العودة إلى فهرس السور: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن)


111.0 سورة المسد


ملاحظة: قبل البدئ بهذه السورة، يجب الاطلاع على ما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– تسهيل فهم وتدبّر القرآن: اضغط هنا


111.1 التعريف بالسورة:

1) مكية. 2) من المفصّل. 3) عدد آياتها 5 آيات. 4) الحادية عشرة بعد المائة من حيث الترتيب في المصحف. 5) والسادسة حسب ترتيب النزول، نزلت بعد سورة “الفاتحة”.  6) أسماء أخرى للسورة: وتسمّى أيضاً سورة تبت.

7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة: لم يذكر لفظ الجلالة فيها. انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

السورة الوحيدة التي ذكرت فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: (1 مرّة): أبي لهب، جيدها، مسد.

أكثر سورة تكرر فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: (2 مرّة) تبت، لهب.

تكررت فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: ما 2 مرّة؛ (1 مرّة): يدا، أغنى، عنه، ماله، كسب، سيصلى، ناراً، ذات، امرأته، حمالة، الحطب، في، حبل.

111.2 فضائلها وما ورد عنها من الأثر:

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين (214)} الشعراء، خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه فاجتمعوا إليه فقال: “أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدّقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد”. فقال أبو لهب: تبّاً لك إنما جمعتنا لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه السورة {تبت يدا أبي لهب وتب}.

وأخرج الطبراني عن قتادة قال: تزوج أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عتيبة بن أبي لهب، وكانت رقيّة عند أخيه عتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله {تبت يدا أبي لهب وتب} قال أبو لهب لابنيه عتيبة وعتبة: رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا بنتي محمد، وقالت أمهما بنت حرب بن أميّة، وهي حمّالة الحطب: طلقاهما فإنهما قد صبئتا، فطلقاهما.

روى الإمام أحمد عن أبي الزناد قال: أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني عبد الديل وكان جاهليّاً فأسلم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهليّة في سوق ذي المجاز وهو يقول: “يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه، أحول ذو غديرتين، يقول إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فقالوا: هذا هو عمّه أبو لهب. وقال محمد بن اسحاق، عن ربيعة بن عباد قال: إني لمع أبي رجل شاب انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع القبائل، وورائه رجل أحول وضيء الوجه ذو جمة، يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبيلة فيقول: “يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئاً، وأن تصدّقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به”، وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له، ولا تتبعوه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب. أخرجه أحمد والطبراني.

111.3 وقت ومناسبة نزولها:

السورة مكّية بالإجماع، إلا أنه من الصعب تحديد في أي وقت من المرحلة المكية نزلت. أما إذا أخذنا في الاعتبار أعمال وتصرفات أبو لهب في مواجهته رسالة الحق التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن الممكن تخمين الفترة التي نزلت فيها السورة، وهي الفترة التي تجاوز فيها أبو لهب كلّ الحدود في حربه للرسول صلى الله عليه وسلم، وأصبحت أعماله عائق حقيقي أمام تقدّم الإسلام. وعلى الأغلب أنها نزلت في الوقت الذي قاطعت فيه قريش بني هاشم وهم عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وحاصروهم في شعب أبي طالب ثلاث سنين. لقد كان أبو لهب وهو عمّ الرسول صلى الله عليه وسلم، هو الشخص الوحيد الذي انضمّ إلى صفّ الأعداء ضدّ أقاربه، وهو بهذا التصرّف يكون قد خالف كل الأعراف والتقاليد التي كانت سائدة في الجزيرة العربيّة والقائمة على روابط الدم والعشيرة، فجاءت هذه السورة التي تندد وتذمّ وتهين أبو لهب عمّ الرسول صلى الله عليه وسلم، علناً بسبب شدّة العداء لدرجة موالاة الأعداء ضدّ أبن الأخ والذي أصبح مشاهداً من الجميع.

111.4 مقصد السورة:

111.4.1- الهلاك والخسران في الدنيا والآخرة لمن يستضعف أهل الحق ويحتقرهم ويصد عن دين الله، فلن يغني عنه ماله وما كسب، ولن تشفع له قرابته لأولياء الله؛ ويشترك معه في العقاب كل من أعان على مثل هذا الفعل اللئيم الخسيس.

111.4.2- ومقصد السورة نجده في الآية الأولى: وهو تقرير الخسارة والعقاب في الدنيا الآخرة لأبي لهب، رمز الكفر، عدّو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وباقي الآيات تصف هذا الخسران والهلاك: فلم يغني عنه ماله ولا جاهه ولا قرابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتركت معه في الخسران امرأته لأنها أعانته على الكفر ومعاداة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

111.4.2.1- وهذا الجزاء والمقصد هو النقيض من مقصد سورة النصر: فهناك بعد نصر الله وفتحه على المؤمنين في الدنيا، أمرهم تعالى بالتسبيح بحمده واستغفاره لينصرهم ويفتح عليهم في الآخرة؛ أما هنا فبعد أن تبت يدا أبي لهب وهلك في الدنيا بأفعاله، وتأكيد هلاكه في الآخرة، وأن ماله وما كسب لم تغني عنه، ولا عن امرأته التي أعانته من العذاب في النار، ينذرهم ربهم ويحذّر الكافرين من أن مصيرهم الخسران والهلاك في الدنيا والآخرة. ففي سورة النصر كانت البشارة للمؤمنين بالنصر في الآخرة بعد أن رأوا نصر الله لهم الدنيا، وهنا في سورة المسد النذير للكافرين بالخسران في الآخرة بعد أن رأوا خسارتهم وإذلال الله لهم في الدنيا.

111.4.2.2- هذه السورة تضمنت الإخبار عن الغيب من أربعة أوجه؛ أحدها: الإخبار عنه بالتباب والخسار، وقد كان كذلك؛ وثانيها: الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان كذلك؛ وثالثها: الإخبار بأنه من أهل النار، وقد كان كذلك لأنه مات على الكفر؛ ورابعها: أن امرأته التي أعانته ووقفت معه في طريق الحق، تشترك معه في التباب وستعذب في النار، وقد كان كذلك لأنها أهينت في الدنيا وماتت على الكفر.

وقال العلماء: في هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوّة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: {سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)} فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا باطناً ولا ظاهراً، لا سراً ولا علناً، فكان هذا الإصرار والعناد من أبي لهب وامرأته وموتهما على الكفر، دليل على صدق النبوّة، وأن القرآن ليس قول بشر، وإنما هو من عند علام الغيوب. الذي يعلم ما عليه الإنسان وماذا سيصير إليه.

111.4.3- وقال البقاعي: مقصودها البت والقطع الحتم بخسران الكافر ولو كان أقرب الخلق إلى أعظم الفائزين، اللازم عنه أن شارع الدين له من العظمة ما يقصر عن الوصف، فهو يفعل ما يشاء لأنه لا كفو له أصلاً، حثاً على التوحيد من سائر العبيد، ولذلك وقعت بين سورة الإخلاص المقرون بضمان النصر وكثرة الأنصار، واسمها تبّت واضح الدلالة على ذلك بتأمل السورة على هذه السورة.

111.5 ملخص موضوع السورة:

هي السادسة نزولاً من القرآن، وسُمّيت “المسد” إشارة إلى حبْل كانت تربط به امرأة أبي لهب الشوك والحسك وتطرحه في طريق الرسول صلى الله عليه وسلّم وأصحابه ليعقرهم، وهلكت خنقاً بالتفاف الحبْل على رقبتها فكان الجزاء من جنس العمل في الدنيا، وبُشّرت بحبْل من نار يلُف عنقها في جهنم. واستهلّت بإنذار ووعيد لزوجها {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ (1)} أي خاب وخسر عمله {وَتَبَّ (1)} وهلكت نفسه، وقد كان موسراً غنيّاً فترك غناه وكرّس وامرأته حياتهما لإيذاء النبي وصرف الناس من حوله، فهلك في الدنيا بالطاعون، وبُشّر بأنّه {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3)} في الآخرة، كما يلي:

(الآيات1-3): خسر عمل أبي لهب وهلك، فلم يمنع عنه الهلاك في الدنيا ماله وولده وكل ما كسب، ولن يمنع عنه العذاب في الآخرة، وسيموت كافراً وسيصلى ناراً ذات لهب جزاء أفعاله.

(الآيات 4، 5): {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4)}، شبّهت بالحطّابات وكانت من سادات نساء قريش لبيان خساسة عملها، وإيذاءً لها ولزوجها في الدنيا، وستدخل النّار وفي عنقها حبل من نار.

وهكذا لمّا برهنت على أنّ من اختار الكفر لن تنفعه الآيات والنُذر، فقد هلك أبو لهب بعد نزول السورة بأكثر من عشر سنوات ولم يؤمن سرّاً ولا علناً، ورأى هلاك زوجته خنقاً بالحبْل، ومات على كفره بمرض معدٍ ولم يدفن حتى أنتن، فدفعوه في حفرة بعود ثم قذفوه بالحجارة من بعيد حتى دفنوه.

وقد تقدّم في الكافرون: الإعلام بأنّ الناس فريقان مؤمنون وكافرون، ثمّ في النصر: البشارات والوعود للمؤمنين بالنّصر والفتح في الدّنيا والتّوبة والمغفرة في الآخرة، وفي المسد: النذير والوعيد بالخسران والهلاك للكافرين في الدّنيا والعذاب بالنار في الآخرة، فناسب هذا الختام عن مصير الفريقين ما سبق بيانه وتفصيله في آيات القرآن، ثم أعقبها في الإخلاص: أن الله الأحد هو الخالق لهذه الأمور العظيمه ينصر من يشاء ويذلّ من يشاء، وفي الفلق: استعن به على شر المخلوقات والحسّاد، وفي النّاس: وشياطين الجن والإنس.

اللهم إنّا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

111.6 بعض التفاصيل عن موضوع السورة:

السورة هي عبارة عن درس وإنذار للكافرين، يتعلمونه من خلال تدبّر أحداث هذه القصّة الحقيقية التي حصلت في بداية دعوة الرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله، كما هو مذكور في مناسبة النزول أعلاه، فأبي لهب وامرأته خسرا وهلكا بسبب وقوفهما في طريق الحق من بعيد، وبقيت قصتهما مثلاً وعبرة لمن أراد أن يعتبر من الكافرين: وفيها يدافع الله عن نبيّه صلى الله عليه وسلم حين خانه عمّه وزوجة عمّه ووقفوا مع أعدائه، وحربهما لإفشال دعوته وتحريض الكفار ضده، بدلاً من الدفاع عنه ومساندته قياماً بواجب صلة الدم والرحم كما هو متعارف عليه عند العرب، وحرب الله لأبي لهب بنفس أسلوبه بأن ذُلّ وخسر وخاب وضل عمله وسعيه، هو وزوجته التي في جيدها حبل من نار في جهنم، أو حبلٍ من ليف تجذب به في النار، زيادة في التنكيل والدمار، كما يلي:

111.6.1- الآية (1) خسرت يدا أبي لهب وهلك بإيذائه رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم، وقد تحقق خسرانه وهلاكه.

111.6.2- الآية (2) ما أغنى عنه ماله وولده وكل ما كسب، فلم ترد عنه الهلاك في الدنيا ولن ترد عنه العذاب في الآخرة.

111.6.3- الآية (3) الوعيد بالعذاب يوم القيامة، سَيَصْلَى ناراً متأججة ذَاتَ لَهَبٍ.

111.6.4- الآيات (4، 5) وامرأته التي كانت تعاونه في أذيّة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت تحمل الشوك وتطرحه في طريقه، ستدخل معه في نار جهنم، وفي عنقها حبل محكم حبل مِن ليف شديد خشن.

111.6.5- وفيما يلي بعض معاني الكلمات والآيات:

{تَبَّت}: خابت وخسرت، والتباب الهلاك، قال تعالى: {وما كيد فرعون إلا في تباب}.

{يَدَا أَبِي لَهَبٍ}: أي عمل أبي لهب، وإنما نسب العمل إلى اليد لأنه في الأكثر يكون بها.

{وَتَبَّ}: أي: وقد تب. وقيل: كل واحد من الجملتين أخبار ولكن أريد بالجملة الأولى هلاك عمله، وبالثانية هلاك نفسه، فإن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله، فأخبر اللّه تعالى أنه محروم من الأمرين. وقيل كذلك: دعاء عليه بالهلاك، وقد هلك.

{وما كَسَبَ}: وجهان: أحدهما: عمله الخبيث، قاله الضحاك. الثاني: ولده، قاله ابن عباس.

{سَيَصْلَى نَاراً}: وجهان: أحدهما: وعيد من الله حق عليه بكفره؛ الثاني: إخبار منه تعالى بأنه سيموت على كفره، وكان خبره صدقاً، ووعيده حقاً.

{حَمَّالَةَ الْحَطَب}: في جهنم، ذمها مع ما هي عليه من الشرف، لأنها كانت تحمل الشوك والحسك وتطرحه في طريق رسول اللّه وأصحابه، وتنم عليهم لشدة عداوتها لهم، فتشعل بين النّاس نار العداوة.

{فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}: حيث وصفها صفة في منتهى الخسّة، والمراد: أنها تحمل تلك الحزمة من الشوك، وتربطها في جيدها، كما يفعل الحطابون، تخسيسا بحالها، وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات من المواهن، وهما في بيت العز والشرف، يجدر بها ألا تشغل نفسها بحمل الحطب.

111.7 الشكل العام وسياق السورة:

111.7.1- أسم السورة “المسد” أي الذي فتل من الحبال فتلاً شديداً من ليف كان أو جلد أو غيرهما. والوصف المذكور أن في جيدها حبل مما مسد من الحبال وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون: تخسيساً لحالها وتحقيراً لها وتصويراً لها بصورة بعض الحطابات من المواهن لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها لأن مَن زوجته على هذه الحال فهو من النقص والحاجة جعلها تعمل حطابة، وهما في بيت العز والشرف، وفي منصب الثروة والجدة. أما في الآخرة فقد يكون هذا حالها في نار جهنم، الحبل من النار في عنقها تحتطب به من شجر الزقوم أو الضريع، ثم تلقي الحطب على زوجها فتعين على عذابه كما أعانته من قبل على الكفر.

ومن أسمائها {تبت}، وافتتاح السورة بالتباب، بما يؤذن بالذّم والتوبيخ والوعيد لمن يستضعف عباد الله، والتَّبُّ: هو الخسران والهلاك، والكلام دعاء وتقريع لأبي لهب، دافع الله به عن نبيه بمثل اللفظ الذي شَتَم به أبو لهب محمداً صلى الله عليه وسلم جزاءً وفاقاً.

111.7.2- سياق السورة باعتبار ترتيبها وموضوعات آياتها:

سياقها هو الإنذار الشديد من معاداة دين الله والتحذير من الوقوف في طريقه لأن في ذلك الخسران والهلاك. وقد جاء مقصدها في الآية الأولى التي تحدثت عن هلاك أبي لهب الذي كان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يترك الشرف والعزّ الذي كان فيه ويتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، ليفسد عليه دعوته، ويصد الناس عن الأيمان به، وقد أذله الله في الدنيا ولم يغني عنه ماله وكسبه شيئاً، وتوعدته السورة هو وامرأته في الآخرة، بنار ذات لهب. وقد احتوت السورة على أربعة موضوعات كما يلي:

111.7.2.1- الآية (1) هلاك أبي لهب في الدنيا جزاء ما كسبت يداه من الأعمال السيئة في الصد عن سبيل الله، والافتراءات الخسيسة الخاسرة على رسول الله، يقول: إنه صابئ، كاذب، ساحر، تباً له. افتتحت السورة بكلمة تبت إشارة إلى الزجر والإنذار الشديد لأبي لهب، وقد خسر وهلك، وللكافرين أمثاله من أن يأتوا فعله، ووعيد لهم إن لم يرتدعوا ينزجروا بالتباب مثله، وهو الخسران المؤدي إلى الهلاك.

111.7.2.2- الآية (2) لم يغن عنه ماله وما كسب: في عداوته النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في دفع النار عنه يوم القيامة. فالمال والبنون وكل ما كسب الإنسان هو تسخير من الله ليستعين به الإنسان على العبادة والعمل الصالح في الدنيا والفوز بحسن استخدامه كما أمر الله في الآخرة. وهو متاع مؤقت زائل جعله الله فتنة واختباراً للناس ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، فتنال به الدرجات يوم القيامة، وليس قوّة وجاهاً يدفع به للصد عن سبيل الله المؤدّي إلى العذاب.

111.7.2.3- الآية (3) الوعيد لأبي لهب بأنه سيموت كافراً، وكان وعيده حقاً، وسيصلى ناراً ذات لهب، جزاء أفعاله؛ والإنذار لمن يسيء مثله استخدام النعمة فيستقوي بها على الضعفاء وعلى محاربة الحق.

111.7.2.4- الآيات (4، 5) يشترك مع الكافرين المكذبين في العذاب كل من أعانهم على تنفيذ أذاهم وعدوانهم على الضعفاء ومحاربة دين الله. والوعيد لهم بالخسران مثل امرأته التي عاونته، فحالها في جهنم في الذل (بعد ما كانت فيه من الشرف والعز) وهي تحمل على ظهرها حزمة من حطب جهنم، كحالها في الدنيا، كانت كالحطابة التي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها، تحقيراً لشأنها، فجيد المرأة تضع عليه زينتها لا تشد إليه حبل من الليف.

111.7.3- سياق السورة باعتبار القصص التي كانت سبب نزولها:

لكي يسهل فهم مقصد السورة ومعانيها، جاءت في شكل قصّة قصيرة تروي حدثاً واحداً انتهى منذ زمن بعيد، عن أبي لهب ليكون عبرة ومثلاً لكلّ كافر يحارب الحق، أو يتصدى له، أو يقف في وجهه، بأن مصيره الخسران والهلاك في الدارين: الدنيا والآخرة. إن الإنسان إذا ضل عن سبيل الله، وعبد الدنيا، أو عبد مالا يضر ولا ينفع، بدلاً من أن يعبد الله، وصار بذلك عدواً لدين الله، يقف في طريقه، ويتصدى لرسله، يريد أن يقضي على الحق لكي يبقى هو على الباطل، فاستخدم ما رزقه الله من المال والأولاد والأنعام والجاه والشرف والسلطان في محاربة دين الله والصد عن سبيله؛ فإن مصيره الخسران والهلاك في الدنيا، وسيصلى ناراً ذات لهب في الآخرة، ولن يغني عنه ماله وما كسب، فكلّه لله.

{أبي لهب} هو أحد أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وكان كثير الأذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والبغض له، والتنقص له ولدينه. وتروي الكتب أن له وجنتين متألقتين كأنهما لهب في خديه، وهذا دليل الجمال، كان جميلاً، وكان يميل إلى البياض والحمرة، فكان يُكنى أبا لهب، فربنا ذكره بكنيته، وكنيته تتناسب مع مصيره، أبو لهب مصيره سيصلى ناراً ذات لهب. هذا {وامرأته حمالة الحطب} وكانت زوجته من سادات نساء قريش، وهي أم جميل واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان، وكانت عوناً لزوجها على كفره وجحوده وعناده، وقد كانت تضع الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تمشي بين الناس في النميمة وكأنها توقد النار بينهم والشر كمن يحمل الحطب بينهم ويوقده. {في جيدها حبل من مسد} أي من نار، وقد كانت لها قلادة فاخرة، فقالت لأنفقنها في عداوة محمد، فأعقبها الله منها حبلاً في جيدها من مسد النار، والمسد الليف أو الحديد.

فالعبرة المستفادة من القصة أن أبي لهب (مع امرأته) قد خسر كلّ ماله وأعماله وأولاده في صده عن سبيل الله، فهلك ولم يفلح، بل وانتصر دين الله وانتشر في الأرض وعمّ الإسلام الدنيا؛ وخسر نفسه في العذاب والهلاك في نار ذات لهب في الآخرة، بينما فاز أعداؤه الذين خسر كل شيء في سبيل حربهم وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه في الجنة.

فكان في أبي لهب وفي زوجته مثلاً يعتبر به من يعادي ما أنزل الله على نبيِّه، طوعاً لهواه وإيثاراً لما ألفه من الأديان الباطلة والعادات والأعمال الجاهلية، واغتراراً بما عنده من الأموال، والأولاد، والشرف الدنيوي، والفخر بالأنساب، والوجاهات، أو من المنزلة في قلوب الرجال، وحفاظاً عليها أو خوفاً من ضياعها. فإنه لن يفلح، وأنه لا تغني عنه أمواله ولا أعماله شيئاً، فالخسران المؤدي إلى الهلاك هو مصيره.

111.8 تناسب وتناسق السورة مع غيرها من السور:

111.8.0- وهكذا لمّا برهنت على أنّ من اختار الكفر لن تنفعه الآيات والنُذر، فقد هلك أبو لهب بعد نزول السورة بأكثر من عشر سنوات ولم يؤمن سرّاً ولا علناً، ورأى هلاك زوجته خنقاً بالحبْل، ومات على كفره بمرض معدٍ ولم يدفن حتى أنتن، فدفعوه في حفرة بعود ثم قذفوه بالحجارة من بعيد حتى دفنوه.

وقد تقدّم في الكافرون: الإعلام بأنّ الناس فريقان مؤمنون وكافرون، ثمّ في النصر: البشارات والوعود للمؤمنين بالنّصر والفتح في الدّنيا والتّوبة والمغفرة في الآخرة، وفي المسد: النذير والوعيد بالخسران والهلاك للكافرين في الدّنيا والعذاب بالنار في الآخرة، فناسب هذا الختام عن مصير الفريقين ما سبق بيانه وتفصيله في آيات القرآن، ثم أعقبها في الإخلاص: أن الله الأحد هو الخالق لهذه الأمور العظيمه ينصر من يشاء ويذلّ من يشاء، وفي الفلق: استعن به على شر المخلوقات والحسّاد، وفي النّاس: وشياطين الجن والإنس.

111.8.1- قال الإمام جلال الدين السيوطي: وجه اتصالها بما قبلها: أنه لما قال: {لكُم دينكُم وَلي دين} فكأنه قيل:‏ إلهي وما جزائي فقال الله له: النصر والفتح، فقال: وما جزاء عمي الذي دعاني إلى عبادة الأصنام فقال: {تبت يدا أَبي لهبٍ} وقدم الوعد على الوعيد ليكون النصر معللاً بقوله: {ولي دين} ويكون الوعيد راجعاً إلى قوله: {لَكُم دينكُم}‏ على حد قوله: {يومَ تبيضُ وجوه وتَسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم}، فتأمل في هذه المجانسة الحافلة بين هذه السور مع أن سورة النصر من أواخر ما نزل. ووجه آخر وهو: أنه لما قال {لَكُم دينكُم ولي دين} كأنه قيل‏:‏ يا إلهي ما جزاء المطيع قال: حصول النصر والفتح فقيل: وما ثواب العاصي قال: الخسارة في الدنيا والعقاب في العقبى كما دلت عليه سورة تبت.

111.8.2- وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة وإن نزلت على سبب خاص وفي قصة معلومة فهي مع ما تقدمها واتصل بها في قوة أن لو قيل: قد انقضى عمرك يا محمد، وانتهى ما قلدته من عظيم أمانة الرسالة أمرك، وأديت ما تحملته وحان أجلك، وأمارة ذلك دخول الناس في دين الله أفواجاً، واستجابتهم بعد تلكؤهم، والويل لمن عاندك وعدل عن متابعتك وإن كان أقرب الناس إليك. فقد فصلت سورة {قل يا أيها الكافرون} بين أوليائك وأعدائك، وبان بها حكم من اتبعك من عاداك، ولهذا سماها عليه الصلاة والسلام المبرئة من النفاق، وليعلم كفار قريش وغيرهم أنه لا اعتصام لأحد من النار إلا بالإيمان، وأن القرابات غير نافعه ولا مجدية شيئاً إلا مع الإيمان {لكم دينك ولي دين} {أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (41)} يونس، {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (71)} التوبة.

– انظر 4.2.4.18.2.0- جدول يبيّن تناظر نصفي القرآن، ويلخص تناسب مقاصد سوره حول أن الإيمان واتباع طريق الهدى نعمة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.

– انظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد.

أعلى الصفحة Top