العودة إلى فهرس السور: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن)


057.0 سورة الحديد


ملاحظة: قبل البدئ بهذه السورة، يجب الاطلاع على ما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– تسهيل فهم وتدبّر القرآن: اضغط هنا


057.1 التعريف بالسورة:

1) سورة مدنية. 2) من المفصّل. 3) عدد آياتها 29 آية.  4) السابعة والخمسون من حيث الترتيب في المصحف. 5) والسابعة والتسعون حسب ترتيب النزول، نزلت بعد “الزلزلة”.  6) ليس لها أسماء أخرى.

7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة: الله 30 مرّة، هو 9 مرّات؛ (3 مرّات): رب، أنزل؛ (مرّتين): لله، له، العزيز، عليم، رحيم، يحيي، يولج، له ملك، فضّل، يولج؛ (1 مرّة): الحكيم، قدير، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، بصير، رؤوف، غفور، خبير، قوي، سبح لله، خلق، استوى على العرش، يميت، يغفر، حميد، غني، ذو فضل، يَعْلَم، يبين، مخرج (المجموع = 87 اسم وضمير وفعل). انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

السورة الوحيدة التي ذكرت فيها الكلمات: (1 مرّة): أسماء الله: الأول، الآخر، الظاهر، الباطن؛ (1 مرّة) نقتبس.

أكثر سورة تكرر فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: نور 6 مرّات بعد سورة النور 7 مرّات، غرور 4 مرّات هي وفاطر، قرض 4 مرّات.

تكررت فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: آمن 14 مرّة، رسول 10 مرّات، أرض 9 مرّات، سماوات 6 مرّات؛ (5 مرّات): أنفق، أجر، كتاب، فضل، يعلم، ينزل؛ (4 مرّات): يلج، يوم؛ (3 مرّات): شيء، معكم، مصّدّق، فاسق، العظيم، قلوب؛ (2 مرّة): الحياة الدنيا، موت، ليل، نهار، تعملون، حسن، قاتل، منافق؛ (1 مرّة): يعرج، سبح، فوز، أموال، سابقوا، تفاخر، كتب، جنات، خالد، حديد.

057.2 فضائلها وما ورد عنها من الأثر:

057.3 وقت ومناسبة نزولها:

هذه السورة مدنيّة بالإجماع. ومن دراسة موضوعها يتبيّن أنها قد تكون نزلت في الفترة الزمنية الواقعة ما بين غزوة أحد وصلح الحديبية. هذا الوقت الذي كانت فيه الدولة الإسلاميّة الصغيرة جداً في المدينة مطوّقة بالكفار، وكان من فيها من المسلمين قليلي العدد وضعيفي التسليح متخندقين في مواجهة جميع القوى التي في الجزيرة العربيّة. هذه الدولة الناشئة باتت بحاجة ماسّة ليس فقط لتضحيات أتباعها بأرواحهم ولكنها تحتاج أيضاً إلى دعمهم المالي. في هذه السورة مناشدة قويّة وملحّة لتلبية هذه الحاجة. وهذا ما تعززه الآية: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)}. وهو ما يؤكده الحديث الذي رواه ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه بخصوص آية (16) {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} قال أنها نزلت بعد 17 سنة من بدئ نزول الوحي بالقرآن لتحضّ المؤمنين على العمل. وبذلك تكون هذه السورة نزلت ما بين السنة الرابعة الى الخامسة من الهجرة.

057.4 مقصد السورة:

057.4.1- أَمَرَ الله (العزيز الحكيم خالق كل شيء وربه ومليكه ذو الجلال والكمال)، الإنسان بالإيمان لتصلح به حياته، وبالإنفاق لتصلح به حياة الجماعة، والقتال في سبيله للحفاظ على الدين والإيمان. جعل الإنسان مخيّراً بين أن يطيع فيفوز أو يعصي فيخسر، أرسل له بذلك الرسول والكتاب بالآيات البينات وأقام عليه الحجة والدليل والمعجزة. ويُعْلمُنا سبحانه أن كل المخلوقات تسبّحه وتنزهه عما ليس فيه من النقص، والإنسان ليس استثناء.

057.4.2- ومقصدها نجده في الآية الأولى بأنه سبح لله ما في السماوات والأرض، وهو العزيز خالق هذا الوجود كلّه، الحكيم الذي يدبر أمره بحكمته. وهذا هو مقصدها باعتبار ما أراده الله من مخلوقاته: إذ يُعْلمُنا الله سبحانه أن كل المخلوقات تسبّحه وتنزهه عما ليس فيه من النقص، (والإنسان ليس استثناء). كل شيء في هذا الوجود هو ملك لله، الذي إليه ترجع الأمور. أمر الإنسان بالإيمان والإنفاق والقتال في سبيل الله، وأنزل الكتاب ووضع الميزان ليقوم الناس بالقسط (أي الحق والعدل). الإنسان (وكذلك الجان) أعطي الخيار في هذه الحياة الدنيا بأن يكون مسؤول عن بعض أفعاله وهي الإيمان بالله وعبادته طواعية وقد أخذ عليه الميثاق بذلك. يُعْلمُنا سبحانه أن هذه الحياة الدنيا جعلت ملعب يتسابقون فيه بالعمل الصالح إلى الفوز، كلّ يجزى بعمله، فإن آمن الإنسان بخالقه وأنفق وفعل ما طلب منه من العبادة والأخذ بأسباب السعادة، وانتهى عما نهي عنه من أسباب الشقاء، كان من الفائزين في الدارين. وإن كذّب وعبد غير الله وخالف أمره وفعل ما نهى عنه صار من الخاسرين في الدارين.

057.4.3- مقصدها باعتبار رسالة الرسل: أن الله سبحانه يحب ويريد القسط بإقامة العدالة بين الناس، أرسل بذلك الرسل وأنزل معهم {الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط (25)}، وتكون العدالة بالميزان كما يلي:

057.4.3.1- العدالة الأخلاقية: وهي تحتاج قوّة الحديد والقانون، فالمفسد يحارب بسبب إفساده، والمصلح يعان بسبب إصلاحه.

057.4.3.2- العدالة المعيشية: وهي تتطلّب قوّة الإنتاج والإنفاق، فالعامل يكسب بمقدار عمله، والغير قادر يعان بسبب ضعفه.

057.4.4- مقصدها باعتبار المطلوب أن يفعله الناس أولي الألباب: العاقل من يسابق في ملعب هذه الدنيا إلى الفوز بالمغفرة والجنّة، ولا يترك الفوز لغيره، بينما هو يلهو بحماقة عجيبة ويتفاخر ويتكاثر بدنيا هو على يقين بأنها زائلة، ويعميه لهوه وانشغاله بها عن النور الحقيقي فلا يرى ما هو فيه من الضلال والخسارة بالبعد عن طريق الحق إلى الخسارة بالخلود في النار.

057.5 ملخص موضوع السورة:

نزلت بعد 17 سنة من بدء النبوّة لتحضّ المؤمنين على العمل والإنفاق والقتال في سبيل الله. بدأت بالإعلام بتسبيح كلّ المخلوقات لله، ثمّ بالتعريف بأسمائه سبحانه: العزيز الحكيم الملك، يحيي يميت، قدير عليم خالق بصير، الأول والآخر والظاهر والباطن …إلخ (بعدد آيات السورة). ثمّ التفتت السورة إلى المؤمنين تخاطبهم وتحثهم على أن {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا (7)}، {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ (8)}، {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا (9)}، {وَقَاتَلُوا (10)}، وتكرر لفظ الجلالة “الله” في السورة (30 مرّة) وفي مجملها احتوت على ثلاثة أضعاف عدد آياتها أسماء حسنى وضمائر وأفعال.

وتضمنت أربع مجموعات من الآيات: (6 آيات) تنزّه الله وتعرّف بأسمائه الحسنى، ثمّ (5 آيات) تأمر بالإيمان والإنفاق والقتال، ثمّ (8 آيات) عن فوائد الإيمان في الدنيا والآخرة، ومقارنة بين المؤمنين والكافرين، ثمّ (10 آيات) تحثّ على الإيمان وعلى السباق في العمل الصالح، والإعلام بأن الدنيا دار العمل والآخرة دار القرار، كما يلي:

(الآيات 1-6): تسبيح المخلوقات في السماوات والأرض لله وتنزيهه فهو {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)}، وحده مالك كلّ شيء له الأسماء الحسنى وكلّ ما سواه بحاجة إليه {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2)}. وهو الأول والآخر والظاهر والباطن (لم تذكر إلا في الحديد) والعليم والخالق والبصير، وهو يعلم، ومعكم، وله الملك، وإليه ترجع الأمور، ويقلب الليل والنهار وهو عليم بذات الصدور.

(الآيات 7-11): الأمر بالإيمان بالله وبرسوله، وبالإنفاق مما جعلهم مستخلفين فيه، ومن يفعل فله أجر كبير. ويدعوهم ليؤمنوا لأنه قد أخذ عليهم الميثاق بالإيمان، وأنزل البينات ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأمرهم بالإنفاق لنصرة الدين وبالقتال ووعدهم بالدرجات ومضاعفة الأجر.

(الآيات 12-19): جزاء المؤمنين والمؤمنات يوم القيامة هو النور والفوز العظيم بالجنات خالدين، والمنافقون في الظلمات والنار وبئس المصير. ويعاتب المؤمنين على عدم الخشوع لربهم وذكره والانقياد لأوامره وزواجره وما نزل من الحق الذي هو القرآن، فالله يحيي الأرض بعد موتها، فكذلك هو قادر على إحياء الموتى يوم القيامة، وهو قادر على تليين القلوب بعد قسوتها حتى ينالوا الأجر العظيم المضاعف جزاءً على أعمالهم في الدنيا والآخرة، والتحذير من التشبه باليهود والنصارى في قسوة قلوبهم وخروجهم عن طاعة الله.

(الآيات 20-29): الإعلام بأن {الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (20)}، وتشبيهها بالنبات الأخضر ما يلبث أن يصفرّ ويتحطم، بينما في الآخرة عذاب للكفار ومغفرة لأهل الإيمان. ثمّ الأمر بأن {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ … وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)}، والإخبار بأن ما أصابهم من مصيبة إلا في كتاب من قبل أن تُخْلَق الخليقة، لكيلا يحزنوا على ما فاتهم ولا يفرحوا بما آتاهم {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)}. وهو {الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)}، أرسل الرسل وأنزل الكتاب والميزان ليتعاملوا بينهم بالعدل، وأنزل {الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ … إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)}، وأرسل نوح وإبراهيم وعيسى عليهم جميعاً السلام. ودعوة للذين آمنوا بأن اتقوا الله وآمنوا يؤتكم ضعفين من رحمته ويجعل لكم نوراً ويغفر لكم {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)}، ليعلم أهل الكتاب أن الفضل بيد الله وحده يؤتيه مَن يشاء من عباده {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}.

اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور واجعلنا من المؤمنين المنفقين المقاتلين في سبيلك كما أمرت.

057.6 بعض التفاصيل عن موضوع السورة:

يمكن تقسيم السورة باعتبار ترتيب آياتها إلى أربعة مجموعات من الآيات كما يلي:

057.6.1- الآيات (1-6)، أسماء الله المذكورة في السورة تؤكّد مقصد السورة وموضوعاتها وهو تسبيح جميع المخلوقات لله وتنزيه فهو وحده مالك كلّ شيء له الأسماء الحسنى وكلّ ما سواه بحاجة إليه، والإيمان به ورسله وكتبه واليوم الآخر واتباع هديه بعبادته، والأخذ بالأسباب التي جعلها لإقامة العدل، والإنفاق مما استخلفهم فيه كما أمر، وأنهم محاسبون على أعمالهم في الدنيا: ومن صفات الله المذكورة تسبيح المخلوقات له، وأن لله ملك السماوات والأرض، وأن إليه ترجع الأمور، وأنه وارث كلّ شيء، وأن إحاطته شاملة للزمان والمكان، فهو الأول ولا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وذكرت معيَّته الشاملة لخلقه، وعظيم سلطانه وقهره، وغيرها مما ذكر من أسماء الجلال والكمال والجمال. كل هذه الأسماء تعني أن كل من في هذه الحياة الدنيا لا بدّ أن يكون مطيعاً لله وحده مؤمن به معظم لقدرته خاشع له قلبه يسبّح بحمده ويشكر نعمته وينفق في سبيله كما أمر. لذلك دعتِ الآيات التي تلتها مباشرة العباد إلى الإيمان والإنفاق.

057.6.2- الآيات (7-11) الإيمان والإنفاق: يأمر الله تعالى في الآيات بالإيمان به وبرسوله وبالإنفاق مما جعلهم مستخلفين فيه ومن يفعل فله أجر كبير. وأمرهم بالإنفاق لنصرة الدين وبالقتال ووعدهم بالدرجات ومضاعفة الأجر.

الله الذي افتتحت السورة بذكر صفاته أرسل رسله {وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} (آية 25)، وأمر الناس بالإيمان بالله وبرسوله وبالإنفاق مما جعلهم مستخلفين فيه.

الآية (8) أنزل البينات وأرسل الرسول يدعوهم ليؤمنوا بربهم وبين لهم أنه قد أخذ عليهم الميثاق بالإيمان.

وقد أمرت السورة بالإنفاق في سبيل الله، وهذا لا يمكن أن يحصل في حياة الناس إلا بالإيمان الباعث على الإنفاق في سبيل نشر دين الله القائم على القسط وتحقيق العدل والتعاون بين الناس ليكون الناس كالجسد الواحد، ولهذا فقد قرن الإنفاق بالإيمان في سياق هذه السورة، وكأنهما شيء واحد.

057.6.3- الآيات (12-19) فوائد الإيمان في الدارين الدنيا والآخرة:

الأمر بالإيمان والإنفاق ذُكر في أول السورة (الآيات 7-11)، ثم ورد التعقيب عليه ببيان حال الصنفين المخالفين:

– صنف المنافقين: الذين يُظهِرون تمسُّكَهم بهذين الأمرين، وهم منهما براء، وفيه تأكيد لأهمية الإيمان والإنفاق. (الآيات 12-15)

– صنف الكافرين: بيان حال المؤمنين المتصدقين أمام صنفٍ آخرَ خاسرٍ، هو صنف الكافرين (الآيات 16-19)

فإما إيمان وإنفاق، وإما كفر ونفاق.

057.6.3.1- الآيات (12-15) في الآخرة: الحساب النهائي على الأعمال والأجر العظيم في يوم القيامة: يوم ترى المؤمنون والمؤمنات، الذين آمنوا كما أمرهم الله، نورهم بين أيديهم وعن أيمانهم، ويقال لهم: بشراكم اليوم دخول جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم. أما المنافقون والمنافقات الذين خدعهم الشيطان وخدعتهم أمانيهم الباطلة حتى جاءهم الموت، فلا نور لهم ولا فداء ومأواهم النار هي أولى بهم وبئس المصير.

وهو لا يعني أن الدنيا ليس فيها جزاء، بل فيها جزاء، وفي حصوله بشارات وإشارات إلى ميزان الله وعدله، فبتطبيقهم شرع الله يعمّ الخير (فينتشر الأمن والرزق والأموال والبنين) وبإعراضهم عن شرع الله يعمّ الشر (بانتشار الظلم والفساد والقتل والركض وراء الدنيا بلا توقّف)، وفي جزاء الدنيا دليل على وجود الله مع الناس في كل لحظة من حياتهم وأنه ليس غافل عما يعملون، ولكن جزاء الدنيا مؤقت زائل بزوالها، وجزاء الآخرة خالد لا يزول.

057.6.3.2- الآيات (16-19) في الدنيا والآخرة: يعاتب المؤمنين على عدم الخشوع لربهم ولذكره، وينقادوا لأوامره وزواجره، وما نزل من الحق، الذي هو القرآن، وحتى ينالوا الأجر العظيم المضاعف جزاءً من الله على أعمالهم في الدنيا، في الدنيا والآخرة. والحذر من التشبه باليهود والنصارى، في قسوة قلوبهم، وخروجهم عن طاعة الله.

من فوائد الإيمان العظيمة في الدنيا: أن تخشع قلوب الذين آمنوا بالله ورسوله لله سبحانه عند سماع ما أنزله من الكتاب والحكمة، فتحيا هذه القلوب وتسعد بالحق وبقربها من بارئها في الدنيا، وهي باتباعها للهدى كذلك يحصل لها طمأنينة وانشراح بسبب انسجامها واتفاقها مع الفطرة التي فطرها الله عليه (وهو عكس ما يحصل من الضيق والحرج والشدّة بسبب الإعراض عن ذكر الله ومخالفة الفطرة)، قد بيّن لهم دلائل قدرته بأنه يحيي الأرض بعد موتها، فكذلك هو قادر على إحياء الموتى يوم القيامة، وهو قادر على تليين القلوب بعد قسوتها. الآيات (16، 17).

ثم هو يعدهم إن تصدقوا من أموالهم وأنفقوا في سبيل الله أن يضاعف لهم ثواب ذلك، ولهم فوق ذلك ثواب جزيل، وهو الجنة. ويعدهم إن هم آمنوا بالله ورسوله بأن لهم ثوابهم الجزيل عند الله، ونورهم العظيم يوم القيامة، وأما الذين كفروا وكذَّبوا بأدلة الله والحجج أولئك أصحاب الجحيم، فلا أجر لهم، ولا نور. الآيات (18، 19).

057.6.4- الآيات (20-29) الحث على الإيمان وعلى السباق في العمل الصالح وبيان أن الدنيا دار عمل والآخرة هي دار القرار والجزاء، وبيان سنن الله في الأرض التي تتوائم مع الإيمان، من حيث الابتلاء في المصائب وبسط الدنيا وإعطائها وأخذها وأن كل ذلك مسجّل في اللوح المحفوظ ومقصود بتدبير من الله يختبر الناس بالخير والشر فتنة، ومقارنة بين الإيمان والتكذيب: بالمنطق البسيط والدليل الواضح والآية وإرسال المرسلين بالحجج وإنزال الكتاب بالبينات، ليعلموا أين مصلحتهم فيسابقوا إليها:

057.6.4.1- يقارن لهم سبحانه بين الدنيا والآخرة: فالدنيا لعبة منتهية يتبارى فيها المتبارون بالتفاخر والتكاثر وبما لا فائدة ترجى من ورائه بعد الموت، ويشبهها بالنبات الأخضر ما يلبث أن يصفرّ ويتحطم. بينما في الآخرة عذاب شديد للكفار ومغفرة من الله ورضوان لأهل الإيمان. وما الحياة الدنيا لمن عمل لها ناسياً آخرته إلا متاع الغرور. آية (20)

057.6.4.2- يأمرهم سبحانه بأن يسابقوا في السعي إلى أسباب المغفرة من التوبة النصوح والابتعاد عن المعاصي؛ لِيُجْزَوْا مغفرة من ربهم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، وهي مُعَدَّة للذين آمنوا بالله واتَّبَعوا رسله، ذلك فضل الله الذي يؤتيه مَن يشاء مِن خلقه، والله ذو الفضل العظيم على عباده المؤمنين. آية (21)

057.6.4.3- يطمئنهم سبحانه بأن ما أصابهم من مصيبة في الأرض ولا في أنفسهم (من الأمراض والجوع والأسقام) إلا هو مكتوب في اللوح المحفوظ من قبل أن تُخْلَق الخليقة. إن ذلك على الله تعالى يسير. وقد جعله سبحانه لكي لا يحزنوا على ما فاتهم من الدنيا، ولا يفرحوا بما آتاهم فالله لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا فخور به على غيره، فيبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ومن يتولَّ عن طاعة الله لا يضر إلا نفسه، فإن الله هو الغني عن خلقه، الحميد. الآيات (22-24)

057.6.4.4- لقد أرسل الله رسله بالحجج الواضحات، وأنزل معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، وأنزل الميزان؛ ليتعامل الناس بينهم بالعدل، وأنزل لهم الحديد، فيه قوة شديدة، ومنافع للناس متعددة، وليعلم الله علماً ظاهراً للخلق من ينصر دينه ورسله بالغيب. إن الله قوي لا يُقْهَر، عزيز لا يغالَب. من هؤلاء المرسلين الذين أرسلوا إلى أقوامهم كان نوح وإبراهيم عليهما السلام الذين جعل الله في ذريتهما النبوّة وآخرهم عيسى عليهم السلام (أمّا خاتم المرسلين محمّد صلى الله عليه وسلم فقد أرسل للناس كافة إلى يوم القيامة)، فمن ذرياتهم وأقوامهم من آمن وكثير منهم فاسقون خارجون عن طاعة الله. الآيات (25-27)

057.6.4.5- يا أيها الذين آمنوا، امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه وآمنوا برسوله، يؤتكم ضعفين من رحمته، ويجعل لكم نوراً تهتدون به، ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم. أعطاكم الله تعالى ذلك كله؛ ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، أنهم لا يقدرون على شيء مِن فضل الله يكسبونه لأنفسهم أو يمنحونه لغيرهم، وأن الفضل كله بيد الله وحده يؤتيه مَن يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم. الآيات (28، 29)

خلاصة السورة جاءت بنداء جامع بليغ يأمر بالاتصال مع صاحب الفضل وطاعته كما أمرهم في هذه السورة، وأن يؤمنوا برسوله، فيحصل لهم التالي:

057.6.4.5.1- يجعلوا وقاية بينهم وبين غضب الله وسخطه وعقابه وتعسيره أمرهم في الدنيا والنار في الآخرة.

057.6.4.5.2- يؤتهم ضعفين من رحمته: رحمة في الدنيا بالتوفيق والصحة والسعادة والأموال والبنين وغيره، ورحمة في الآخرة بالفوز بالجنّة.

057.6.4.5.3- ويجعل لهم نوراً يهتدون به: الله نور السماوات والأرض، نور الله واحد هو تقوى الله والإيمان ذكرته هذه الآية، وفصّلته هذه السورة، وبينه في القرآن، بينما الظلمات كثيرة هي باتباع الهوى والزينة والتفاخر والتكاثر واللعب الباطل والغرور، وبالخروج والابتعاد عن تقوى الله والإيمان به وبرسوله.

057.6.4.5.4- يغفر لهم ذنوبهم: والله غفور لعباده، رحيم بهم.

057.6.4.5.5- بذلك يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون أن يكسبوا فضل الله لأنفسهم، وأن الفضل بيد الله وحده يؤتيه من يشاء، فلا يحتكر أحد فضل الله ورحمته ونوره عن الناس.

057.7 الشكل العام وسياق السورة:

057.7.1- إسم السورة الحديد والذي يدل استخدامه على مقصدها وموضوعاتها: فالسورة تبين أن الله أنزل الحديد لغرضين:

057.7.1.1- أن يقوم الناس بالقسط باستخدام الحديد في سبيل إبلاغ كلمة الله للناس كافّة وفي سبيل الدفاع عن إقامة العدل وتطبيق أمر الله بالقوّة.

057.7.1.2- وفيه منافع لهم في الصناعة والزراعة والمباني والمواصلات والاتصالات وغيرها من وسائل المعيشة والرفاهية.

لذلك ينصر الله بالحديد: باستخدامه في الصناعات والمصانع والمراكب والآلات لبناء المجتمع، وبالسلاح والقوة لحماية منجزات المجتمع ودحر الظالمين. فهو قوّة الإنسان في السلم والحرب وعدته في البنيان والعمران. وقرن تعالى بين الكتاب والحديد، لأن بهاذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله.

057.7.2- سياق السورة باعتبار موضوعاتها:

موضوعاتها باعتبار أسماء الله التي ركّزت عليها السورة: هي أن كل المخلوقات تسبح الله وتنزهه عما ليس فيه من النقص، والإنسان ليس استثناء لكنه مخيّر أخذ على نفسه الميثاق بذلك، فالله هو العزيز صاحب الملك والسلطان والحكيم أمر بالعدل ووضع الميزان ليقوم الناس بالقسط: رب خالق رؤوف رحيم بيده كل شيء خلق الإنسان ليتفضّل عليه ويكرمه ويغفر له ويرحمه، ومخلوق هو الإنسان مخير بين أن يقبل فضل الله وتكريمه ورحمته في الدارين وذلك هو الفوز العظيم، الآيات (11، 18) أو يرفضه فيهلك في الدنيا ويعذب في الجحيم في الآخرة وذلك هو الخسران المبين. رب رؤوف رحيم كريم لا حدود لرأفته ورحمته وكرمه: يأمرهم بالإيمان لمنفعتهم أنفسهم في الدنيا وقد أخذ ميثاقهم بذلك وهو الحق ويكافئهم عليه في الآخرة، ويأمرهم بالإنفاق من ملكه ومن مال استخلفهم عليه لمنفعة المجتمع ويعتبره قرض منهم وهو اصلاً من عنده ليكافئهم عليه جنات وأجر كبير.

كل شيء في هذا الوجود هو ملك لله، وإليه ترجع الأمور: فالله هو وحده الخالق البارئ المصوّر لكل ما في الوجود بقدرته وحكمته، وكل ما في الوجود من مخلوقات هي سائرة على تدبيره بالموازين والأسباب التي خلق عليها السماوات والأرض. ثم نحن قد علمنا عن طريق الوحي والتنزيل أن الإنسان (وكذلك الجان) أعطي الخيار في هذه الحياة الدنيا بأن يكون مسؤول عن بعض أفعاله وهي الإيمان بالله وعبادته طواعية وقد أخذ عليه الميثاق بذلك: فإن آمن الإنسان بخالقه وفعل ما طلب منه من العبادة والأخذ بأسباب السعادة وانتهى عما نهي عنه من أسباب الشقاء كان من الفائزين في الدارين. وإن كذّب الإنسان بخالقه وعبد غيره وفعل عكس ما طلب منه صار من الخاسرين في الدارين. الله خالق مبدع كريم رؤوف رحيم بمخلوقاته، قضى أن يخلق إنساناً طائعاً باختياره، أعطاه كامل الحرّية والخيار في أن يكون مسؤول عن أن يقبل رحمة الله وفي النور (المتمثلة بفطرته القائمة على القسط والميزان) أو أن يكون في الظلمات يرفضها ويفسد فيها فيخرج منها.

يمكن تقسيمها إلى أربعة موضوعات رئيسية كما يلي:

– الله العزيز الحكيم، عرّف عن نفسه بأنه خالق كلّ شيء، وأنه بالقسط أقام السماوات والأرض، وله ملك كلّ شيء.

– الله الرؤوف الرحيم، أرسل رسله بالبينات إلى الإنسان الذي جعله خليفته في الأرض، وأنزل الكتاب والميزان بالقسط والعدل. وأنزل الحديد فيه بأس وفيه منافع.

– يبين سبحانه للناس أنه لا يأمرهم إلا بما فيه صلاحهم وما فيه صلاح أمر الكون.

– مقارنة بين الإيمان والتكذيب، ومخاطبة أنفس الناس وعواطفهم بالمنطق البسيط والدليل والآية والحجة، ليبين لهم أين تكمن مصالحهم ليسابقوا إليها.

057.7.2.1- الله العزيز الحكيم، عرّف عن نفسه بأنه خالق كلّ شيء، ويسبح له كلّ شيء، وأنه بالقسط أقام السماوات والأرض، وله ملك كلّ شيء: الآيات (1-6)

057.7.2.1.1- الله: هو الذي سَبَّح له ويعبده من في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم

057.7.2.1.2- العزيز الحكيم: له ملك السماوات والأرض يعاملهم بحكمته يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

057.7.2.1.3- قدير: هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ويعلم.

057.7.2.1.4- عليم: يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير (فكل أعمالكم وتحركاتكم مراقبة يبصرها الله العليم).

057.7.2.1.5- الملك: له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (فسارعوا إلى مغفرته ورضوانه واحذروا غضبه وأسفه فالتزموا أمره ونهيه في ملكه).

057.7.2.1.6- إلى الله ترجع الأمور: يولج النهار في الليل ويولج الليل في النهار يزيد من ساعاتهما وينقص وهو عليم بذات الصدور.

057.7.2.2- الله الرؤوف الرحيم، أرسل رسله بالبينات إلى الإنسان الذي جعله خليفته في الأرض، وأنزل سبحانه الكتاب والميزان بالقسط والعدل. وأنزل الحديد فيه بأس وفيه منافع. الآيات (8، 9، 25-27)

خلق الله الناس وجعلهم خلفاء له على الأرض، وقد أخذ ميثاقهم، ليؤمنوا به وبرسوله (وبرسالته) وينفقوا من ماله ويجاهدوا بأنفسهم التي وهبها لهم في سبيله، لإقامة العدل والميزان ولأجل بقاء سننه وفطرته التي عليها صلاح الناس وبقاء الكون.

057.7.2.2.1- الإيمان بالله (بصفاته المذكورة في صدر السورة في الآيات (1-6)) والإيمان برسوله (يحمل لهم رسالة ربهم في هذه الآيات (8، 9)) ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ثم أوّل عمل خطير بعد الإيمان بالله ورسوله هو الإنفاق (آية 7).

057.7.2.2.2- قصص عن الأمم السابقة تبين أن الله أرسل رسله للأمم السابقة، ثم أهلكهم لأنه عصوا أمره، بعد أن جاءتهم رسله بالبينات والكتاب فآمن قليل وأكثرهم الفاسقون. ولو أنهم آمنوا لنالوا أجرهم من الله. الآيات (25-27)

السورة تركّز على الإنفاق مما جعلهم مستخلفين فيه (ويشمل المال والنفس)، على الرغم من كونه كلّه من الله، ولله، فالله لا يريد استرداه لنفسه، لكنه حين يطلب منهم إنفاقه لمصلحتهم، فهو يعتبره قرض حسن سيضاعفه له وأجر الله كريم.

ونذكر هنا أن الصلاة فائدتها للعبد، والإنفاق فائدته لكل الناس، فهو أهم من الصلاة باعتبار تأثيره على حياة الناس ومصالحهم، ولعظيم منفعته للمسلمين.

057.7.2.3- يبين سبحانه للناس أنه لا يستخلفهم ولا يأمرهم إلا بما فيه صلاحهم وما فيه صلاح أمر الكون: إذ يأمرهم بالإيمان بالله ورسوله، والإنفاق في سبيله، والقتال في سبيله. فبالإيمان والإنفاق والقتال تصطلح وتستقيم حياتهم في الدنيا، وينالون الأجر الكبير في الآخرة، كما يلي: الآيات (7، 10-15)

057.7.2.3.1- تحصيل الأجر الكبير في الآخرة. آية (7)

057.7.2.3.2- تمييز المؤمنين بالدرجات العظيمة والمضاعفة والتكريم، كلّ إنسان بمقدار إيمانه وإنفاقه وقتاله. الآيات (10، 11)

057.7.2.3.3- لهم نور وجنّات في الآخرة وفوز عظيم، بينما المنافقين في الظلمات والعذاب والمصير البائس. الآيات (12-15)

057.7.2.4- مقارنة بين الإيمان والتكذيب، ومخاطبة أنفس الناس وعواطفهم بالمنطق البسيط والدليل والآية والحجة، ليبين لهم أين تكمن مصالحهم ليسابقوا إليها: الآيات (16-24، 28، 29)

057.7.2.4.1- بذكر الله تخشع قلوب المؤمنين الله فيدب فيها الحياة كما تدب في الأرض بعد موتها، وبالصدقة وبالقرض الحسن لله يضاعفه لهم وينالوا الأجر الكريم والنور. بينما الكافرين والمكذبين في الجحيم. (16-19)

057.7.2.4.2- الدنيا لعبة ولهو محدودة المكان والزمان يختبرهم ربهم من خلالها وستنتهي، يتنافسون فيها على شيء زائل ينتهي بانتهاء اللعبة. وماهي إلا زينة وتفاخر ثم تكون حطاماً، وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان. فالعاقل من يدرك حقيقة الدنيا فيسابق إلى مغفرة وجنة وفضل من الله. (20، 21)

057.7.2.4.3- مصائب الدنيا هي أولاً بسبب عدم إيمانهم بربهم، وأنه جعل الأسباب ليختبر فيها أعمالهم فيقيم عليهم الحجّة ويبلوهم أيهم أحسن عملاً، وقد سبق في علمه مصائر الناس وجعله في كتاب، فابتلاهم بنقص (شيء قليل من الكثير الذي آتاهم) من الأموال والأنفس والثمرات، فأكثرهم يأسَوْن على ما فاتهم من أمر الدنيا ويفرحون بما آتاهم الله من فضله، وهذا يؤدّي بالتالي إلى فخرهم وخيلائهم وبخلهم وأمرهم غيرهم بالبخل، فتتراكم المصائب التي لا يطيقون بفعلهم وليس من الله. ولو أنهم آمنوا وأنفقوا وقاتلوا وصبروا لكان خيراً لهم في الدارين. (22-24)

057.7.2.4.4- يا أيها الذين آمنوا، امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه وآمنوا برسوله، يؤتكم ضعفين من رحمته، ويجعل لكم نوراً تهتدون به، ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور لعباده، رحيم بهم. ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا، أنهم لا يقدرون على شيء مِن فضل الله يكسبونه لأنفسهم أو يمنحونه لغيرهم، وأن الفضل كله بيد الله وحده يؤتيه مَن يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم على خلقه. (28، 29)

057.7.3- سياق السورة باعتبار القصص الموجودة فيها:

سياق السورة باعتبار القصص ومصلحة الإنسان: العاقل هو من يعلم من {اعْلَمُوا} في الآيتين (17، 20) أن الله له كلّ شيء، وأنه {رؤوف رحيم} بعباده. فقط يريد منهم أن يؤمنوا به وأن لا يكفروا به ولا برسله، ويقارن لهم بيْن الإيمان به وهو ربهم الحق، وبيْن الكفر به باتباع الباطل، ولا وجه للمقارنة بين حق وباطل فكلاهما نقيضان. سيدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، لأن الإيمان سبب الفوز والأجر الكبير المضاعف والكريم، وكذلك الإنفاق بكل أشكاله والقتال في سبيل الله من أجل إعمار الحياة وبسط العدل فيها، أمر بهما الله وجعلهما الله من أسباب فلاح الأمّم ودوام دولتهم المقامة على الحق والقسط بما يرضي الله وينسجم مع فطرته. فالكون تحكمه أسباب وسنن ثابتة، ومن هذه الأسباب والسنن الثابتة التي جعلها الله، علمت مسبقاً نتائج الأعمال وجعلت في كتاب، فكل ما يصيب الإنسان من خير أو شر دوّن في الكتاب بعلم وتقدير من الله من قبل أن يخلق الإنسان على الأرض، ثم أن كلّ إنسان ميسّر لما خلق له من أسباب السعادة أو أسباب الشقاء.

من عظيم نعم الله على الإنسان أنه أمر الإنسان بما يحبه لنفسه وبما جبل عليه الوجود من القسط والميزان، فإن فعل ما يحبه هو ويحبه خالقه وتحبه كل المخلوقات نال خيري الدنيا والآخرة؛ نعيم الدنيا من الرضا بالحق والتوفيق إلى السعادة في طاعة الله والسداد بالهدى إلى الصراط المستقيم، ونعيم الآخرة بالفوز بالجنة حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. والعاقل هو من يعلم أن الله أكرم الإنسان بأن استخلفه في الأرض وجعله مختاراً لأفعاله، بينما المخلوقات الأخرى أجبرت على أفعالها من الطاعة والعبادة ولا خيار لديها مطلقاً سوى تنفيذ ما أمرها الله به، فإن فعل مختاراً نال رضا ربه وعظيم الجزاء، وإن عصى طرد من رحمة الله بإساءته وباختياره نقيض العدل والاستقامه.

تتحدّث عن أربعة موضوعات رئيسية هي:

057.7.3.1- آيات القصص وإرسال المرسلين: الله الرؤوف الرحيم، أرسل رسله بالبينات إلى الإنسان الذي جعله خليفته في الأرض، وأنزل الكتاب والميزان بالقسط والعدل. وأنزل الحديد فيه بأس وفيه منافع. (7-9، 25-27) = 6 آيات

057.7.3.1.1- الآيات (25-27) من الرسل الذين أرسلهم: نوح أول المرسلين وإبراهيم أبو الأنبياء إلى أقوامهم وجعل في ذريتهما النبوّة والكتاب إلى أن جاء آخرهم عيسى بالإنجيل (ثمّ ختمت الرسالات بمحمّد صلى الله عليه وسلّم ليس إلى قومه فحسب بل إلى الناس كافّة). فمِن ذريتهما مهتدٍ إلى الحق، وكثير منهم خارجون عن طاعة الله.

أرسل سبحانه المرسلين بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات، وأنزل معهم {الكتاب} وهو كلام الله للناس، {والميزان} وهو العدل الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة، المخالفة للآراء السقيمة، ليقوم الناس بالقسط أي بالعدل في معاملاتهم، وأنزل {الحديد} رادعاً لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، {ومنافع للناس} أي في معايشهم.

057.7.3.1.2- الآيات (7-9) كذلك أرسل خاتم النبيين والمرسلين محمّد صلى الله عليه وسلّم، يبلّغكم أن تؤمنوا بالله ورسوله وأن تنفقوا مما استخلفكم فيه، فالذين آمنوا وأنفقوا، لهم ثواب عظيم. وقد أخذ الله ميثاقكم على ذلك، إن كنتم مؤمنين، بالله خالقكم؟ وينزل على عبده آيات مفصلات واضحات من القرآن؛ ليخرجكم بذلك من ظلمة الكفر (عبادة غير الله) إلى نور الإيمان (عبادة الله)، إنّه رؤوف بكم يريد أن يَرْحمكم في عاجلكم وآجلكم، فيجازيكم أحسن الجزاء.

057.7.3.2- الله يعرف على نفسه: الله العزيز الحكيم، عرّف عن نفسه في صدر السورة بأنه خالق كلّ شيء، وأنه بالقسط أقام السماوات والأرض، وله ملك كلّ شيء. الآيات (1-6) = 6 آيات

الله العزيز الحكيم هو خالق هذا الوجود كلّه، وهو الذي يدبر أمره بحكمته. يعرّف الإنسان على نفسه: بأنه العزيز الحكيم: أي هو الخالق، تسبح له المخلوقات، له الملك يحيي ويميت، وهو على كلّ شيء قدير، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، وهو مع الناس أينما كانوا، وهو بما يعملون بصير، وإليه ترجع الأمور، وهو عليم بذات الصدور، رؤوف، رحيم، خبير، كريم، ذو الفضل العظيم، غني، حميد، قوي، عزيز، غفور.

الله الذي هذه صفاته أرسل رسله بالبينات والحجج الواضحات الدالّة على صدقهم وصدق رسالته للناس، وأنزل معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، وأنزل الميزان، ليتعامل الناس بينهم بالعدل، وأنزل الحديد فيه قوّة شديدة ومنافع لهم.

لذلك هي معادلة بسيطة سهلة الفهم يستوعبها المتعلّم وغير المتعلّم، تتمثل بوجود خالق للكون له أسماء الكمال، يأمر مخلوقاته بما يصلح شأنهم وينهاهم عمّا يفسد حياتهم. الله يريد العدل والسعادة لمخلوقاته جميعها، يبين لها ما يصلحها؛ لذلك على كل المخلوقات أن تطيع الخالق إذا أمرها وأن تسير على حكمته إذا بانت لها أو بينها، عليها بعد أن علمت بصدق الدليل على كلام الله لها، أن تطيع لمصلحتها ولا تعصي، وقد أمر سبحانه مخلوقاته بكل ما فيه صلاحها وسعادتها ونهاها عن كل ما فيه فسادها وتعاستها.

057.7.3.3- الآيات (10-17) في هذه الآيات يبين سبحانه للناس أنه لا يأمرهم إلا بما يصلح به أمر الكون وما فيه مصلحتهم في الدارين: 8 آيات

057.7.3.3.1- الآيات (10، 11) في الدنيا: يأمرهم بالإنفاق في سبيله فله ميراث السماوات والأرض، فينالوا بسببه الدرجات، ولهم من الله الأجر كبير والأجر الكريم المضاعف.

يأمرهم بالإنفاق في سبيل إقامة الدين والقسط والعدل، فلله ميراث السماوات والأرض، ولا يستوي في الأجر والمثوبة مَن أنفق وقاتل الكفار قبل النصر والفتح، ومن أنفق وقاتل بعده، وكلا من الفريقين وعد الله الجنة والجزاء الحسن وهو بأعمالهم خبير، يضاعف لهم الثواب والأجر الكريم.

057.7.3.3.2- الآيات (12-15) في الآخرة: المؤمنين في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها والمنافقون والكافرون في النار وبئس المصير.

سيكون هذا الأجر المضاعف الكريم للمؤمنين في يوم القيامة بشرى وجنات تجري من تحتها الأنهار، أما المنافقون الذين فتنوا أنفسهم وارتابوا وغرّتهم الأماني حتى جاء أمر الله فهم في العذاب مأواهم النار وبئس المصير.

057.7.3.3.3- الآيات (18، 19) يعدهم ربهم بإقامة العدل والميزان: مضاعفة أجر المتصدقين من أموالهم والمتصدقات ولهم أجر كريم. والذين آمنوا لهم أجرهم ونورهم والذين كذبوا أولئك أصحاب الجحيم، فلا أجر لهم، ولا نور.

057.7.3.4- مقارنة بين الإيمان والتكذيب، ومخاطبة أنفس الناس وعواطفهم بالمنطق البسيط والدليل والآية والحجة، ليبين لهم أين تكمن مصالحهم ليسابقوا إليها: الآيات (16، 17، 20-24، 28، 29) = 9 آيات

مخاطبة أنفس الناس وعواطفهم بالمنطق البسيط والدليل والآية والحجة، ليأخذوا العبرة ممن سبقهم من الأقوام الذين هلكوا بسبب كفرهم، ولكي يتفكروا بآيات إحياء الأرض بعد موتها، ويقارنوا بين الحق والباطل فيعلموا أين تكمن مصالحهم فيختاروا. ذلك بعد أن أنزل الكتاب وأقام الحجج والأدلّة وبين الآيات المفصلات الواضحات، وقد أخذ ميثاقهم على الإيمان والعمل:

057.7.3.4.1- الآيات (16، 17) أخذ العبرة عن طريق مقارنة أحوال الأمم في حالة الإيمان بالحق وذكر الله وبين الفسوق وقسوة القلب (إي مقارنة بين الحياة والموت). وفيه الحث على الرقة والخشوع لله سبحانه عند سماع ما أنزله من الكتاب والحكمة، والحذر من التشبه باليهود والنصارى، في قسوة قلوبهم، وخروجهم عن طاعة الله. فتحيا بذلك القلوب القاسية وتثمر كما تحيا الأرض الميتة بالمطر فتخرج النبات.

057.7.3.4.2- الآية (20، 21) مقارنة بين لعب الدنيا الزائلة ونعيم الجنة الباقية: الحياة الدنيا هي دار اختبار، كالملعب يتنافسون فيه باللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد، يشبهه كالزرع ينبت بالماء ثم يصفَرّ بعد خضرته ويصير حطاماً، وفي الآخرة عذاب شديد للكفار ومغفرة من الله ورضوان لأهل الإيمان. وما الحياة الدنيا لمن عمل لها ناسياً آخرته إلا متاع الغرور. ثم الأمر بالسباق إلى مغفرة من الله وجنة وفضل من الله.

057.7.3.4.3- الآيات (22-24) عدم الجزع من مصائب الدنيا ولا الفرح بخيراتها بطراً وكبراً (والآيات جاءت بين آية الأمر بالمسابقة وبين آية نزول الكتاب والميزان، فقد جعل الله الأسباب وأنزل الميزان، ليستدلّ على أن كل ما أصاب الناس فبعمل عملوه خيراً أو شراً): كل ما أصاب الناس هو من تقدير الله (بالأسباب والسنن) مكتوب عنده قبل أن يخلق الخليقة:

ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا هو مكتوب في اللوح المحفوظ من قبل أن تُخْلَق الخليقة. إن ذلك على الله تعالى يسير. لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا، ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا فخور به على غيره. الذين يتكبّرون ويبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ومن يتولَّ عن طاعة الله لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئاً، فإن الله هو الغني عن خلقه الحميد صفاته وأفعاله.

057.7.3.4.4- الآيات (28، 29) مقارنة أخيرة تبيّن أن فضل الله العظيم يؤتيه لمن آمن بالله ورسوله، وأن من لم يؤمن لا يقدر على شيء مِن فضل الله لنفسه: يا أيها الذين آمنوا، امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه وآمنوا برسوله، يؤتكم ضعفين من رحمته، ويجعل لكم نوراً تهتدون به، ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور لعباده، رحيم بهم.

أعطاكم الله تعالى ذلك كله؛ ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، أنهم لا يقدرون على شيء مِن فضل الله يكسبونه لأنفسهم أو يمنحونه لغيرهم، وأن الفضل كله بيد الله وحده يؤتيه مَن يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم على خلقه.

057.7.4- الإشارة إلى عدد آيات القصص والأمثال والآيات وباقي الموضوعات في السورة:

057.7.4.1- قصص تصف دعوة المرسلين وأعمال الناس في الدنيا والتي استحقوا عليها الثواب أو العقاب في الآخرة، في الآيات: (16، 25-27) = 4 آيات.

057.7.4.2- قصص وأحداث يوم القيامة، ونعيم الجنة وعذاب النار، في الآيات: (12-15) =4 آيات

057.7.4.3- آيات الأمثال، في الآية: (20) = 1 آية

057.7.4.4- آيات الله في الخلق والرزق، في الآية: (1-6، 17) = 7 آيات.

057.7.4.5- مقصد السورة وموضوعاتها في الآيات (7-11، 18، 19، 21-24، 28، 29) = 13 آية.

057.8 تناسب وتناسق السورة مع غيرها من السور:

 

057.8.1- بعد أن أمَرَت سورة الواقعة مرّتين بأن سبح باسم ربك العظيم، (إذاً من هو ربنا العظيم؟)، هنا في الحديد مقصد سورة الحديد هو التعريف بأسماء الله العظيم، وسنته في تعامله مع عباده وبماذا يريده من عباده.

ولمّا أعلمت الحديد بأن {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (1)}، وكانت الواقعة قد نزهته عن قبيح جهلهم وضلالهم وختمت بِ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)}، أي سبح ربك فهي سنة المخلوقات بأسرها، ثمّ مضت تعرّف بعظيم أسمائه وملكه وعزّته وقدرته، ثم الأمر بما أخذ به عليهم الميثاق: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا (7)} إلى آخر السورة، فأمرت بالإيمان لتصلح به حياة الأفراد في الدنيا والآخرة، وبالإنفاق لأنه شريان الحياة وبه يتحقق الإنتاج والعدالة المعيشيّة للجماعة، وبالقتال في سبيله للحفاظ على الدين والإيمان وتحقيق العدل الإلهي، وكلّ ذلك يحتاج إلى الحديد وبأسه الشديد في صنع المعدّات والمكائن الآلات والأدوات والوسائل. وهي تأتي في مقدمة مجموعة من عشر سور (من الحديد إلى التحريم) تخاطب المؤمنين بما هو مطلوب منهم لأجل تحقيق خيري الدنيا والآخرة، وترغبهم بالإيمان وتقوى الله ببيان منافع الإيمان، وتحذرهم من الانحراف عن طريق الحق، بينما في السور العشرين السابقة (من الصافات إلى الواقعة) كان الخطاب عامّاً للمؤمنين والكافرين، وقد اكتمل فيه البلاغ لكافة الناس عن طريق: الترغيب والترهيب، وبيان الآيات والحجج والبراهين، والحوار، والتوبيخ والتقريع والتبكيت. وكان لهم مطلق الخيار، فمن رغب أو شاء الإيمان آمن ففاز ومن شاء الكفر كفر فخسر.

057.8.2- قال الإمام جلال الدين السيوطي: قال بعضهم‏:‏ وجه اتصالها بالواقعة‏:‏ أنها قدمت بذكر التسبيح وتلك ختمت بالأمر به.‏ وتمامه‏:‏ أن أول الحديد واقع موقع العلة للأمر به وكأنه قال {فسَبِح باسم ربك العظيم} لأنه {سبح للَهِ ما في السموات والأَرض}.

057.8.3- وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير العاصمي في برهانه: لما تقدم قوله سبحانه وتعالى {فلولا تصدقون (57)} الواقعة، وفيه من التقريع والتوبيخ لمن قرع به ما لا خفاء به، ثم اتبع بقوله تعالى {أفرأيتم ما تمنون (58)} إلى قوله {ومتاعاً للمقوين (73)} الواقعة، فعزروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم، ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك {أبهذا الحديث أنتم مدهنون (81)} واستمر توبيخهم إلى قوله: {إن كنتم صادقين (87)} الواقعة، فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم، أعقب تعالى ذلك تنزيهه عز وجل عن سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى {فسبح باسم ربك (96)} الواقعة، أي نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترائهم، ثم أعقب ذلك بقوله {سبح لله ما في السماوات والأرض (1)} الحديد، أي سبح باسم ربك، فهي سنة العالم بأسرهم كما في آل عمران: {وله أسلم من في السماوات والأرض (83)}، إلى قوله: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85)} آل عمران. ثم أتبع ذلك بقوله: {له ملك (2+5)}، فبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال، وأنه المتفرد بالملك والحمد وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله: {وهو عليم بذات الصدور (6)} فتضمنت هذه الآيات إرغام من أشير إلى حاله في الآية المتقدمة من سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى، وافتتحت آي السورتين واتصلت معانيها ثم صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى {آمنوا بالله ورسوله (7)} الحديد، واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة – انتهى.

057.8.4- وقال الإمام البقاعي: مقصودها بيان أن عموم الرسالة لعموم الإلهية بالبعث إلى الأزواج الثلاثة المذكورة في السورتين الماضيتين من الثقلين تحقيقاً لأنه سبحانه مختص بجميع صفات الكمال تحقيقاً لتنزهه عن كل شائبة نقص المبدوء به هذه السورة المختوم به ما قبلها الراد لقولهم {أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون (47-48)} الواقعة، المقتضي لجهاد من يحتاج إلى الجهاد ممن عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وما ترتب عليه من النفقة رداً لهم عن النقائص الجسمانية وإعلاء إلى الكلمات الروحانية التي دعا إليها الكتاب حذراً من سواء الحساب يوم التجلي للفصل بين العباد بالعدل ليدخل أهل الكتاب وغيرهم في الدين طوعاً أو كرهاً، ويعلم أهل الكتاب الذين كانوا يقولون: ليس أحد أفضل منهم، فضيلة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم على جميع من تقدمه من الرسل عليهم الصلاة والسلام بعموم رسالته وشمول خلافته، وانتشار دعوته وكثرة أمته تحقيقاً لأنه لا حد لفائض رحمته سبحانه. لتكون هذه السورة (الحديد) التي هي آخر النصف الأول والتي بعدها (المجادلة) التي هي أول النصف الثاني من حيث العدد غاية للمقصود من السورة التي هي أوله عند الالتفات والرد. كما كانت السورة التي غاية النصف الأول في المقدار وهي الإسراء، وكذا السورة التي هي أول النصف الثاني وهي الكهف كاشفتين لمقصد الأولى (الفاتحة) فيما دعت إليه من الهداية وشدت إليه من الإنذار، على ذلك دل اسمها الحديد بتأمل آياته وتدبر سر ما ذكر فيه وغاياته.

 

057.8.5- تناسب سورة الحديد مع سورة آل عمران: تتشابه السورتان في أحد مقاصدهما الذي هو الحث على نصرة الله بإقامة شرعه وتنزيهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترائهم: ذلك بقوله {سبح لله ما في السماوات والأرض (1)} الحديد، أي سبح ربك، فهي سنة العالم بأسرهم. كما في آل عمران: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً (83)} إلى قوله: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85)} آل عمران. وقد حثت سورة الحديد على النصرة بالجهاد بالمال والسلاح الذي هو من الحديد، أما آل عمران فقد حثت على الجهاد لنشر الإسلام بدروس نظرية عن أساليب الجهاد بالحجة واللسان لإبطال دين الشرك، ثم بدروس عملية مأخوذة من غزوة أحد عن الجهاد بالسيف والسنان.

 

057.8.6- إسم الله الأعظم {الله}: وهذا الاسم جامع لجميع أسماء الله الحسنى سبحانه وتعالى كما يلي:

057.8.6.1- وقد وردت كلمة {الله} مكررة ثلاثون مرة في سورة الحديد بينما عدد آياتها تسع وعشرون آية، كذلك تكررت كلمة {الله} في سورة آل عمران مائتا مرّة وهو عدد مساوٍ لعدد آياتها أيضاً. وسبب تكرار {الله} أنه والله أعلم أن مقصود السورتين يستدعي حاجة الناس إلى استحضار اسم الله الأعظم الجامع لكل صفاته، انظر المقدمة والتمهيد: (المبحث 0.7.1- تناسب أسماء الله الحسنى مع مقصد السورة وموضوعاتها)، إذ أن هذا الاسم جامع لجميع صفاته الحسنى سبحانه وتعالى كما في ورد في سورة الحشر {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) هو الله الخالق البارئ المصوّر له الأسماء الحسنى يسبّح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (24)}، وورد في غيرها من السور. وقد يكون هذا هو اسم الله الأعظم الذي ذكر في الحديثين التاليين:

الأول: عن أبي أمامة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: “اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور من القرآن: في سورة البقرة، وآل عمران، وطه”.

والثاني: عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: “اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} البقرة، و {آلم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم} فاتحة آل عمران.

فقد تكرر اسم {الله} في سورة البقرة مائتان وثمانون مرّة وآياتها مائتان وست وثمانون آية، وفي آل عمران مائتا مرّة على عدد آياتها، كما ورد الاسم {الله} في سورة طه في ستة آيات ثلاث منها ذكرت أنه {الله لا إله إلا هو} وهي الآيات (8 و 14 و 98)، والآيات الثلاث الأخرى ذكرت أنه {لا تفتروا على الله كذباً (61)}، {والله خير وأبقى (73)}، {فتعالى الله الملك الحق (114)}. كذلك وردت {لا إله إلا هو} مكرره في آل عمران أربع مرات في الآيات (2 و 6 و 18).

– سورة الطلاق هي أكثر سورة تكرر فيها اسم الله الأعظم {الله}، أربعة وعشرون مرّة أي ضعف عدد آياتها الاثنتا عشرة آية، وهذا يدل على مدى عناية الله سبحانه بأمر الطلاق، فقد تكرر الاسم الأعظم لكي يخاف المقبلين على الطلاق الله فلا يظلم بعضهم بعضا، ولكي يخفف عن المطلقين مصابهم، فالطلاق أمر عظيم يهدم الأسرة ويشرد الأبناء.

– وللمزيد انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

057.8.6.2- وعلى العكس من ذلك لم يرد الاسم الأعظم {الله} الجامع للأسماء الحسنى في ثمان وعشرون سورة من سور القرآن وهي:

– السور الثلاثة السابقة للحديد: القمر والرحمن والواقعة، (انظر تناسب سورة القمر مع غيرها من السور (054.8.4)).

– واشترك معها في ذلك من السور التي بعد سورة الحديد ثلاث سور في الجزء التاسع والعشرون وهي (القلم والقيامة والمرسلات)، (جاءت بعد أن أكمل الوعظ والتنبيه والإعذار).

– واثنان وعشرون سورة في الجزء الثلاثون وهي: (النبأ وعبس والمطففين والطارق والفجر والبلد والليل والضحى والشرح والقدر والزلزلة والعاديات والقارعة والتكاثر والعصر والفيل وقريش والماعون والكوثر والكافرون والمسد والفلق)، وهي بعدد آيات كلّ من سورتي المجادلة والبروج: المجادلة التي تكرر فيها الاسم {الله} أربعين مرّة، في حين أن عدد آيات السورة اثنان وعشرون آية، وجاءت سورة المجادلة بعد أن اكتمل في السور التي سبقتها التعريف بأخبار القرون السالفة والأمم الماضية، وبيان الحجج والآيات القاطعة، وذكر تفاصيل التكاليف والجزاء عليها من الثواب والعقاب، إلخ. (أنظر  تناسب سورة المجادلة مع غيرها من السور (058.8.1.4 و 058.8.1.5). حول ترابط السور المدنية العشرة مع بعضها، من الحديد إلى التحريم.)؛ والبروج اجتمع فيها الاسم الأعظم {الله} مع غيرها من صفات العظمة على الكافرين الذين تسلّطوا على المسلمين يعذبونهم ليردوهم عن دينهم، ومع صفات العزة والملك والمغفرة، وصفة الودود الفعال لما يريد ليعلم المؤمنون المضطهدون أن لهم الجنة، وليطمع الكافرون بالإيمان فيتوبوا فيفغر لهم.

– السور التي لم يرد فيها الاسم {الله}، وهو الاسم الجامع لجميع أسماء الله الحسنى سبحانه وتعالى، أي: المتضمّن كل أسماء الله كالقوّة والقهر والهيبة، جاء فيها من الأسماء ما يقتضي إظهار العظمة على الكافرين وإهانة أعداء الله كما في سورة القمر، أو إظهار الإكرام والإحسان على المؤمنين وإكرام أولياء الله كما في سورة الرحمن.

057.8.6.3- الفرق بين لفظ الرب والإله: قال الفخر الرازي عند تفسيره الآية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا (1)} النساء: قال أولا: {اتقوا ربكم} وقال ثانيا: {واتقوا الله} والرب لفظ يدل على التربية والاحسان، والاله لفظ يدل على القهر والهيبة، فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيب، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال: {يدعون ربهم خوفا وطمعا (16)} السجدة، وقال: {ويدعوننا رغبا ورهبا (90)} الأنبياء، كأنه قيل: انه رباك وأحسن اليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة.

 

057.8.7- الإنفاق في سبيل الله:

جاء ذكر الإنفاق مصرحاً به في القرآن في ثلاثة وسبعین موضعاً في سبع وخمسین آیة، جاءت في خمس وعشرین سورة: 20 مرّة في البقرة، 10 مرّات في التوبة، 5 مرّات في 3 سور هي آل عمران والأنفال والحديد، 4 مرّات في الممتحنة، 3 مرّات في سورتين النساء والطلاق، ومرتين في سورة المنافقون، ومرّة واحدة في 16 سورة هي الكهف وسبأ والرعد والفرقان وفاطر ومحمد والمائدة والنحل وإبراهيم والقصص والحج والشورى والسجدة ويس والإسراء والتغابن.

جاء ذكرالإنفاق منسوباً إلى الخالق في أية واحدة وذلك في قوله سبحانه: {بَلْ یَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ یُنفِقُ كَیْفَ یَشَاء (64)} المائدة، أما باقي المواضع فقد تناولت إنفاق المخلوق، وخاصة البشر، فھم المنوط بھم التكلیف.

ومن معاني الإنفاق أيضاً: الزكاة ذكرت 32 مرّة، والتقديم 27 مرّة، والصدقة 24 مرّة، والإطعام 23 مرّة، والعطاء 13 مرّة، والقرض 12 مرّة، والقربان 6 مرّات، والإكرام 2 مرّة.

كثرة ارتباط الزكاة والإنفاق بالصلاة: وردت الزكاة في القرآن اثنتان وثلاثون مرة، منها ستة وعشرون موضعاً من هذه الاثنتان وثلاثون جاءت مصحوبة بلفظ الصلاة. ووردت الصلاة بلفظ “الصلاة” في القرآن سبعاً وستین مرة، منھا: ست وعشرون مرة جاءت مصحوبة بذكر الزكاة، وثماني مرات جاءت مصحوبة بأحد مشتقات الإنفاق. وكثرة ارتباط الصلاة بالزكاة والإنفاق فيه دلالة على شرف وفضل كلیھما على سائر العبادات، لكونھما قرینتا الإیمان كما أظهرته سورة الحديد وغيرها، وهما الركنین العظیمین فیما یتعلق بالأبدان والأموال، كما يلي:

– الصلاة والزكاة ركنين من أركان الإسلام الخمسة.

– الصلاة طھرة للبدن، والزكاة طھرة للمال والبدن.

– الصلاة شكر لنعمة البدن، والزكاة شكر لنعمة المال.

– أعظم حق لله على الأبدان في عبادة الصلاة، وفي الأموال الزكاة. أوصى الله بهما عیسى علیه السلام في المھد مدّة حیاته: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَیاً (31)} مریم، ففیھما حق الله وأعظمها الصلاة، وحق عبیده التي أجلھا الزكاة.

– فائدة الصلاة في الدنيا عائدة على العبد بالدعاء والخشوع والتعلق بالله دون غيره، وفائدة الزكاة في الإحسان إلى العبید ونفعهم.

– بالصلاة صلاح النفس إذ الصلاة تنھى عن الفحشاء والمنكر، وبالزكاة صلاح المجتمع لكفایة حاجة المحتاجين.

بين القرآن أن صفة المتقين أنهم يؤمنون ويصلون وينفقون {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)} البقرة، وأن عدم الإنفاق هو صفة المكذبين والمنافقين: فالمكذب بالدين يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)} الماعون، والمنافق ساهٍ عن الصلاة ويمنع الماعون {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)} الماعون.

وبين القرآن أن عدم الإنفاق كان من أهم أسباب هلاك الأمم والحضارات العظيمة السابقة: وذلك لأن الله يبتلي الناس بالرزق والنعمة، كما صرحت به سورة الفجر: وبأن ما فعله سبحانه بأقوام عاد وثمود وفرعون لأنهم {طغوا في البلاد (11)} بسبب إنعام الله عليهم، وأن سبب زوال هذا الإنعام واستبداله بالعذاب هو طغيانهم مستعينين بنعم الله، ولو أن هذه الأمم أكرمت اليتيم، وتحاضوا على طعام المسكين، بدلاً من الطغيان والفساد، لأدام الله عليهم كرمه ونعمته.

وهذه المعاني والمقاصد حول ارتباط الإيمان بالإنفاق ومن ثم انتشار الخير والنعمة في الناس، وارتباط الكفر والنفاق بالبخل وعدم الإنفاق ومن ثم انتشار الفساد وهلاك الأمم، ذكرت كثيراً في القرآن لعظيم أهميتها في بناء المجتمعات وبقاء الحضارات. كما في سورة الليل {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)} وغيرها.

من مقاصد سورة الحديد هو الحث على الإنفاق، لنصرة الله بإقامة شرعه. لمّا كان الإنسان يحب المال {وتحبون المال حباً جمّاً (20)} الفجر، فإنه يأسى على فواته وإنفاقه، فجاءت الآيات (20 و 21) من سورة الحديد تطمئنه بأن ذلك مقدّر من عند الله {في كتاب (22)}. وقد سبق تقديمه في سورة الواقعة في الآيات (62-73) إذ أكّدت أن الله هو مصدر رزق الإنسان. كما أكدت الآيتين قبلها (60 و 61) أن الله هو مقدر الموت والحياة.

– راجع سورة الهمزة (104.4.1): التي مقصدها: حول الخزي والويل والعذاب للبخيل الذي يكنز المال.

 

057.8.8- التسبيح في القرآن:

جاء التسبيح في القرآن بمختلف تصاريفه وصيغه في سبعة وثمانين موضعاً، وافتتحت به سبع سور سميت (المسبحات) وهي: الإسراء والحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن والأعلى، وختمت به سور الحجر والطور والواقعة والحاقة.

وجاء التسبيح مفردا في القرآن في ستة وثلاثين موضعا، منها: بصيغة الاسم الظاهر (مثل سبحان الله أو سبحان الذي أو سبحان ربك وغيره) في خمسة عشر موضعاً. وبضمير الغائب (سبحانه) في ثلاثة عشر موضعاً، وبضمير المخاطب (سبحانك) في ثمانية مواضع. وأما اقتران التسبيح بغيره: فقد اقترن بالحمد في خمسة عشر موضعاً، مثل {وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ (58)} الفرقان؛ واقترن بالتهليل، وجاء في موضعين مثل {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ (87)} الأنبياء؛ واقترن بالاستغفار، وجاء في أربعة مواضع مثل {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ (3)} النَّصر.

أما المسبحون في القرآن فهم: تسبيح الله تعالى نفسه، في حوالي ثلاثين موضعاً، مثل {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180)} الصَّافات؛ تسبيح الملائكة عليهم السلام، في حوالي عشر آيات، مثل {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)} الأنبياء، وتسبيحهم كالنَفَس لنا لا يشغلهم عن مهماتهم كما لا يشغلنا التنفس عنها؛ تسبيح الرسل عليهم السلام، مثل قوله لنبينا عليه الصلاة والسلام {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ (74)} الواقعة؛ تسبيح المؤمنين، مثل {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108)} الإسراء؛ تسبيح الجبال والطير مثل {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ (41)} النور؛ تسبيح الرعد {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ (13)} الرعد؛ تسبيح كل شيء مثل {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (44) الإسراء، وهذه الآية تدل على أنه تسبيح حقيقي على كيفية لا يفقهها البشر؛ تسبيح أهل الجنة، قال تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ (10)} يونس.

ومعنى التسبيح هو التنزيه؛ وقد جاء في حديث حذيفة: إذا مر بآية تنزيه سبّح. والمفسرون كذلك ذكروا أن التسبيح هو التنزيه. وقال السمعاني في تفسيره: سبحان: تنزيه الله من كل سوء، وحقيقته تعظيم الله بوصف المبالغة، ووصفه بالبراءة من كل نقص. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (16/125): والأمر بتسبيحه يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء، وإثبات صفات الكمال له، فإن التسبيح يقتضي التنزيه، والتعظيم، والتعظيم يستلزم إثبات المحامد التي يحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه، وتحميده، وتكبيره، وتوحيده.

راجع تناسب سورة الحديد مع غيرها من السور (057.8). حول موضوعات: اسم الله الأعظم، والانفاق في سبيل الله، والتسبيح في القرآن.

راجع تناسب سورة المجادلة مع غيرها من السور (058.8.1.4 و 058.8.1.5). حول ترابط السور المدنية العشرة مع بعضها، من الحديد إلى التحريم.

راجع تناسب سورة التحريم مع غيرها من السور (066.8). حول ترابط السور المسبحة مع بعضها، ومع ما تلاها من السور المدنية، ومع سورتي الإسراء والأعلى المكّيتين. ومع ما قبلها من بداية سورة الفاتحة حتى سورة الواقعة.

– انظر 4.2.4.18.2.0- جدول يبيّن تناظر نصفي القرآن، ويلخص تناسب مقاصد سوره حول أن الإيمان واتباع طريق الهدى نعمة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.

– انظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد.

أعلى الصفحة Top