العودة إلى فهرس السور: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن)


046.0 سورة الأحقاف


ملاحظة: قبل البدئ بهذه السورة، يجب الاطلاع على ما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– تسهيل فهم وتدبّر القرآن: اضغط هنا


046.1 التعريف بالسورة:

1) مكية؛ إلا الآيات 10، 15، 35 فمدنية. 2) من المثاني. 3) عدد آياتها 35 آية. 4) السادسة والأربعون من حيث الترتيب في المصحف. 5) والتاسعة والستون حسب ترتيب النزول، نزلت بعد “الجاثية”. 6) ليس لها أسماء أخرى. 7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة:

الله 16 مرة، رب 4 مرات؛ (2 مرة): هو، خلق، أنعم؛ (1 مرة): العزيز، الحكيم، الغفور، القادر، يغفر، شهيد، الرحيم، قدير، أعلم، أنزل. انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

السورة الوحيدة التي ذكرت فيها الكلمات: الأحقاف 1 مرة.

أكثر سورة تكرر فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: والديّ 3 مرات هي والبقرة.

تكرر فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: كافرين 8 مرّات، الحق 7 مرّات؛ (6 مرّات): ينذر، وعد، يوم؛ (5 مرات): الأرض، كتاب، يدعو، صادقين، أرأيتم، عذاب؛ (3 مرّات): السماوات، والدي، آيات، افتراه، إفك، سمع، حسن؛ (2 مرة): عبادة، يعرض، عارض، جنة، نار، تفسقون، استكبر، أبصار، أفئدة، يهلك، صالح، إنس، جن؛ (1 مرّة): طريق، مستقيم، استقاموا، قرآن، بشرى، أم، غافلون، معرضون، قديم، رحمة، عربي، أحقاف، مجرمين، يغفر، ثلاثون، أربعين، ساعة، أجل، نهار، مسمى، القيامة.

046.2 فضائلها وما ورد عنها من الأثر:

انظر فضائلها وما ورد عنها من الأثر في سورة غافر (040.2).

046.3 وقت ومناسبة نزولها:

الآيات (29-33) تتحدث عن حضور {نفراً من الجنّ يستمعون القرآن} إلى النبي صلى الله عليه وسلم {فلما قضي ولّو إلى قومهم منذرين (29)}. وهذه الحادثة حصلت حسب الأحاديث الصحيحة وكتب السيرة عند منصرفه من الطائف حين خرج إليهم يستنصرهم، فلم يجيبوه إلى طلبه وأغروا به سفهاء ثقيف. فبعد عودته من رحلة الطائف وهو في تردد شديد إلى مكّة لأن رحلته تلك ستشجع، وبعد أن علمت قريش بها، على الزيادة والإمعان في معاداته. وقد حصلت رحلة الطائف ثلاثة سنوات قبل الهجرة أي قريباً من نهاية السنة العاشرة وبداية السنة الحادية عشرة من البعثة. وهذه الحادثة هي بشارة من الله سبحانه وتعالى تعني انّه إذا كان الإنسان قد تخلّى عن دعوتك يا محمد صلى الله عليه وسلم فقد آمن بك عدد كبير من الجنّ. قد آمنوا بها وهاهم بدأوا ينشرونها فيما بينهم.

046.4 مقصد السورة:

046.4.1- مقصدها: التنبيه على أن القرآن تنزيل من الله العزيز الحكيم، أنذر فيه بأنه ما خلق السماوات والأرض إلا بالحق وأجل مسمّى، وليس عبثاً، هو وَحدَه الإله المعبود، بدليل صدق ما وعد به من إهلاك المكذبين وضلال آلهتهم التي يدّعون عن نصرهم، لكن الذين كفروا عن هذا الإنذار معرضون (مستكبرون). فلا أحد أضل وأجهل ممن يدعو من دون الله آلهة غافلة عاجزة لا تستجيب دعاءه أبداً.

القرآن نذير للذين ظلموا وبشرى للمحسنين، ذلك أنهم مكلّفون، وأن سعادتهم ونجاتهم من العذاب هي بعبادتهم لله وحده واتباعهم صراطه المستقيم، ثم يبعثهم بعد موتهم ليجازيهم على أعمالهم.

046.4.2- ومقصدها نجده في مطلعها في الآيات (1-3) تبدأ ببيان أن القرآن فيه إنذار على شيئين هما: أن السماوات والأرض ما خلقت إلا بالحق، ثم أن لها أجل مسمّى؛ وأنه لا يعرض عن هذا الذي أنذر به القرآن إلا الكافرون الضالون. وتختم في الآية (35) بنفس المعنى وهو أن القرآن فيه بلاغ، بأنه لا يهلك إلا الفاسقون، وهم الخارجون عن الحق والإنذار الذي جاء تفصيله في القرآن.

تركز السورة على إعراض الكافرين وضلالهم ثم هلاكهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة، ولو أقبلوا فاستمعوا النذير واعتبروا بما حولهم من الدلالات لعلموا أنه الحق ولما هلكوا. تطالبهم السورة أن يأتوا بأي خبر أو أثر من علم على أن يكون الذين يدعون من دون الله قد خلقوا شيئاً أو أنهم فعلوا شيئاً من هذا. وإذا حشر الناس للحساب يوم القيامة كانت الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء يكفرون بهم وبعبادتهم، ذلك كما وسبق أن ضلّوا عنهم فلم يجيبوهم في الدنيا حين أهلكهم الله بذنوبهم.

046.4.3- وقال الإمام برهان الدين البقاعي: مقصودها إنذار الكافرين بالدلالة على صدق الوعد في قيام الساعة اللازم للعزة والحكمة الكاشف لهما أتم كشف بما وقع الصدق في الوعد به من إهلاك المكذبين بما يضاد حال بلادهم وأنه لا يمنع من شيء من ذلك مانع لأن فاعل ذلك لا شريك له فهو المستحق للإفراد بالعبادة. وعلى ذلك دلت تسميتها بالأحقاف الدالة على هدوء الريح وسكون الجو بما دلت عليه قصة قوم هود عليه الصلاة والسلام من التوحيد وإنذارهم بالعذاب دنيا وأخرى ومن إهلاكهم وعدم إغناء ما عبدوه عنهم ولا يصح تسميتها بهود ولا تسمية هود بالأحقاف لما ذكر من المقصود بكل منهما.

046.5 ملخص موضوع السورة:

نزلت قبل الهجرة بثلاث سنوات عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من الطائف حين خرج إليهم يستنصرهم فلم يجيبوه، إذ حضر {نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)}، فآمن الجن وأجابوا ولم يؤمن الناس.

واستهلت بمختصر جامع لمقصدها وموضوعاتها (الآيات 1-3) وهو أن القرآن فيه إنذار على شيئين هما: أن السماوات والأرض خُلقت بالحق إلى أجل مسمّى، وأن الكافرين عمّا أنذروا معرضون. ثمّ (الآيات 4-6) أن الناس يعبدون ويدعون آلهة لم تخلق شيئاً وعاجزة ولا تستجيب وغافلة عمّن يعبدها وهي لهم عدوّ يوم الحشر. وتختم بنفس المعنى وهو أن القرآن فيه بلاغ، فلا {يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)} الخارجون عن الحق.

القرآن كلام واضح {لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12)}، فيه بلاغ بأن يعبدوا الله الخالق العزيز الحكيم وحده، ودعاءه لا شريك له، وألا يعبدوا الأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ويوم القيامة توفّى كل نفس جزاء ما كسبته من خير أو شر فعلته في الدنيا. لكن الكافرين اختلقوا أربعة أعذار ليعرضوا عن القرآن، فتضمنت السورة أربع مجموعات من الآيات تبطل فيها أعذارهم، فحاورت عقولهم بالحق والوعيد بالجزاء، ثمّ بنعمة الله بالرعاية والحماية والإسلام، ثمّ بصّرت قلوبهم بالمثال والقصص، ثمّ أنفسهم بالآيات المشاهدة المبصرة (وهذه هي وسائل الإقناع الأربعة في القرآن)، كما يلي:

المجموعة الأولى: (الآيات 7-14) يتعذّر الكافرون بقولهم عن القرآن: سحر مبين، ومفترى، ولو كان خيراً ما سبقونا إليه، وإفك قديم. فتبطل أعذارهم هذه بتقريع عقولهم وأفهامهم بأنه لو افتراه الرسول لعاقبه الله، بل أنزله وهو شهيد على صدقه، ومصدق للكتب التي قبله، ومن قبله كتاب موسى {لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12)}، من أمن واستقام فاز في الدنيا والآخرة.

المجموعة الثانية تبيّن نعمتي رعاية الوالدين صغيراً ثمّ اتباع الهدى والعمل الصالح كبيراً: (الآيات 15-18) الإنسان لا يخرج عن أن يكون بين حالتين الأولى أن يولد ويكبر يحترم والديه وكل من حوله ويبرّهما ويكمل حياته على الإيمان يرجو رحمة الله فيفوز بالجنة وعداً من الله، والثانية أن يولد ويكبر متمرداً على والديه وكل من حوله ويكمل حياته على نفس التمرد والعصيان وعدم الإيمان فيكون من الخاسرين الذين حق عليهم القول بهذا؛ ثمّ (الآيات 19، 20) والناس متدرجون بين هاتين الحالتين فيوفيهم الله أعمالهم وهم لا يظلمون، والكافرون فهم ما بين أنهم أخذوا حقوقهم كاملة في الدنيا، أو أضاعوها بتكبرهم وظلمهم في الأرض.

المجموعة الثالثة فيها قصّتان تبصرة للأفئدة والأبصار عن أقوام كفروا وآخرين آمنوا: (الآيات 21-28) قصة إنذار أخي عاد قومه بالأحقاف وما حلّ بهم من الدمار لإعراضهم وجحدهم بآيات الله وتكذيبهم للنذير {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ (26)}، كذلك عجزت آلهتهم عن نصرتهم. (الآيات 29-32) قصّة إيمان طائفة من الجن استمعوا للقرآن فعرفوا أنه الحق، ورجعوا إلى قومهم منذرين.

المجموعة الرابعة وفيها الدليل على البعث من آية إبداء الخلق وإعادته: (الآيات 33-34) الله الذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سبق، ولم يعجزه إبداعهن من العدم، قادر على إعادة إحياء الموتى كما خلقهم أولاً، ثم يحاسبهم على أعمالهم، فيعترفون بالحق الذي كانوا يجحدونه وينكرونه في الدنيا.

ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا وأن نعمل صالحاً ترضاه وأصلح لنا في ذريّاتنا إنّا تبنا إليك وإنّا من المسلمين.

046.6 بعض التفاصيل عن موضوع السورة:

موضوعات السورة باعتبار ترتيب آياتها:

تبدأ السورة كما ذكرنا ببيان أن القرآن فيه إنذار على شيئين هما: أن السماوات والأرض ما خلقت إلا بالحق، ثم أن لها أجل مسمّى؛ وأنه لا يعرض عن هذا الذي أنذر به القرآن إلا الكافرون الضالون. وتختم بنفس المعنى وهو أن القرآن فيه بلاغ، بأنه لا يهلك إلا الفاسقون، وهم الخارجون عن الحق والإنذار الذي جاء تفصيله في القرآن.

ثم تمضي في تفصيل هذا الحق وهذا الأجل الذي جاء بيانهما في القرآن، والذي مفاده: أن الإنسان مبتلى بأن لا يعبد ولا يدعو إلا الله الخالق العزيز الحكيم، وأن لا يعبد الأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ثم أن الإنسان محاسب على عبادته لله وعلى أعماله، ويوم القيامة توفى كل نفس ما كسبت من خير أو شر فعلته في الدنيا. بعد هذا تبرهن لهم الآيات بالحجة على الموضوع الأول وهو أن هذا الكتاب هو كلام الله فيه بيان هذه الحقوق المطلوب العمل بمقتضاها والمحافظة عليها. ثم يليه وصيّة الله للإنسان أن يحفظ حقوق العباد وأهمها طاعة الوالدين وعدم عصيانهما، وأن يعمل الصالحات، ويكمل حياته على الإيمان لا الكفر، وأن الناس درجات بين الكفر والإيمان. ثم تضرب السورة الأمثال من قصص حقيقية عن الأحقاف وغيرهم من القرى، وعن الجان، وفي هذه القصص تطبيق عملي على هذين الموضوعين في السورة يسهّل فهمها. ثم تبرهن بالحجّة على الموضوع الثاني وهو الأجل والبعث بعد الموت والحساب. وتختم السورة بما بدأت به وهو أن القرآن بلاغ وإنذار بأنه لا يهلك إلا القوم الفاسقون.

الآيات (1-6) أنزل الله القرآن، وأنذر فيه أنه ما خلق السماوات والأرض إلا بالحق وأجل مسمّى. وبطلان أن يكون الذين يدعون من دون الله قد خلقوا شيئاً أو أن يأتوا بأي خبر أو أثر من علم على أنهم فعلوا شيئاً. فهل أضل ممن يتبع من دون الله آلهة عاجزة لا تستجيب إلى يوم القيامة، ويترك الذي بيده كلّ شيء، وعند الحساب تكفر الآلهة العاجزة بهم وبعبادتهم.

الآيات (7-14) بيان أن القرآن كلام الله: حوار منطقي فيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفتري القرآن، وأن الله هو الشهيد على صدقه هو الذي أرسل الرسل (وهم لا يملكون شيئاً) هو اختارهم وأنزل الكتاب. فهم بكفرهم يعرّضون أنفسهم للهلاك، لأنه من عند الله فقد ظلموا أنفسهم والله لا يهدي القوم الظالمين، أما من أمن بالله واستقام على هديه فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون فقد فازوا في الدنيا والآخرة.

الآيات (15-18) الناس في إيمانهم نوعين: الأول شاعر بنعمة الله شاكر له، بارّ بوالديه. والآخر عاق لوالديه كما هو عاق لربه، ومنكر للآخرة. الإنسان لا يخرج عن أن يكون بين حالتين الأولى أن يولد ويكبر يحترم والديه وكل من حوله ويبرّهما ويكمل حياته على الإيمان يرجو رحمة الله فيفوز بالجنة وعداً من الله. والثانية أن يولد ويكبر متمرداً على والديه وكل من حوله ويكمل حياته على نفس التمرد والعصيان وعدم الإيمان فيكون من الخاسرين الذين حق عليهم القول بهذا.

الآيات (19، 20) وجميع الناس متدرجين بين هاتين الحالتين وليوفيهم الله أعمالهم وهم لا يظلمون، فالكفار ما بين أنهم أخذوا حقوقهم كاملة في الدنيا، أو أضاعوها بتكبرهم وظلمهم في الأرض.

الآيات (21-28) قصص عن أقوام لم يسمعوا النذير: ضرب الله على ما ذكر في السورة قصة أخا عاد وكيف حل بهم الدمار لإعراضهم وجحدهم بآيات الله وتكذيبهم للنذير. وهذه سنة الله فيمن يعبد غيره سبحانه وتعالى. ما أغنت عنهم قوّتهم وثرواتهم، كذلك وقفت الآلهة المدعاة عاجزة عن نصرتهم. (مقصد هذه السورة)

الآيات (29-32) قصص عن قوم أنصتوا واستمعوا النذير: الجن مكلفون أن يؤمنوا بالقرآن وبالكتب من قبله وبالآيات في مخلوقات الله وبأن الله خلق بالحق (مقصد هذه السورة) وقادر على إعادة الخلق والحياة وسيحاسب كل نفس بما كسبت. وقد آمنت هذه الطائفة من الجن لأنهم استمعوا للقرآن فعرفوا أنه الحق، (كما حصل بالفعل بعد هذه الحادثة بقليل عندما أرسل له نفر من الأوس والخزرج استمعوا القرآن فآمنوا بدعوته ونشروها بينهم).

الآيات (33-34) بيان أن لكل شيء أجل مسمّى وأن الله لا يعجزه شيء: تبرهن الآيات بالحجّة على هذا الموضوع وهو الأجل والبعث بعد الموت ثم الحساب، بأن الله الذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سبق، ولم يعجزه إبداعهن من العدم قادر على إعادة إحياء الموتى كما خلقها أولاً. ثم يحاسبهم على أعمالهم، فيعترفون بالحق الذي كانوا يجحدونه وينكرونه في الدنيا.

الآية (35) الأمر بالصبر على الإيمان ودعوة الناس وتبليغهم بأنه لا يهلك إلا الفاسقون.

046.7 الشكل العام وسياق السورة:

046.7.1- اسم السورة: سُميت “الأحقاف” لأنها مساكن عاد الذين أهلكهم الله بطغيانهم وجبروتهم وكانت مساكنهم في الأحقاف من أرض اليمن، إذ أنذرهم أخاهم عاد فكذّبوه، واستعجلوا العذاب، فلم يفيقوا إلا على الدمار والهلاك. وقصّة تصرفهم هذا يتناسب مع مقصد السورة حيث تركز على إعراض الكافرين وضلالهم ثم هلاكهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة. (آية 21).

046.7.2- سياق السورة باعتبار موضوعات آياتها: يمكن تقسيم السورة باعتبار موضوعات آياتها والقصص الموجودة فيها إلى ثلاثة مجموعات متساوية تقريباً في عدد الآيات كما يلي:

046.7.2.1- الآيات (1-5، 8-10، 12، 15، 17، 33) فعل الله: التنبيه على أن القرآن من عند الله العزيز الحكيم وفيه بلاغ كما يلي: 12 آية

أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق وأجل مسمى. والحق الذي تبينه لنا السورة هو أن هذا الوجود خلق لأجل طاعة الله، وهو الحق، وأنه يوجد بعد الموت بعث، وأن الإنسان محاسب على عمله في الدنيا، وأن لكل درجات مما عملوا، فريق في الجنة وفريق في النار. وفي هذا التنبيه إنذار بليغ لمن أراد السلامة في الدنيا والنجاة في الآخرة.

أن الوجود آية تدل على الله، العزيز الذي لا يغالب، الحكيم في صنعه وتدبيره. وأن الوجود يدل على أن له صانع صنعه، ومدبر، وحافظ يحفظه، وأن هذا الصانع المدبر الحافظ لا يمكن أن يكون شيء من هذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله، ولا شيء من السماوات أو الأرض المخلوقة. لكل مخلوق في هذا الوجود نهاية، وأن له أجل مسمّى، يموت ولا يعود، وهذا تؤكده لنا الحقائق المعاشة.

لا يوجد كلام يناقض قول القرآن، ولا يوجد شبيه له أو بديل يجاهر بالحق مثله. وأن من أعظم الخطأ والجهل الإعراض عن هذا الكلام الذي فيه أنباء هي في غاية الأهميّة والخطورة تتحدث عن واقع الإنسان بأنه مخلوق وله مصير معلوم، وعن كلام يعلن صراحة، وينادى بأعلى صوت بأنه كلام الخالق، وأنه كلام  لا يؤتى مثله أو يثبت عكسه، والأعظم منه جهلاً اتباع خرافات وضلالات بعيدة عن الحق لمجرد أنها موروثه، بينما تؤكد الحقائق المعاشة أنها باطل.

046.7.2.1.1- الآيات (1-3، 5، 15، 17) التنبيه على أن القرآن تنزيل من عند الله العزيز الحكيم بيّن فيه أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، لا عبثاً ولا سدى؛ بل ليعرف العباد عظمة خالقهما فيعبدوه وحده، وليقيموا الحق والعدل فيما بينهم، ويعلموا أنه قادر على أن يعيد العباد بعد موتهم، وقد خلقهم إلى أجل معلوم عنده. والذين كفروا عما أنذرهم به القرآن معرضون. وبيّن بالحجة والدليل أنه لا أحد أضل وأجهل ممن يدعوا من دون الله آلهة غافلة عاجزة لا تستجيب دعاءه أبداُ. وإذا حشر الناس للحساب يوم القيامة كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء يكفرون بهم وبعبادتهم. وبيّن أن الله خلق الناس ليكونوا في إيمانهم نوعين: الأول شاعر بنعمة الله بارّ بوالديه، راغب في الوفاء بواجب الشكر، تائب ضارع مستسلم منيب. والآخر عاق لوالديه كما هو عاق لربه، وهو جاحد منكر للآخرة:

046.7.2.1.1.1- الآية (15) إنسان ينشأ صالحاً مسالماً يحسن في صحبته لوالديه بِرّاً بهما في حياتهما وبعد مماتهما. حتى إذا بلغ هذا الإنسان نهاية قوته البدنية والعقلية، وبلغ أربعين سنة دعا ربه قائلا: ربي ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمتها عليَّ وعلى والديَّ، واجعلني أعمل صالحاً ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك من ذنوبي، وإني من الخاضعين لك بالطاعة والمستسلمين لأمرك ونهيك، المنقادين لحكمك.

046.7.2.1.1.2- الآية (17) إنسان ينشأ مشاكساً مفسداً يسيء في صحبته لوالديه يقول لهما إذ دعواه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث: قبحاً لكما أتعِدانني أن أُخْرج من قبري حياً، وقد مضت القرون من الأمم من قبلي، فهلكوا فلم يُبعث منهم أحد. ووالداه يسألان الله هدايته قائلَين له: ويلك، آمن وصدِّق واعمل صالحاً، إن وعد الله بالبعث حق لا شك فيه، فيقول لهما: ما هذا الذي تقولانه إلا أساطير الأولين.

046.7.2.1.2- الآيات (4، 8-10، 12، 33) يحاورهم ويجادلهم بالحق: بأن الله خلق كل شيء بينما الآلهة التي يدعون لم تخلق شيئاً، وبأن القرآن نزل من عند الله وهو شاهد عليهم، ومصدق لما قبله من الكتب، وبأنه أنذرهم عذاب الله وبشرهم ثوابه، وأن الله قادر على أن يحيي الموتى يوم القيامة ليحاسبهم.

046.7.2.1.2.1- الآية (4) أرأيتم الآلهة التي تعبدونها من دون الله، أروني أيَّ شيء خلقوا من الأرض؟ أم لهم مع الله نصيب من خلق السماوات؟ فليأتوا بكتاب من عند الله إن كانوا صادقين.

046.7.2.1.2.2- الآيات (8-10) بل يقولون اختلق القرآن؟ قل إن اختلقته فإنكم لا تقدرون أن تدفعوا عني من عقاب الله شيئاً، إن عاقبني على ذلك. هو أعلم بما تقولون في القرآن، كفى به شاهداً عليَّ وعليكم، وهو الغفور الرحيم. قل ما كنتُ أول رسل الله إلى خلقه، وما أدري ما يفعل الله بي ولا بكم، ما أتبع إلا وحي الله، وما أنا إلا نذير مبين. قل أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم، إن الله لا يوفِّق إلى الإسلام القوم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله.

046.7.2.1.2.3- الآية (12) ومن قبله أنزلنا كتاب موسى إماماً ورحمة، وهذا القرآن مصدق لما قبله من الكتب، أنزلناه بلسان عربي؛ لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وبشرى للذين أحسنوا في إيمانهم وطاعتهم لله.

046.7.2.1.2.4- الآية (33) أولم يعلموا أنَّ الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعجز عن خلقهن، قادر على إحياء الموتى؟ بلى، إنه على كل شيء قدير.

046.7.2.2- العمل والجزاء: تبين الآيات إعراض الكفار عن سماع الحق الذي جاء به القرآن وقولهم إنه سحر، واستكبارهم بنعمة الله على من آمن به من ضعفاء الناس. وتبين الآيات الجزاء يوم القيامة بأن الذين آمنوا هم أصحاب الجنّة وأن الذين كفروا لهم عذاب النار وأن الآلهة التي يدعونها ستكون لهم أعداء يوم القيامة. وأن هذا القرآن فيه بلاغ بأنه لا يهلك إلا القوم الخارجون عن أمر الله وطاعته: الآيات (6، 7، 11، 13، 14، 16، 18-20، 34، 35) = 11 آية

046.7.2.2.1- الآيات (7، 11) فعل الإنسان: هاتان الآيتان تبينان عجز الكفار وجهلهم واتخاذهم موقفين من القرآن: فهم بدلاً من تعظيم أمر هذا القرآن لأنه من عند الله وتفكرهم في إعجازه وعدم استطاعة بشر أن يأتي بمثله، عبروا عن عجزهم (عن يقولوا فيه شيء يمس مكانته العالية) بأن قالوا سحر وهو ليس سحر. الموقف الثاني هو نزعة الكبر في نفوس وجهائهم بأن قالوا لو كان في القرآن خير ما سبقهم إليه ضعفاء الناس، وهذا من الجهل لأنهم لو استمعوا للقرآن لتبين لهم أن وجاهة الدنيا ليست هي المطلوبة ولكن المطلوب من الناس في الدنيا هو إثبات طاعتهم لله الخالق المنعم الذي يستجيب الدعاء لا الآلهة المخلوقة، وهذا اختبار وابتلاء والتزام بالفطرة لكل الناس وليس باطل أو لضعفاء الناس.

046.7.2.2.2- الآيات (6، 13، 14، 16، 18-20، 34، 35) الجزاء يوم القيامة 9 آيات

046.7.2.2.2.1- الآية (6) الآلهة التي يدعونها في الدنيا: ستكون لهم أعداء يوم الحشر، تلعنهم وتتبرأ منهم، وتنكر علمها بعبادتهم إياها.

046.7.2.2.2.2- الآيات (13، 14، 16) الذين آمنوا بكتاب الله واستقاموا على طاعته وبرّوا بالوالدين: فلا خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون على فاتهم من حظوظ الدنيا. أولئك هم أصحاب الجنة خالدين فيها، بما قدَّموا من العمل صالح في الدنيا. أولئك الذين يتقبل الله منهم أحسن ما عملوا، ويصفح عن سيئاتهم، هذا هو وعد الصدق الذي وعدوا به.

046.7.2.2.2.3- الآيات (18-20) الذين كفروا وكذبوا وعقوا الوالدين: أولئك وجب عليهم عذاب الله في الدنيا كما وجب على الذين مضوا قبلهم من الجن والإنس. ولكل فريق درجات عند الله بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، وليوفيهم الله جزاء أعمالهم وهم لا يُظلمون. فكما متعوا أنفسهم واستعانوا بالطيبات فاستكبروا عن اتباع الحق وتعاطوا الفسق والمعاصي جازاهم الله تبارك وتعالى بعذاب الهون وهو الإهانة والخزي والآلام والحسرات المتتابعة، بما كانوا يتكبرون في الأرض بغير الحق، ويعصون الله.

046.7.2.2.2.4- الآيات (34، 35) وعد الله بالحساب والجزاء على الأعمال: في يوم القيامة يُعْرَض الذين كفروا على النار ليذوقوا العذاب الذي كانوا ينكرونه في الدنيا. فاصبر أيها الرسول أنت ومن آمن معك، كما صبر الذين من قبلك، ولا تستعجل لهم العذاب فإنه نازل لا محالة، فحين يقع كأنهم لم يمكثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار، هذا (القرآن) بلاغ لهم ولغيرهم، بأنه لا يهلك إلا القوم الخارجون عن أمر الله وطاعته.

046.7.2.3- القصص: ذكرت السورة قصص أقوام من الإنس منهم قوم عاد هلكوا بسبب ما كانوا عليه من الكفر بالله وآياته، بعد أن جاءهم النذير بالحجج والدلالات لعلهم يرجعون فأعرضوا استكباراً. فلم تنصرهم آلهتُهم التي اتخذوا عبادتها قرباناً يتقربون بها إلى ربهم، بل ضلَّت عنهم، ولم تدافع عنهم. وذكرت قصص أقوام من الجن استمعوا إلى النذير فآمنوا ثم رجعوا إلى قومهم منذرين. وفي هذين المثالين بيان علامات الكفر والإيمان، فالمؤمن يقبل ويسمع النذير أما الكافر فيعرض، وفيه تأكيد لما في الآيتين (15، 17) من علامات أن المؤمن مطيع لوالديه مسالم، والكافر عاص لوالديه مشاكس: الآيات (21-32) = 12 آية

046.7.2.3.1- الآيات (21-26) ذكرت قصة قوم عاد الذين كانوا في الأحقاف، وقد يسّر الله لهم من أسباب التمكين في الدنيا على نحو لم يمكن فيه غيرهم، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة فاستعملوها فيما يسخط الله من عبادة الأوثان والفساد في الأرض والتكذيب بالبعث. فأرسل الله لهم هود عليه السلام ينذرهم بأنهم مخلوقون لعبادة الله وحده لا شريك له، وأنهم مبتلون بهذه العبادة أو العمل وسيجازون على أعمالهم، وانهم باتباعهم الأوثان والآلهة المخلوقة مثلهم، يعرّضون أنفسهم للعذاب الشديد من الله. قالوا: إنما تريد بدعوتك أن تصرفنا عن عبادة آلهتنا، فأتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت من الصادقين في أنه يأتينا. وقد اعتادوا على الباطل وعبادة الأوثان واتباع الشهوات فأعماهم ما هم فيه من النعيم الذي أنعمه الله بها عليهم عن التفكر بالحق واستخدام عقولهم.

قال هود عليه السلام: إنما العلم عند الله، هو الذي يعلم متى يأتيكم العذاب، وأبلغكم عنه ما أرسلني به، ولكني أراكم قوماً تجهلون في استعجالكم العذاب، وجرأتكم على الله. فلما رأوا العذاب الذي استعجلوه متجهاً إلى أوديتهم، واستبشروا بأنه سحاب مطر ورحمة، فإذا به العذاب وهو ريح تدمِّر وتهلك كل شيء تمر به، فأصبحوا لا يُرى في بلادهم شيء إلا مساكنهم التي كانوا يسكنونها، وقد هلكوا بسبب جرمهم وطغيانهم.

046.7.2.3.2- الآيات (27، 28) القرى: وقد أهلكت غيرهم من القرى حول مكّة فجعلت خاوية على عروشها، بعد أن بينت لهم أنواع الحجج والدلالات لعلهم يرجعون عما كانوا عليه من الكفر بالله وآياته. فلم تنصرهم آلهتُهم التي اتخذوا عبادتها قرباناً يتقربون بها إلى ربهم، بل ضلَّت عنهم، ولم تدافع عنهم، وذلك كذبهم وما كانوا يَفْتَرون في اتخاذهم إياهم آلهة.

046.7.2.3.3- الآيات (29-32) الجن: في هذه الآيات يبين لنا سبحانه وتعالى أنه بعث إلى الرسول طائفة من الجن يستمعون القرآن، فتأثروا به مؤمنين أنه من عند الله، ثم رجعوا إلى قومهم منذرين، أن هذا الكتاب يهدي إلى الحق والصواب، وإلى طريق صحيح مستقيم، ويأمرونهم بالاستجابة إلى ما يدعوهم إليه ليغفر لهم ذنوبهم، ومحذرين لهم بأس الله وعذابه، إن لم يؤمنوا به.

وفيها بشارة الله سبحانه وتعالى لنبيّه بسماع الجن لدعوته ونشرها فيما بينهم وهذه إشارة إلى أنّ الله قادر على أن يأتيه بمن يستجيب لدعوته من حيث لا يحتسب، كما حصل بالفعل عندما أرسل له نفر من الأوس والخزرج آمنوا بدعوته ونشروها بينهم.

وتدل هذه الآيات على أن هذا القرآن كتاب حق يربط المخلوقات بخالقها، فيه كلامه وفيه رسالته لهم. يبين لهم المقصد من خلقهم وصراطه المستقيم، وأن فيه هدى للجان وربما لكل المخلوقات لو كانت مكلفة بالعمل وليس فقط للإنس والجان. وفي قصة استماع الجان للقرآن تأكيد على مقصد السورة بأن للكون خالق واحد يدبّر أمور مخلوقاته ويرعى شؤونهم ولا يتركهم على عماهم تتقاذفهم شهواتهم وشياطين الإنس والجان. أما من يعبد ويطيع الأوثان والآلهة المخلوقة التي لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً، بالباطل وبلا دليل عنده فقد أفسد الحق وعرض نفسه لسخط لله وعذابه.

046.7.3- سياق السورة باعتبار أفعال ومواقف وردّات أفعال جميع الأطراف المرسل والمرسل إليهم:

046.7.3.1- يبيّن الله العزيز الحكيم للناس في كتابه أن الكون مخلوق لغرض وحكمة وأن هنالك هدف للوجود، ثم يفنّد لهم شكوكهم في صدق الرسالة، ويبيّن لهم ذلك بالأمثلة الملموسة من التاريخ، والآيات في الكون والأنفس، ومن أحوال الحشر والقيامة.

046.7.3.2- المؤمنون علموا من الكتاب أن الله تعالى خلق الناس وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض ثم أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وأخبرهم أن هذه الدار دار عمل لا دار إقامة وأنهم سينقلون منها إلى دار الإقامة والخلود حيث سيجدون فيها جزاء ما قدموه من أعمال. وقد أقام سبحانه الحجة على ذلك في دار العمل وأذاق العباد نموذجاً من الثواب والعقاب العاجل ليعرفوا عظمة وقدرة خالقهم على أن يعيدهم بعد موتهم للجزاء.

046.7.3.3- أما الكفار فقد حذرهم الكتاب من أخطائهم التي يرتكبونها، ومن اصرارهم تكذيب الرسول وغطرستهم واستكبارهم عن سماع الحق. إنهم يعتبرون أن الكون خلق لغير سبب أو هدف، واعتبروا أن دعوة التوحيد هي دعوة كاذبة، ولم يقتنعوا بأن القرآن هو كلام الله، بل زعموا أن موضوع الآخرة والحساب هو من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم. فظلوا على ضلالهم واعتقاداتهم الخاطئة، التي دحضتها هذه السورة بشكل مختصر ولكن بطريقة منطقيّة، بينت فيها أن عدم تفهمهم وعنادهم وتحيّزهم لمعتقدات آبائهم سيعرضهم لنهاية مدمرة.

046.7.4- الإشارة إلى عدد آيات القصص والأمثال والآيات وباقي الموضوعات في السورة:

046.7.4.1- آيات القصص: (7-14، 21-32) = 20 آية.

046.7.4.2- قصص يوم القيامة في الآيات: (6، 20، 34) = 3 آيات.

046.7.4.3- الأمثال في الآيات: (4، 5) = 2 آية.

046.7.4.4- آيات الله في السماوات والأرض في الآيات: (33) = 1 آية.

046.7.4.5- مقصد السورة وموضوعاتها في الآيات: (1-3، 15-19، 35) = 9 آيات.

046.8 تناسب وتناسق السورة مع غيرها من السور:

046.8.0- وهكذا فمقصد الأحقاف هو الإنذار للظالمين والبشرى للمحسنين (الآية 12)، فالظلم هو الشرك والإفساد وسفك الدماء الموصل إلى غضب الله تعالى وعقابه، ونقيضه الإحسان وهو الخُلُق العظيم الموصل إلى محبة الله تعالى وتكريمه. والأحقاف هي الأخيرة في الحواميم السبعة التي تتحدّث مجتمعة عن أنّ القرآن الذي أنزله الله رحمة للأمّة الخاتمة بشيراً ونذيراً، يأمر الناس بالعبادة ليغفر لهم فيفوزوا، ويحذرهم من المعصية فلا يخسروا، وبيّنت كذلك أن في القرآن كل وسائل ودواعي الإيمان من الحجج والبراهين والآيات في السماوات والأرض وفي الأنفس وغيرها، ليتدبروها فيتفكّروا بعقولهم ويعقلوا بقلوبهم ويبصروا بجوارحهم فيؤمنوا، لكن أكثر الناس تعلّلوا بأعذار باطلة وانشغلوا بنعم زائلة واتبعوا الهوى ولم يؤمنوا {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3)}، فأبطلت كلّ حججهم وأعذارهم، وختمت بالوعيد للكافرين والأمر بالصبر للمؤمنين {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ (35)}.

وتتناسب الحواميم السبعة مع مقاصد وموضوعات سورة يونس التي استهلّت أيضاً بذكر الكتاب والوحي، ووصف آيات القرآن بالحكيم، ثمّ آياتها في إثبات صدق الوحي وما جاء به من الحقّ والدين وبيان صفات الإنسان في غفلته وإيمانه وجزائه في الدنيا ومصيره في الآخرة، وتختم كالحواميم بالأمر بالصبر واتّباع ما في الكتاب من الحكمة. ويأت ما قبل الحواميم ثلاث سور هي الصافات: والتي جاءت بعد يس، كالأعراف بعد الأنعام في تفصيل أحوال الناس مع دعوة الهدى، وتبين أن الله سبحانه وتعالى عظيم له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وهو في نفس الوقت قريب جداً من الناس يسمع نداءهم ويستجيب دعائهم؛ و ص: تتناسب مع الأنفال بالطاعة لأمر الله، فتذكّر الناس بما هم عنه غافلون، وتبين عناد الإنسان وتشككه وإعراضه وتكذيبه بالوحي وما جاء به النذير؛ والزمر: وتتناسب مع التوبة في الاستقامة، حيث أمرهم تعالى أن يعبدوه مخلصين له الدين، ولا يرضى لهم الكفر، لأن العبادة تكريم لهم في الدنيا ونعيم في الآخرة. وبهذا تتناسب هذه السور العشر (من الصافات إلى الأحقاف) مطلع الربع الرابع مع أربع سور (الأعراف والأنفال والتوبة ويونس) مطلع الربع الثاني، كما يتناسب ويتناظر أيضاً جميع السور في نصفي القرآن في سياق واحد يبدأ بالإسلام ثم الإيمان ثمّ الإحسان ثمّ النعمة واتباع الهدى والدين، ومشار إليه في مكانه من السور.

046.8.1- تناسب سور الحواميم مع بعضها:

046.8.1.1- حسب ما روي عن ابن عباس وجابر ابن زيد أن هذه السور نزلت بالتتابع بعد سورة الزمر، وموقعها الحالي حسب ترتيب السور في القرآن هو نفسه حسب الترتيب الزمني لها. واعتماداً على حادثة الجن في سورة الأحقاف، والإشارة إلى محاولات المساس بالرسول صلى الله عليه وسلم جسديّاً بل محاولة قتله في سورتي غافر والزخرف، فإن سور الحواميم السبعة نزلت في السنة العاشرة من الهجرة تقريباً. في هذه السنة كان المسلمون يمرّون بأقسى الظروف، يتعرضون للاضطهاد والتعذيب، وكانت مقاطعة قريش لبني هاشم في شعاب أبي طالب لا تزال قائمة لثلاثة سنوات متواصلة دون انقطاع أكل خلالها المسلمون العشب وورق الشجر من الجوع. وأخيراً في هذه السنة وما لبث أن رفع الحصار، عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه، وأوقفت المقاطعة حتى مات فيها عمه أبو طالب الذي كان يحميه من أذى كفار قريش وتلاه بعد ذلك بشهر موت زوجه خديجة رضي الله عنها والتي كانت موطن العزاء والأمان له منذ بداية دعوته صلى الله عليه وسلم وقد سمّى هذا العام بعام الحزن من شدّة حزنه فيه. وقد ازداد أذى قريش وجرأتهم عليه بعد موت عمّه وزوجته لدرجة أنه أصبح من الصعب عليه أن يخرج من بيته، ففي أحد الأيام رموا عليه التراب علناً وهو يمر في أحد الشوارع.

هذه السور دليل على أنها وحي من الله وليست من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه ليس فيها أي أثر لأحاسيس الإنسان أو ردّات فعله على أي من هذه الظروف المحزنة والبالغة الصعوبة والتي يمرّ بها المسلمون، بل هي من أولها لآخرها كما أنزلها الله سبحانه وتعالى وقرأها رسوله صلى الله عليه وسلم جاءت خالية من أي أثر أو إشارة لتلك الأيام العصيبة.

046.8.1.2- بدأت السّور السبعة بالحرفين {حم}، يلي الحرفين {حم} الإشارة إلى كتاب القرآن وأنه وحي من عند الله العزيز الحكيم، وذكرت {العزيز الحكيم} في ثلاث سور الشورى والجاثية والأحقاف، و {العزيز العليم} في غافر، و {الرحمن الرحيم} في فصلت، و {إنا جعلناه} في الزخرف، و {إنا أنزلناه} في الدخان.

بعد الكتاب تبدأ السور بالإشارة إلى آيات الله في الكون وبالأخص في السماوات والأرض: ففي غافر: الآيات (13، 57)، وفي فصلت (9-12)، وفي الشورى (4، 5، 11، 12، 29، 49، 53)، وفي الزخرف (9، 82، 85)، وفي الدخان (7، 38)، وفي الجاثية (3، 13، 22، 27، 36، 37)، وفي الأحقاف (3، 4، 33)، وغيرها من الإشارات في أماكن أخرى من السور.

وهذا يشير أن آيات الله جعلت في كتابين: كتاب عربي يقرأ وهو القرآن، وكتاب كوني حقيقي مشاهد في الأنفس والآفاق {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)} فصلت. كل كتاب قائم بذاته في الدلالة على الله الحق. فيكون الإنسان في كل أوقاته بين آيات الله، لا تغيب عنه لحظة واحدة، إذ تكمل الآيات بعضها بعضاً في آيات مقروءة مبينة وآيات مشاهدة في كل مكان في الكون.

وكلّ الحواميم تتكلّم عن أن في الكتاب كلام الله وآياته وإشاراته وحججه وحواراته، يأتيهم مع الرسول عن طريق الوحي، يبين لهم مواضيع الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وعن أن في الآيات في الأنفس والآفاق ومصارع الأمم برهان آخر على مواضيع الإيمان. يبين لهم الكتاب مقصد خلقهم وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ويأمرهم فيه بما يحقق لهم صلاحهم وسعادتهم في الدنيا وفوزهم في الآخرة، ويأتي دليل آخر عليه من الآيات المشاهدة، مثل أن الله خلق بينما الأوثان لا تخلق، وغيرها من الدلائل العظيمة التي تساند بعضها بعضاً.

وذلك رأفة ورحمة بهم فهم بحاجة ماسّة إليه لكي يَسلَموا ويفوزوا. فالكون مخلوق لغرض وحكمة وأن هنالك هدف للوجود، وأن الله العزيز الحكيم هو مصدر الوحي والرسالة للبشرية. فهو سبحانه وتعالى يريد أن يرحم الناس ويغفر لهم، فيخاطب عقولهم وأنفسهم، يستعمل معهم اسلوب الترغيب والترهيب، بالتعليم بالآيات ليعقلوا الحق، ثم يبين لهم نتائج أعمالهم في الدنيا وفي الآخرة، لكي تتأثر نفوسهم فيدركوا خطورة وضعهم. يحدّثهم عن الإيمان وعن البعث، ويستخدم القصّة، ومصارع الغابرين، وآيات من الكون، وأنباء من يوم القيامة، بغرض التأثير على النفس، ويفنّد لهم شكوكهم في صدق الرسالة.

لكنهم يأخذون الأمر لعباً ولهواً ويعرضون عن تدبّر الآيات. فيقابله جدال الكفار بآيات الله واختلافهم فيما بينهم وتفرقهم على دين الله. لذلك تحث السور المسلمين على الاستقامة والصبر حتى يأتي وعد الله.

 

046.8.1.3- السّور يملأها جوّ من الرحمة والمغفرة من الله الغفور الرحيم: بعد أن أنزل الله الكتاب وجعل الآيات رحمة بالعباد ليغفر لهم، يتبيّن لمن يقرأ السور حرص الله عز وجل الشديد على إيمان الناس وحرصه على أن يغفر لهم وأن يعفو عن سيئاتهم على الرغم من إعراضهم عن دعوته وعن رسله، وعنادهم الشديد وإصرارهم على الشرك والكفر. ونلمس هذه الرحمة والمغفرة بوضوح في الآيات التالية:

ففي سورة غافر: الآيات (3، 7، 9، 42)، سورة فصلت: الآيات (2، 32، 43، 50)، سورة الشورى: الآيات (5، 8، 23، 25، 28، 30، 34، 48)، سورة الزخرف: مظاهر رحمة الله في الدنيا في الآيات (17-20، 32، 33، 36، 45، 81)، سورة الدخان: الآيات (6، 42)، سورة الجاثية: الآيات (20، 30، 36)، سورة الأحقاف: الآيات (8، 12، 16، 31).

هذا عدا عن ذكر مظاهر رحمة الله بنعمته على الناس في الدنيا في مثل: غافر: في الآيات (61-65، 79-81)، فصلت الآيات (10، 12، 31)، الشورى (11، 12، 27-32)، الزخرف: الآيات (9-14)، الدخان (25-27)، الجاثية (4، 5، 12، 13)، الأحقاف (26)؛ وكذلك في الآخرة كما في الزخرف الآيات (68–73)، وغيرها في باقي السور.

 

046.8.1.4- جميع سور الحواميم تحدثت عن موسى عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، الذي جاءت رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم بعد رسالته مباشرة، ويأمره سبحانه في سورة الأحقاف بالصبر كما صبروا {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم (35)}. وقد جاءت الأجزاء المذكورة من حياة موسى في كل سورة مناسبة لمقصد وموضوع تلك سورة. ففي سورة غافر الآيات (23-54) مناسبة لمقصد السورة في الدعوة إلى الإيمان ببيان منافع الإيمان ونصر الله للمؤمنين ومضار الكفر وخسارة الطغاة الكافرين. سورة فصلت الآية (45) في آيات الله واختلافهم وإعراضهم عنها. سورة الشورى الآية (13) إرسال الرسل بدعوة الإيمان وإقامة الدين. سورة الزخرف الآيات (46-56) أتاهم موسى بالآيات فإذا هم منه يضحكون، وغرور فرعون بزخارف الدنيا من الأنهار والملك والذهب. سورة الدخان الآيات (17-33) دعوة موسى لهم بالإيمان، وبقائهم على كفرهم وإجرامهم، فأهلكهم الله تاركين وراءهم الجنات والعيون والزروع والنعيم، ونجاة بني إسرائيل. سورة الجاثية الآيات (16-17) فضح حجج المشركين واختلافهم ومواجهتها بآيات الله البينات. سورة الأحقاف الآية (12) أن الله تعالى أنزل على موسى كتاب كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

 

046.8.1.5- وحدة هذا الكون وتكامل الأشياء فيه وترابطها:

الله خلق كل شيء آية (62) غافر، وقدّره تقديراً دقيقاً محكماً يحفظه ويديم بقاءه إلى أجل مسمّى عنده كما في الآيات (67، 68، 78) غافر، (14) الشورى، (3) الأحقاف. وميّز من بين مخلوقاته الإنسان خلقه من تراب ونفخ فيه من روحه آية (67) غافر، وسخّر له ما في السماوات وما في الأرض، الآيات (61، 64، 79، 80) غافر، وجعله على الأرض خليفة. أمره بالعبادة، الآيات (14، 65، 66) غافر: والعبادة هي موافقة الفطرة بأن يفعل أو لا يفعل أشياء من الفطرة جاء بيانها في الكتاب. هيأ له ما يلبي حاجاته وضرورات جسده المخلوق من الطين، وجعل له ما يلبي ضرورات وحاجات روحه التي لا يعلم كنهها إلا الله، الآيات (11-13) الشورى. فحين يأمر تعالى بأمر أو ينهى عن شيء فهذا الأمر والنهي يتناسب مع الفطرة التي فطر عليها، وذلك من أجل الحفاظ على بقاءها وبقاء جميع المخلوقات كما أرادها الله الخالق، وفي نفس المقادير والتوازنات التي وضعت فيها، فتحفظ لكل مخلوق مكانه من أجل أن يمارس فطرته التي فطره الله عليها تماماً كما فطرها. وقد جعل تعالى من الفطرة مثلاً: أن يكون الطعام والشراب والهواء لإسعاد وللحفاظ على جسد الإنسان، وجعل كذلك من الفطرة أن يكون الإيمان والعبادة لإسعاد والحفاظ على روحه. فالعبادة أن يمارس الإنسان مختاراً بعض (يسير) من فطرته التي فطره الله عليها (جسدياً وروحياُ)، فإن هو وافق باختياره الفطرة بالعبادة كما أمره الله كان من المصلحين وفاز في الدنيا والآخرة وإن خالف الفطرة باختياره عبادة غير الله كان من المفسدين وخسر في الدنيا والآخرة.

كذلك فكل ما في الوجود متصل بالفطرة مع بعضه بعضاً في روابط لا نهائية جعلها الله تعالى تحفظ الكون كياناً واحداً متكاملاً كما فطره الله، الآيات (11، 12) الشورى، وعناصره جميع المخلوقات في تعايش وانضباط تام والتزام بأمر الله وفطرته. كل شيء مطيع لأوامر الله ونواهيه طاعة جبرية، الآيات (11، 12) فصلت، إلا من أذن الله له كالإنسان أذن له الله أن يكون مختاراً في أن يطيع أو لا يطيع لبعض يسير من الأوامر والنواهي يحاسبه عليها آية (17، 40) غافر، إن كانت موافقة للفطرة بالفوز في الدنيا ولآخرة وإن كانت مخالفة للفطرة بالخسران في الدنيا والآخرة.

من هذه السور نلاحظ أن كل ما في الكون يتأثّر ويتفاعل مع أعمال الإنسان بطريقة مدهشة تثبت وحدة هذا الكون وتكامل الأشياء فيه، وأن كل شيء مربوط مع كل شيء ويؤثر فيه وكأن الكون كالجسد الواحد. ومن الأدلّة على ذلك:

046.8.1.5.1- الله تعالى أخذ الكافرين بذنوبهم أي أهلكهم، الآيات (5، 21، 22، 81) غافر، ونجّا المؤمنين (45، 51) غافر، ومثل هذا مكرر في السور الأخرى.

046.8.1.5.2- الله يمقت المجادلين ويطبع على قلوب المتكبرين الجبارين، آية (35) غافر.

046.8.1.5.3- حملة العرش يستغفرون للذين آمنوا، وينادون الذين كفروا بأن الله يمقتهم، الآيات (7-10) غافر.

046.8.1.5.4- بعث الله الصواعق تصعق المعرضين، الآيات (13، 17) فصلت، والرياح تعذبهم آية (16) فصلت.

046.8.1.5.5- يسلط الله عليهم شياطين الإنس والجن، تزيّن لهم قبائح أعمالهم آية (25) فصلت.

046.8.1.5.6- تتنزل الملائكة على المؤمنين تثبتهم وتبشرهم آية (30) فصلت.

046.8.1.5.7- يريهم الله آياته كظهور الإسلام، وفي السماوات والأرض وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم صدق القرآن والدين. آية (53) فصلت.

046.8.1.5.8- الملائكة يسألون ربهم المغفرة لذنوب مَن في الأرض آية (5) الشورى.

046.8.1.5.9- فضل الله ورزقه والغيث يتنزل بقدر يحكمه أعمال الناس الآيات (26-28) الشورى.

046.8.1.5.10- كل ما يصيب الناس من مصيبة فهو بما كسبت أيديهم، الآيات (30، 34) الشورى.

046.8.1.5.11- يعذبهم الله لعلهم يرجعون عن ضلالهم وجهلهم، فإذا رجعوا وكشف عنهم العذاب يعودوا إلى الجهل والضلال الآيات (48-50) الزخرف.

046.8.1.5.12- تجدب الأرض ويشتد بهم الجوع إلى أن يروا كهيئة الدخان من شدّة العذاب لأنهم لا يؤمنون، الآيات (10-12) الدخان.

046.8.1.5.13- عدم بكاء السماء على المجرمين: أما المؤمنين فيبكي عليهم بموتهم مصلاهم من الأرض ومصعد عملهم من السماء، الآيات (22-29) الدخان.

046.8.1.5.14- الله يتولّى المتقين بنصره وعونه وتوفيقه، والظالمين أولياء بعض على الهلاك والخسران والضلال، آية (19) الجاثية.

046.8.1.5.15- حسن معاملة المسلمين لبعض وبرّ الوالدين، يقابله سوء معاملة الكافرين وعقوقهم للوالدين، الآيات (15-18) الأحقاف.

046.8.1.5.16- ريح فيها عذاب أليم، تهلك المجرمين وتدمر كل شيء في مساكنهم، الآيات (24-26) الأحقاف.

046.8.1.5.17- سماع الجن للقرآن، وتأثرهم به وتأثيرهم في الإنسان، الآيات (29-32) الأحقاف.

046.8.1.5.18- وغيرها من الآيات الدالّة على أن الكون يتأثّر بأعمال الإنسان، كما في الآيات (7-10، 21، 22، 51، 79-85) من سورة غافر، والآيات (13، 16، 30-32) من سورة فصلت، والآيات (5، 20، 25، 27-31، 53) من سورة الشورى، و (33-37، 55) الزخرف، و (10-12، 29) الدخان، و (19) الجاثية، والآيات (15-18، 26-24) الأحقاف. كلها فيها دليل على أن الله تعالى يعامل الناس ويسلّط عليهم المخلوقات بحسب أعمالهم، وأن السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات الحيّة وغير الحيّة تتفاعل وتتأثر بأعمال الإنسان. وكذلك باقي سور القرآن مليئة بمثل هذه الأدلة، وكذلك في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم مثل الحديث في البخاري ” أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني ……”، وحديث “ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده” وغيرها.

 

046.8.2- تناسب سور الحواميم مع بعضها، ومع السورتين التي قبلها والتي بعدها:

046.8.2.1- نجد أن سور الحواميم السبعة واقعة بين سورتين: وهما سورة الزمر والتي تتحّدث عن أنه لا خيار صحيح لمخلوقات الله سوى عبادة الله لذلك أمرهم بها، وسورة محمد التي تتحدث عن ضرورة قتال الكفار والمشركين حتى يعودوا إلى عبادة الله وحده، فهو الحق وما دونه الباطل.

وما بين هاتين السورتين فإن الحواميم تتحدّث عن الكتاب وهو القرآن الذي أنزله الله للأمّة الخاتمة بشيراً ونذيراً، الذي يأمر الناس بالعبادة ليفوزوا ويحذرهم من المعصية لكي لا يخسروا، فيه كل وسائل ودواعي الإيمان، من الحجج والآيات والإشارات والدلائل الكونية في السماوات والأرض وفي الأنفس وغيرها، لينصتوا له ويتدبروا آياته فيؤمنوا، لكن أكثر الناس انشغلوا عنه بأهوائهم ونعم الله عليهم فأعرضوا فلم يؤمنوا. واحتوت الحواميم بمجملها على أربعة موضوعات أو مقاصد أساسية في حياة الناس، وهي كما يلي:

046.8.2.1.1- سورة غافر: بينت أن مقصد خلق الله الناس هو لكي يذنبوا فيتوبوا فيغفر لهم ويدخلهم الجنة، فليجتهدوا في العبادة كما أمرهم، فإن لم يفعلوا أدخلوا النار.

046.8.2.1.2- سورتي فصلت والشورى: في فصلت فصل لهم الآيات، وفي الشورى تركهم يختارون وعاملهم حسب اختيارهم.

046.8.2.1.3- سورتي الزخرف والدخان: في الزخرف الكتاب فيه سعادة أرواحهم، وزخرف الدنيا تسعد به أبدانهم، وفي الدخان حذرهم الحساب في الآخرة.

046.8.2.1.4- سورتي الجاثية والأحقاف: في الجاثية نعرف صفاته من آياته في مخلوقاته، وفي الأحقاف نعرف وحدانيته من عجز ما دونه.

046.8.2.2- وبالنظر إلى ترابط السور التسعة باعتبار حقيقة ما حصل حين نزول القرآن سنجد ما يلي:

046.8.2.2.1- نزل في القرآن: في سورة الزمر: أمر الله الناس بالعبادة. وفي غافر: فليجتهدوا في ذلك وليخطئوا إلى ما لا نهاية فالله سيغفر لهم إن هم تابوا. وفي فصلت: لم يتركهم لاجتهادهم بل أنزل الكتاب وفصل لهم الآيات. وفي الشورى: تركهم يختارون وعاملهم حسب اختيارهم. وفي الزخرف: أنزل الكتاب وأرسل المرسلين، لتحيا وتسعد به أرواحهم، كما وأنه زخرف لهم الدنيا وسخّر لهم المخلوقات لتحيا وتسعد أبدانهم. وفي الدخان: أنذرهم وحذرهم من الآخرة والحساب لكي يفوزوا وينجوا من العذاب. وفي الجاثية: نبّه في الكتاب إلى آياته وعلاماته في مخلوقاته، الدالّة على كمال قدرته، وحكمته، وإرادته، بأنه وحده يستحق الحمد والطاعة، لا الهزء والجحود، وأن له وحده الكبرياء وليس لغيره شيء من ذلك. وفي الأحقاف: إنذار من إهلاك المكذبين، وضلال آلهتهم التي يدّعون عن نصرهم حين وقع عليهم العذاب. وفي محمد: أمر المؤمنين بقتال الكافرين للحفاظ على الدين، وإدامة الجهاد في سبيل الله بالمال، والأنفس، إلى أن يترك الكافرين الباطل وصدّهم عن سبيل الله.

046.8.2.2.2- فعل الإنسان: في سورة الزمر: من الناس من يؤمن ومنهم من يكفر، ومن صفة الإنسان أنه يعرف الله في الشدة وينساه في الرخاء. وفي غافر: أكثرهم لم يتوبوا بل جادلوا في الآيات وتآمروا على رسله. في فصلت: أعرض عنه أكثرهم لا يريدون سماع الآيات. وفي الشورى: الإنسان له الخيار إذا أراد الدنيا أوتي منها، وإن أراد الآخرة يزد له الله فيها. وفي الزخرف: اغتروا بالنعمة وكفر أكثرهم وأعرضوا عن المنعم. وفي الدخان: الناس في شك يلعبون. وفي الجاثية: من الناس من عقل دعوة الله له إلى الهدى فسمع وأطاع ومنهم من تبع هواه فأنكر مستكبراً عن قبولها مستهيناً بها. وفي الأحقاف: الذين كفروا عن هذا الإنذار معرضون (مستكبرون). وفي محمد: الله قادر على أن ينتصر لنفسه وللمؤمنين إلا أنه جعل الجهاد امتحان يمتحن به عباده، ليختبر إيمانهم وصبرهم.

046.8.2.2.3- الجزاء والمصير (النتيجة): في الزمر: في الآخرة وعد الصدق والجزاء على أعمالهم، مصيرهم إلى زمرتين، زمرة في الجنة وزمرة في النّار. وفي غافر: عاقبهم الله في الدنيا وأدخلهم النار في الآخرة. وفي فصلت: النتيجة هلاك وخسران من أعرض وعاند، ونجاة وفوز من استمع وآمن. وفي الشورى: يرزقهم ويحرمهم، يصيبهم بمصيبة ثم يعفوا عنهم، يخوفهم ثم يعطيهم الأمان، يبشرهم وينذرهم، لعلهم يطيعون. وفي الزخرف: توعدهم عقاب في الدنيا قبل الآخرة، تسلط عليهم الشياطين تغويهم وتضلهم، وخزي لهم بنصر المؤمنين. وفي الدخان: المجرمين بسبب شكهم ولعبهم وعدهم بالعذاب الأليم، والمؤمنين بسبب طاعتهم وعدهم بالفوز والنجاة، وذلك في الدنيا والآخرة. وفي الجاثية: من الناس من حكّم عقله فسمع وأطاع، ومنهم من تبع هواه فزاغ وضاع، فاقتضت حكمة الله (بعد البيان والآيات) أن يجازي كل بعمله: المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وفي الأحقاف: هلاك المجرمين في الدنيا، وتوعدهم بالبعث بعد موتهم ليجازيهم على أعمالهم، فيقبل الأعمال الصالحة، ويعذب المعرضين بسبب اصرارهم وغطرستهم واستنكارهم للرسول، واعتبارهم أن دعوة التوحيد دعوة كاذبة، وزعمهم أن القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم. وفي محمد: تسليط المؤمنين على الكافرين بأمر الله ونصر المؤمنين ثم مأواهم الجنة، والكافرين مأواهم النار.

046.8.3- وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قدم ذكر الكتاب وعظيم الرحمة به وجليل بيانه، وأردف ذلك بما تضمنته سورة الشريعة من توبيخ من كذب به وقطع تعلقهم وأنه سبحانه قد نصب من دلائل السماوات والأرض إلى ما ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة وقائم بالحجة، ومع ذلك فلم يجر عليهم التمادي على ضلالهم والانهماك في سوء حالهم وسيئ محالهم، أردفت بسورة الأحقاف تسجيلاً بسوء مرتكبهم وإعلاماً باليم منقلبهم فقال تعالى {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى (3)} ولو اعتبروا بعظيم ارتباط ذلك الحق وإحكامه وإتقانه لعلموا أنه لم يوجد عبثاً، ولكنهم عموا عن الآيات وتنكبوا عن انتهاج الدلالات {والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3)} ثم أخذ سبحانه وتعالى في تعنيفهم وتقريعهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع فقال {أفرأيتم ما تدعون من دون الله (4)} – إلى قوله: {وكانوا بعبادتهم كافرين (6)} ثم ذكر عنادهم عن سماع الآيات فقال: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات (7)} الآيات، ثم التحم الكلام وتناسج إلى آخر السورة.

 

046.8.4- تناسب الحواميم مع بعضها ومع قبلها وبعدها:

046.8.4.1- تناسب الحواميم مع السور الثلاثة بعدها: وبعد كل هذه الرحمة والمغفرة الواضحة تأتي سورة محمد وهي سورة الحرب والقتال لمن لم تسعه رحمة ربه في السور السبعة السابقة، ولا بد أن تأتي ثمرة لهذه الحرب ألا وهي الفتح من الله كما هي سنته في خلقه وكما بشر به عباده المؤمنين. أمّا سورة الحجرات ففيها تنظيم للمجتمع المسلم ووضع للقواعد الأخلاقيّة بعد أن تمّ الفتح.

046.8.4.2- تناسب الحواميم مع السور الثلاثة التي قبلها: فسورة الصافات فيها أن الله عظيم له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وهو بنفس الوقت قريب جداً من الناس يسمع ندائهم ويستجيب لدعائهم، وفي عبادته النجاة والفوز العظيم، وفي عبادة غيره العذاب والجحيم والهلاك. وفي سورة ص تبين عناد الإنسان وتشككه وإعراضه وتكذيبه للوحي وما جاء به النذير بأن الإنسان مجازى على أعماله في الدنيا، قبل الحساب في الآخرة. وفي الزمر أمرهم تعالى أن يعبدوه مخلصين له الدين، ولا يرضى لهم الكفر، فمن كفر فبإرادته، ثم مصيرهم إلى زمرتين، زمرة في الجنة وزمرة في النّار. ثمّ تليها الحواميم وكأنها تبين أن الله يريد أن يرحم عباده فيفوزوا في يوم القضاء يوم النبأ الذي سيعلمونه بعد حين.

046.8.5- وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: (في تناسب الحواميم مع السورتين قبلها والثمانية سور بعدها أي مجموع 17 سورة – بتصرّف): تضمنت سورة ص من عناد المشركين، وسوء حالهم، وتوبيخهم في عبادتهم (ما لا يضرّ ولا ينفع)، جميع ما يكاد يوجد في غيرها مما تقدمها. وأثبتت السور التي تلت ص هذا العناد، وسوء الحال، والتوبيخ أي: سورة الزمر، وسور الحواميم السبعة، فلم يخل سورة منها من توبيخهم وتقريعهم كما هو واضح في الآيات التالية:

سورة الزمر: الآيات 3 و 4 و 14 و 15 وحالهم في الآية 29 وما بعدها من التقريع والتوبيخ، سورة غافر: الآيات 4 و 12 و 21-22 و 56 و 69-77 و 82 إلى ما تخلل هذه الآيات، سورة فصلت: الآيات 5 و 26 و 40-44 و 53-54، سورة الشورى: الآيات 6 و 13 و 21 و 48، سورة الزخرف: الآيات 5 و 15 إلى ما تردد في هذه السورة مما قرعوا به أشد التقريع وتكرر في آيات كثيرة، سورة الدخان: الآيات 9-16 و 40-50، سورة الجاثية: الآيات 6-11 و 23 إلى آخر السورة، سورة الأحقاف: الآيات 3 إلى آخر السورة لم يخرج معظمها عن هذا. ثم جاءت سورة القتال التي لم تتضمن إلا الأمر بقتلهم وأسرهم وتعجيل حربهم {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب (4)}. وأما سورة الفتح فما تضمنته من البشارة والفتح أشد على الكفار من كلّ ما قرّعوا به. وكذا سورة الحجرات لتضمنها على الأمر بتقدير النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله ما يقر عين المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها أيضاً من ائتلاف أمر المؤمنين وجمع كلمتهم وتآخيهم، وموقع هذا لا يخفى على أحد، وأما سورة الذاريات والطور والنجم فما تضمنته مما هو مذكور هناك أوضح شيء، وبذلك افتتحت كل سورة منها فتأمل مطالعها ففي ذلك كفاية في الغرض- والله تعالى هو أعلم بالصواب، فلما انتهى ما قصد من تقريع مكذبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغت الآي في سورة القمر من ذلك أقصى غاية، وتمحض باطلهم وانقطع دابرهم، ولم يحيروا جواباً فيما عرض عليهم سبحانه في سورة القمر من أحوال الأمم مع أنبيائهم، وكان القصد من ذلك- والله أعلم، مجرد التعريف بأنهم ذكّروا فكذبوا فأخذوا، ليتبين لهؤلاء أن لا فرق بينهم وبين غيرهم، وأن لا يغرّهم عظيم حلمه سبحانه عنهم، فسورة القمر إعذار عند انقطاع حجتهم بما تقدم وبعد أن انتهى الأمر في وعظهم وتنبيههم بكل آية إلى غاية يعجز عنها البشر.

046.8.6-انظر أيضاً تناسب سورة القمر مع غيرها من السور (054.8.4).

– انظر 4.2.4.18.2.0- جدول يبيّن تناظر نصفي القرآن، ويلخص تناسب مقاصد سوره حول أن الإيمان واتباع طريق الهدى نعمة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.

– انظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد.

أعلى الصفحة Top