموضوعات هذه السورة، كما أشرنا إليه أعلاه وفي مكانه في السور، وفيما يلي بيان بالأسماء والصفات (مع مشتقاتها) التي عيَّنها العلماء في القرآن مع ذكر عدد تكراراتها في القرآن، (من الأكبر إلى الأصغر):

– (2714 مرَّة): الله: 2543 مرّة، لله 147 مرَّة، إله/ الإله 24 مرَّة.

– (940 مرّة): رب.

– (225 مرّة): جاعل (جاعل الليل سكناً 1 مرّة، جعل 218 مرّة، جاعل 6 مرّات).

– (171 مرّة): الرحيم: 114 مرّة، الرَّحمن: 57 مرّة.

– (161 مرّة): الخلاق (الخلاق 2 مرّة، له الخلق 1 مرّة، خلق 158 مرّة)، المُنزل/منزل الكتاب (أنزل).

– (156 مرّة): العليم.

– (91 مرّة): الغفور، الحكيم.

– (87 مرّة): العزيز.

– (72 مرّة): المفضل (فضل/فضَّل).

– (64 مرّة): العلام (يَعْلَم).

– (59 مرّة): المنعم (أنعم/نعمة).

– (51 مرّة): الأعلم (أعلم).

– (45 مرّة): السميع، الخبير، القدير.

– (44 مرّة): مخرج الحي من الميت (انظر المحيي في الأسفل 24 مرّة)، مخرج الميت من الحي (انظر المميت في الأسفل مرّة 11)، (مخرج/أخرج 44 مرّة).

– (42 مرّة): البصير.

– (41 مرّة): الهادي (هَدى: 10 مرّات، يهدي: 31 مرّة).

– (30 مرّة): البالي/المُبلي/المبتلي (نبلو/مبتلي 24 مرّة، بلاء 6 مرّات).

– (27 مرّة): الباعث (بعث).

– (24 مرّة): المحيي (محيي/يحيي 13 مرّة، أحيا 11 مرّة).

– (22 مرّة): المبين (المبين 1 مرّة، يبين/بين: 21 مرّة)، العالم (العالم 3 مرّات، يُعَلّم تعليم 19 مرّة).

– (21 مرّة): الواحد، الحكم/الحاكم/الأحكم (يحكم 13 مرّة، له الحكم 7 مرّات، أحكُم: 1 مرّة).

– (20 مرّة): المريد (يريد).

– (19 مرّة): الشهيد، الكاتب (كتب)، المنشئ (أنشأ/ينشئ)، الغافر (يغفر).

– (18 مرّة): الغني، المحب (يحب).

– (17 مرّة): الحميد، الفاتن (فتن).

– (16 مرّة): شديد المحال (شديد).

– (15 مرّة): الأعلى (الأعلى 2 مرّة، تعالى 13 مرّة).

– (14 مرّة): خير الوارثين (وارث 4 مرّات، يورث/أورث 9 مرّات، خير الوارثين 1 مرّة).

– (13 مرّة): الجامع (جامع/جمع)، ذو الفضل العظيم (ذو الفضل العظيم 6، ذو فضل 7 مرّات).

– (12 مرّة): الوكيل، الولي، المالك (مالك 1 مرّة، بيده الملك 1 مرّة، بيده ملكوت: 2 مرّة، له الملك 8 مرّات)، السريع/سريع الحساب/أسرع الحاسبين (سريع الحساب 8 مرّات، سريع العقاب 2 مرّة، أسرع الحاسبين 1 مرّة، أسرع مكراً 1 مرّة)، الفاعل (فاعل 2 مرّة، يفعل 10 مرّات).

– (11 مرّة): الحليم، الحق، التواب، الرؤوف، الباسط (يبسط)، الولي (ولي)، المبدئ/البادئ (بدأ/يبدئ)، القادر، المميت (أمات/يميت)، الرضا (رضي).

– (10 مرّات): عالم الغيب والشهادة، المقدر (يقدر)، القاضي (يقضي)، المولى (المولى/لا).

– (9 مرّات): الواسع، القوي/الأقوى، النذير/المنذر (أنذر/نذر)، الكاشف (كاشف).

– (8 مرّات): الخالق، العلي، العفو/ المعافي، المعيد (يعيد)، المنتقم (منتقم)، المحيط.

– (7 مرّات): اللطيف، الشاهد (شاهد/شهد)، المحسن (أحسنُ/أحسَنَ).

– (6 مرّات): القهار، العظيم، الكبير، فاطر السماوات والأرض، علام الغيوب (علام 4 مرّات، عالم الغيب 2 مرّة)، الصادق (صدَق)، الذارئ (ذرأ/يذرؤكم).

– (5 مرّات): الملك، الغفار، الحي، المحصي (أحصى)، الطهر (طَهَّرَ)، الرزاق، خير الرازقين.

– (4 مرّات): الشكور، المقتدر، الواقي (وقاهم)، المستمع (سمع الله 2 مرّة، أسمع، يسمع)، الناصر/النصير، ذو العرش المجيد (ذو العرش 2 مرّة، ذي العرش 2 مرّة)، مقلب القلوب (نقلب)، أرحم الراحمين، الحاسب (حاسب 3 مرّات، يحاسب 1 مرّة).

– (3 مرّات): الحفيظ، الحسيب، الكريم، الرقيب، البارئ، الوهاب، القيوم، الوارث، القريب، الحافظ، الكافي (كافي)، الدافع (يدافع 1 مرّة، دفع الله 2 مرّة)، الفاتح (يفتح)، المُطعم (يطعم)، ذو الرحمة الواسعة (ذو الرحمة/رحمة)، السخط (سخط)، المدبر (يدبر)، ذو انتقام، خير الحاكمين.

– (2 مرّة): القدوس، المجيب، الودود، المجيد، المتين، البديع (بديع)، النور (نور)، الأقرب (أقرب)، الشاكر، المستعان، المنان (يمن)، خير الراحمين، خير الماكرين، أحسن الخالقين، الفعال لما يريد (فعال)، نعم القاهر، (ذو مغفرة)، أحكم الحاكمين، نِعْمَ الْمَوْلَى (وَنِعْمَ النَّصِيرُ).

– (1 مرّة): السلام، المؤمن، المهيمن، الجبار، المتكبر، المصور، الفتاح، المقيت، الصمد، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، المتعالِ (المتعالي)، البر، ذو (ذي) الجلال والإكرام، القابض (يقبض)، الرافع (رافع)، مالك الملك، المليك، الشديد (شديد المحال)، ذو القوة، الأحد، خير الغافرين، خير الفاتحين، نعم القادر (نعم القادرون)، الكفيل (كفيل)، الموسع (موسع)، ذو الطول والإحسان (ذي الطول)، فالق الحب والنوى، فالق الإصباح، غافر الذنب، قابل التوب، خير الفاصلين، ذو المعارج (ذي المعارج)، خير الناصرين، الصانع (صنع الله)، الأكرم، الرفيع رفيع الدرجات، عدو الكافرين (عدو للكافرين)، الحفي (حفيّا)، المُبرم (مبرم)، الممتحن (امتحن)، مخزي الكافرين، خير المنزلين، متم نوره، أهل التقوى، أهل المغفرة، واسع المغفرة، نعم الماهد، الزارع، الغالب على أمره (غالب)، البالغ أمره (بالغ)، نور السماوات والأرض، ولي المؤمنين، كاشف الضر.

– (0 مرّة): أسماء وصفات غير موجودة في القرآن (وهي 68 اسم وصفة): الخافض، المعز، المذل، العدل، الجليل، الواجد، الماجد، المقسط، المغني، الضار، النافع، الباقي، الرشيد، الصبور، المعطي، المانع، الوالي، الجميل، القاهر، الراشد، البرهان، البار، القائم، الدائم، الفاطر، السامع، الأبد، المنير، التام، القديم، الوتر، الجواد، الديان، الرفيق، السيد، السبوح، الستار، الشافي، الصاحب، الطيب، المعين، ذو الجبروت والملكوت، فارج الهم، الحنان، المحسان، المسعَّر، الدهر، الكائن، المرسِل، الطبيب، المبغض، الغيور، المذكور، خير الحافظين، المغيث، الحييّ، الطالب، الغياث، الوافي، الفرد، القيام، المفرج، الأكبر، الأعز، القيم، المعبود، الأعظم، كاشف الكرب. الاسم الرزاق (مكرّر).

1.7.7.3- توضيحات وملاحظات:

1.7.7.3.1- كثير من الأسماء والصفات التي اعتبرها العلماء من الأسماء الحسنى، (التي بيناها أعلاه وهي 68 اسم وصفة) ليست مذكورة في القرآن.

1.7.7.3.2- كثير من الأسماء والصفات التي عدَّها العلماء من الأسماء الحسنى، لم ترد في القرآن بشكلها الذي ذكروه، بل يوجد أحد مشتقاتها أو أكثر، على سبيل المثال الأسماء الثلاثة (الحكم/الحاكم/الأحكم) لم يرد أي منها بأيِّ صيغة من هذه الصيغ الثلاث، ولكن وجدنا في القرآن مشتقات من نفس مصدر الاسم تكررت 21 مرَّة، وهي الصفات: (يحكم 13 مرَّة، له الحكم 7 مرَّات، أحكُم: 1 مرَّة)؛ وهكذا وبنفس هذا الأسلوب الذي ذكرنا فيه هذه الصفة “حكم” في القائمة أعلاه، ذكرنا باقي الأسماء، فقد أوردنا الأسماء والصفات التي خارج الأقواس بنفس الصيغة أو الصورة كما عيَّنها العلماء، وما بين الأقواس هو شكل الاسم أو الصفة ومشتقاتها كما هي موجودة في القرآن.

1.7.8- تكرار أسماء الله في القرآن ودلالاتها: ومن ذلك أيضًا ما سيأتي بيانه في كتاب تسهيل فهم وتدبُّر سور القرآن، وهو تكرار هذه الأسماء كثيرًا في القرآن كلِّه وفي السُّورة الواحدة وفي الآية الواحدة، بما يتناسب مع مقصد القرآن أو السورة أو الآية، كما يلي:

1.7.8.1- تناسب الأسماء الحسنى مع عدد الآيات: ففي القرآن كله عدد آيات القرآن هو 6236 آية وقد تكرَّرت أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته (تقريبًا) (6293) مرَّة، أي بعدد أكبر بقليل وقريب من عدد آيات القرآن، وهو تناسب معجز عجيب أن جُعِل مقابل كلِّ آية من الآيات اسم أو صفة من الصفات وأكثر، وقد تكرَّر من هذه الأسماء (بالقياس إلى عدد الآيات): اسم الله الأعظم ﴿الله﴾ 44% يليه الاسم ﴿رب﴾ 15%.

أكثر الأسماءِ الحسنى تكراراً هو لفظ الجلالة {الله}:
 

1.7.8.2- إن أكثرَ الأسماءِ تكراراً في القرآن هو اسم الله الأعظم، وهو لفظ الجلالة ﴿الله، ومنه: لله، وإله﴾ سورة: [بعددِ ألفينِ وسبعِمِئةٍ وأربعةِ عشرَ (2714) مرَّة، وهوَ الاسمُ الأعظَم الذي يدلُّ على صفاتِ المغفرةِ والرحمِة لمن يطيع، والقهرِ والعقابِ لمن يعصي، ويدل على جميعِ الأسماءِ والصفاتِ الأخرى بلا استثناء، أي هو الجامعُ لجميعِ صفاتهِ الحسنى سبحانه، من قولهِ تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)} سورة الحشر. انظر تناسب سورة الحديد مع غيرها من السور (057.8.6) حول اسم الله الأعظم {الله}.

1.7.8.2.1- الاسمُ ﴿الله﴾ أكثرُ ما يتكررُ في السورِ المدنيةِ التي فيها أحكامٌ وتشريعات، وأكثرُها سورةُ الطلاقِ التي عددُ آياتِها اثنتا عشرةَ (12) آية، وَتَكرَّرَ فيها لفظُ الجلالةِ ﴿الله﴾ سورة: [أربعًا وعشرينَ (24) مرَّة، أي ضعفَ عددِ آياتها؛ تليها سورةُ المجادَلة، عددُ آياتها اثنتانِ وعشرونَ (22) آية، تكررَ فيها الاسمُ ﴿الله﴾ أربعينَ (40) مرَّة؛ تليها سورةُ الممتحَنة، مرَّة ونصفْ ضعفُ عددِ آياتها، وهكذا؛ وفي المقابل لم يتجاوز أبدًا، أو لم يصل عدد تكرارات لفظ الجلالة ﴿الله﴾ إلى نفس عدد الآيات في أيٍّ من السور المكيَّة، وأعلاها سورة لقمان عدد آياتها (34) آية وتكرر فيها ﴿الله﴾ مرَّة، ويوجد (27) سورة مكيَّة لم يذكر فيها الاسم ﴿الله﴾ أبدًا وهي: القمر، الواقعة، القلم، القيامة، المرسلات، النبأ، عبس، المطففين، الطارق، الفجر، البلد، الليل، الضحى، الشرح، القدر، العاديات، القارعة، التكاثر، العصر، الفيل، قريش، الماعون، الكوثر، الكافرون، المسد، الفلق، الناس، بينما فقط سورتين مدنيتين لم يذكر فيها الاسم الله هما: الرَّحمن، والزلزلة.

1.7.8.2.2- وتكرارُ الاسم ﴿الله﴾ يدلُ على القهرِ والهيبة، وعلى اجتماعِ صفاتِ الترغيبِ والترهيب، وأنَّ في السورةِ أحكامًا وأوامر ونواهي، تتطلَّبُ العملَ أو اجتنابَه (عملًا واجتنابًا)، والأخذَ أو الترك؛ وكلَّما ازدادَ ثقلُ الأحكامِ وصعوبةِ تطبيقِها، يزدادُ ذكرُ الاسم ﴿الله﴾، ونجدُ ذلكَ واضحًا في الآية عشرين (20) من سورةِ المزمِّل، حيثُ تكرَّرَ الاسم ﴿الله﴾ في هذهِ الآيةِ الواحدةِ سبعَ (7) مرَّات، لأنَّ المطلوبَ فيها من الإنسانِ أن يقومَ الليلَ ويعملَ أشياءَ صعبة؛ ثمَّ في الآيةِ مئتينِ واثنينِ وثمانين (282) من سورةِ البقرة، التي تكرَّرَ فيها الاسم ﴿الله﴾ ستَ 6 مرَّات، لأنَّها تتحدَّثُ عن الدَّيْن وتوثيقِهِ، وتأمرُ بالكتابةِ والعدلِ والشهادةِ وعدمِ المضارَّة؛ وتكرَّر الاسم ﴿الله﴾ في الآية الواحدة (5) مرَّات، في الآيات: (165) البقرة تأمر بحب الله وترك الأنداد، (171) النِّساء تأمر بتوحيد الله والتوكل عليه، (40) التوبة تأمر بنصرة الرسول وتأييده، (40) الحج، حول الإذن بالقتال وأن الله ينصر من ينصره، (37) الأحزاب، حول إبطال التبني، (22) المجادلة، تأمر بعدم موالاة أعداء الله ورسوله.

1.7.8.3- يلي لفظ الجلالةِ تكراراً، تكرارُ الاسم ﴿رب﴾: ويلي اسمَ الجلالةِ من حيثُ عددِ التكرارات، تكرارُ الاسم ﴿رب﴾ بعددِ تسعِمئةٍ وأربعينَ (940) مرَّة في القرآن، والربُّ هو: المالكُ، والسيدُ، والمربي، والقيِّمُ، والمنعمُ؛ وهذا الاسم يكثُرُ في السورِ التي فيها تربيةٌ بفعلِ الربِّ المربي والقيِّمُ والمنعمُ على الإنسان، ودعوتُه إلى العبادةِ والطاعةِ والتصديق، يقابلهُ مناجاةُ الإنسانِ الذي لا حول له ولا قوَّة، بالدُعاءِ وإظهارِ ضعفهِ وحاجَتِه، وتكرارُ كلمةِ الربِ يشيرُ أيضًا إلى أنَّ الناسَ المخاطبينَ بعيدونَ عن ربهِم، وهم بحاجةٍ إلى تربيةٍ وإلى هداية، فالربُ يدلُ على التربيةِ والإحسان، وكلمةُ “ربَّنَا” هي أكثرُ صفةٍ تقترنُ بالدعاءِ والتذللِ إلى الله، وتكرارُها فيه إشارةٌ إلى حاجةِ الناسِ وتوسُلهِم إلى ربهم، وكذلكَ السورُ التي يتكررُ فيها الاسم “رب” مَبنيّةٌ في أوامِرها ونواهِيها على الترغيبِ كما هو الحالُ في سورةِ الرَّحمن، والسورُ التي فيها الاسم “رب” تكثرُ فيها الآياتُ الدالةُ على الخلقِ والملك، كما هو موجودٌ في سورةِ الأنعام، وتكثرُ في الآياتِ التي فيها تعريفٌ على الله، من تدبرِ مخلوقاتِه وأخذِ العبرِ من تدبيرِه لها، قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)} العلق، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} البقرة.

وأكثر السور المدنية التي تكرر فيها الاسم ﴿رب﴾ هي: سورة الرَّحمن ثمَّ التحريم ثمَّ النصر ثمَّ الممتحنة ثمَّ الرعد، ومن السور المكيَّة: في سورة هود ثمَّ الكهف ثمَّ الكوثر ثمَّ إبراهيم ثمَّ الأنعام ثمَّ السجدة، ويوجد (20) سورة لم يذكر فيها الاسم ﴿رب﴾ إطلاقًا وهي: النور والفتح والحجرات والمجادلة والصف والجمعة والمرسلات وعبس والطارق والغاشية والبلد والتين والقارعة والتكاثر والعصر والهمزة والماعون والكافرون والمسد والإخلاص.

أمَّا في الآيات فنجد معاني الاسم ﴿رب﴾ التي ذكرناها واضحًا في الآيات التي تكرَّر فيها هذا الاسم، فقد تكرَّر الاسم ﴿رب﴾ (3) مرَّات في الآية الواحدة في الآيات: (286) البقرة، (158) و (164) الأنعام، (89) و (143) الأعراف، (88) يونس، (98) الكهف، (36) الجاثية؛ ونجد أن التربية والتكليف والنعمة والدعوة إلى العبادة والطاعة والتصديق واضحة جدًا في كلِّ هذه الآيات.

1.7.8.4- وأكثر الأسماء تكرارًا بعد الاسمين ﴿الله﴾ و﴿رب﴾ هي الأسماء الثمانية التالية بالترتيب: جاعل أو جعل، الرحيم والرَّحمن، الخلاق أو خلق، المنزل أو أنزل، العليم، الغفور، الحكيم، العزيز، كما هو مبين أعلاه، وكثرة تكرارها في بعض السور أكثر من غيرها له تناسُب عجيب مع مقصد تلك للسور وموضوعاتها، وقد أشرنا إليه باختصار في مكانه من كتاب تسهيل فهم وتدبُّر سور القرآن، ولأنَّ معاني هذه الأسماء واضحة وسهلة فيسهل ربط تناسبها مع مقاصد السور ومعانيها، ونكتفي هنا بالإشارة فقط (حتَّى لا نطيل) إلى بعض السور التي تكررت فيها هذه الأسماء أكثر من غيرها، كما يلي:

1.7.8.4.1- أكثر سور تكرر فيها الاسم جعل: هي الفيل ثمَّ الطلاق ثمَّ الفرقان ثمَّ نوح ثمَّ الحديد ثمَّ السجدة ثمَّ النبأ، وأكثر سور تكرر فيها الاسمين الرَّحمن والرحيم: هي الفاتحة ثمَّ الحجرات ثمَّ مريم ثمَّ الممتحنة ثمَّ الملك ثمَّ الحشر، الاسم خلق: في سورة الفلق ثمَّ التين ثمَّ الروم ثمَّ التغابن ثمَّ العلق، الاسم أنزل: في القدر ثمَّ الطلاق ثمَّ المائدة ثمَّ الرعد ثمَّ الحديد ثمَّ الفتح، الأسماء عليم ويعلم وأعلم: في الحجرات ثمَّ التغابن ثمَّ الممتحنة ثمَّ النور ثمَّ الجمعة ثمَّ التحريم ثمَّ الرعد ثمَّ البقرة، الاسم الغفور: في الممتحنة ثمَّ التغابن ثمَّ الحجرات ثمَّ الفتح ثمَّ المجادلة ثمَّ فاطر ثمَّ التحريم، الاسم الحكيم: في الممتحنة ثمَّ الجمعة ثمَّ التين ثمَّ الفتح ثمَّ التحريم ثمَّ الحشر، ثمَّ الاسم العزيز: في سورة الجمعة ثمَّ الحشر الممتحنة ثمَّ (الصف الحديد الفتح).

1.7.8.4.2- وتكرَّر الاسم (الرحيم) بعددِ مائةٍ وأربعَ عشرةَ (114) مرّة، بما يتناسبُ مع عددِ سورِ القرآن مائة وأربعَ عشرةَ (114)، وكأنَّ كلَّ سورة منها أنزلت لتكونَ رحمةً من اللهِ لعبادِة. انظر أيضًا في تسهيل فهم وتدبّر القرآن: 6.2.1- التعريف بالله الرحمن الرحيم وبالإنسان الذي خلقه الله برحمته ودين الله دين الرحمة للإنسان.

وتكرَّر اسم الرَّحمن في القرآن (57) مرَّة كلها في السور المكيَّة ما عدا أربع مرَّات ذكرت في أربع سور مدنيَّة هي: البقرة والرعد والرَّحمن والحشر، ويكثر هذا الاسم في السور المكيَّة التي نزلت قديمًا وهي مريم وطه والأنبياء وكذلك الإسراء ويس والفرقان والزخرف، وفيه إشارة إلى أنَّ هذا الدين هو دين رحمة أنزله عليهم ﴿الرَّحمن الرَّحِيمِ﴾، وكان المشركون لا يعرفون هذا الاسم، فلمَّا سمعوا النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – يدعو الله تارة بأنَّه الله وتارة بأنَّه الرَّحمن، فظنوا أنَّه يدعو إلهين، حتَّى قال بعضهم: الرَّحمن رجل باليمامة، وكان من جملة مآخذهم على الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّهم قالوا: ينهانا عن اتِّخاذ آلهة مع الله وهو يدعو معه إلها آخر: ﴿الرَّحمن﴾، فأنزل الله قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (110)} الإسراء، احتجاجًا لنبيه – صلَّى الله عليه وسلَّم – بذلك، وأنَّه شئ واحد وإن اختلفَت أسماؤه وصفاته، وفي تفسير ابن كثير: “حيث كان المشركون ينكرون أن يسمَّى الله باسمه الرَّحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – للكاتب: “اكتب بسم الله الرَّحمن الرحيم”، فقالوا: لا نعرف الرَّحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنتَ تكتب: باسمك اللهمَّ، وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)} الفرقان.

وذكر الاسم الرَّحمن في: سورة مريم 16 مرَّة، الزخرف 7 مرَّات، الفرقان 5 مرَّات، وفي كلٍّ من طه والأنبياء ويس والملك 4 مرَّات، وفي الفاتحة والنبأ مرَّتين، وفي البقرة والرعد والإسراء والشعراء والنمل وفصلت وق والرَّحمن والحشر.

1.7.8.4.3- انظر أيضًا أسماء الله العزيز والحكيم في سورة الحشر في كتاب تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن: (في الفصل 059.8.3- اسم الله (العزيز) في القرآن؛ والفصل 059.8.4- اسم الله (الحكيم) في القرآن).

1.7.9- منافع معرفة أسماء الله: وجدتُ أنَّ تتبُّع أسماء الله الحسنى في القرآن، وكذلك تأمُّل تناسب معاني هذه الأسماء مع محتويات السور والآيات، هو موضوع شيِّق جدًا، ولا بُدَّ لمن أراد أن يسهل عليه فهم القرآن أن يُركِّز على ملاحظة وجود هذه الأسماء والصفات وتناسبها، ويمارسه ويتتبع خيوطه وترابطه في السور والآيات، وهذا التتبُّع والملاحظة لأسماء الله تعالى يحتاج إلى جهد وتروٍ يستحقُّ العمل الجاد والتعوُّد على ممارسته، ليس من أجل فهم القرآن فحسب، بل لأنَّ كثرة ممارسة معرفة المعاني وربط معاني الأسماء مع معاني السور يخلق ويزيد محبَّة الله وكلامة في قلب فاعله، وفي المقابل يفوز بمحبة الله ورضوانه، لذلك فإنَّ من عظيم منافع معرفة الله، هي ما يلي:

1.7.9.1- لقد ابتدأ سبحانه كتابه بالتعريف على ذاته، فإذا عرفه الناس اتقوه وأسلموا له، ثمَّ ارتقى بهم إسلامهم وتقواهم إلى الإيمان ثمَّ إلى الإحسان، فكمال الدين وتمام النعمة يعتمد على المعرفة بالله، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عمَّن سواه، وكلَّما ازداد الإنسان معرفة بربه، ازداد تقوى وإيمانًا وطاعة حتى يصل إلى اليقين بوعد الله وبقضائه وقدره وباليوم الآخر.

1.7.9.2- معرفة أسماء الله سبب محبته فتزداد المحبة على قدر زيادة المعرفة وتضعف على قدر ضعف المعرفة بالله؛ وبمعرفة أسماء الله وصفاته تتحقق محبته، وخشيته، وخوفه، ورجاؤه، ومراقبته، وإخلاص العمل له، وهذا هو ما خُلق لأجله الإنسان، وهو عين سعادته.

1.7.9.3- الله خالق الأسباب ومسبباتها ولا خالق غيره ولا مقدر غيره، وهو المتفرِّد بالضرِّ والنفع، والعطاء، والمنع، والخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، واليقين بهذا يفضي إلى التوكُّل على الله وحده، وطاعته، والرضا بقضائه وقدره.

1.7.9.4- العلم بمعاني أسماء الله يلزم الخوف والرجاء، والمهابة، والمحبة والتوكُّل وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات، وأهمها تقوى الله وخشيته، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء (28)} فاطر، فالخشية تمنع من المعصية كما أنَّ الطاعة (محبَّة) تدفع إلى العمل، واليقين (علمًا) يهوِّن المصائب.

1.7.9.5- إن في تدبُّر معاني أسماء الله وصفاته أكبر عون على تسهيل فهم وتدبُّر القرآن، فكل مقاصد القرآن تدور حول التعريف بالله بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، وتدور حول التعريف بالإنسان وبمراد الله من خلقه.

 

1.7.9.6- وقد بينت لنا آيات القرآن نعمة معرفة أسماء الله وصفاته وعظيم الفوائد التي نجنيها من هذه المعرفة، وأرشدتنا إلى المسارعة إلى اللجوء إلى الله، والتوكُّل عليه، وصمد الحوائج إليه، وإلى الدعاء، ودوام طلب ذلك، فهو قريب مجيب قدير، بيده كلُّ شئ، على نحو قوله تعالى: {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88)} المؤمنون، وقوله: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (64)} النمل، وغيرُها في الكثير من الآيات، التي تُرشِدُنا إلى أن: نوحِّدَه، وألا نعبُد غيره، وأن نحبَّه، ونطلُب حبَّه، ونتوكَّل عليه، وندعُوه تضرُّعًا وخيفة، ندعوه بأسمائه، ونطلب وُدَّه، ونتوبُ إليه، ونسترضيه، ونتقيه، وننيب إليه، ونستغفره، ونسترزقه، ونخشاه، ونستعينُ به، ونستغيثُ به، ونسلمُ له، ونؤمنُ به، ونستهديه، ونسمَع ونبصر ونُخبت له، لعلَّه يعصمنا، ويحفظنا، وينجينا، ويهدينا، وينصرنا، ويبشِّرنا، ويثبتنا، ويسعدنا، ويعطينا، ويغفر لنا، ولوالدينا، ويجعلنا مقيمي الصَّلاة ومن ذريَّاتنا، ويرحمنا، ويعلِّمنا، ويصرف عنَّا السوء، وكيد الظالمين، ويكيد لنا، ويدبِّر لنا، ويُؤتينا من فضله، ويُطعمنا، ويسقينا، ويُمكِّن لنا في الأرض، ويَتولانا، ويَلطف بنا، ويُدخلنا الجنَّة، ويُنجِّينا من النَّار، وييسِّر أمرَنا، ويشرَح لنا صُدورنا، ويُصلِح أحوالَنا، ويجعلُنا من المُحسنين، والصالحين، والمخلصين، والأوَّابين، والتوَّابين، والحامدين، والشاكرين، والصابرين، والمسبحين، والآمرين بالمعروف، والناهين عنِ المنكر، والمسارعين في الخيرات، ويضع عنَّا وزرنا، ويعيذُنا، ويحسن إلينا، ويفتحُ علينا بركاتٍ من السماء والأرض، ويُهلك عدوَّنا، ويزيدنا إيمانًا، ويُطمئن قلوبَنا بذكره، ولا نيئس من رُوحه، ويثبِّت أقدامَنا، وينعم علينا، ويؤتينا من كلِّ ما نسأله، ويزيدُنا من فضله، وهكذا.. اللهمَّ إنّك قريب مجيب، فأجبْ دعاءنا.

أعلى الصفحة Top