العودة إلى فهرس السور: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن)


110.0 سورة النصر


ملاحظة: قبل البدئ بهذه السورة، يجب الاطلاع على ما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– تسهيل فهم وتدبّر القرآن: اضغط هنا


110.1 التعريف بالسورة:

1) سورة مدنية. 2) من المفصّل. 3) عدد آياتها 3 آيات .4) العاشرة بعد المائة من حيث الترتيب في المصحف. 5) والأخيرة حسب ترتيب النزول، نزلت بعد سورة “التوبة”.  6) أسماء أخرى للسورة: وتسمّى أيضاً سورة التوديع لما فيها من الإيماء إلى وفاته صلّى الله عليه وسلّم.

7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة: الله 2 مرّة، رب 1 مرة، توّاب 1 مرّة. انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

تكررت فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: (1 مرّة): جاء، نصر، الفتح، رأيت، الناس، يدخلون، دين، أفواجاً، فسبح، بحمد، واستغفره، توّاباً.

110.2 فضائلها وما ورد عنها من الأثر:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه في الحديث الذي سأل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، رجل من أصحابه: “هل تزوجت يا فلان”؟ قال لا والله يا رسول الله ما عندي ما أتزوّج به. قال: “أليس معك {إذا جاء نصر الله والفتح}؟ قال: بلى. قال: “ربع القرآن”، إلى آخر الحديث.

110.3 وقت ومناسبة نزولها:

قال عبد الله بن عباس: هذه آخر سورة نزلت من القرآن، بمعنى أنه لا يوجد سورة كاملة نزلت بعد هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه مسلم، والنسائي والطبراني وابن أبي شيبه وابن مردويه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: هذه السورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجّة الوداع {إذا جاء نصر الله والفتح} حتى ختمها، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع.

البيهقي في كتاب الحج في حديث عن سارة بنت النبهان قالت: ان الاحتفال الذي نزلت فيه هذه السورة في حجة الوداع سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس، هل تعلمون ما هو هذا اليوم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا أوسط أيام التشريق. ثمّ قال: أتعلمون ما هو هذا المكان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا هو المشعر الحرام. ثمّ قال: لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد هذا اليوم. فاحذروا، فإن دمكم وعرضكم حرام، حتى تلاقوا ربكم، ثمّ يسألكم عن أعمالكم. اسمعوا وليبلغ منكم الحاضر الغائب، اسمعوا: ألم أبلغكم رسالة ربكم؟ ثمّ عدنا إلى المدينة، توفي بعدها الرسول صلى الله عليه وسلم بأيام قليلة.

وإذا قرأنا هذين الحديثين مع بعض، يبدو أنه يوجد ثلاثة أشهر وبضعة أيام ما بين نزول سورة النصر ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. لأنه تاريخياً هي نفس المدّة ما بين حجة الوداع ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

أخرج أحمد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قوله عندما نزلت هذه السورة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أن الله أعلمه بموته وأنه لن يعيش بعدها إلا قليلاً. وأخرج أحمد وابن جرير والطبراني والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن عباس قوله عند نزول هذه السورة علم صلى الله عليه وسلم أنه أخبر سيغادر الدنيا.

وروى الحافظ البيهقي، عن ابن عباس قال: لما نزلت {إذا جاء نصر الله والفتح} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة، وقال: “إنه قد نعيت إليّ نفسي”، فبكت ثمّ ضحكت، وقالت: أنه أخبرني أنه نعيت إليه نفسه، فبكيت، ثمّ قال: “اصبري فإنك أول أهلي لحاقاً بي” فضحكت. أخرجه البيهقي ورواه النسائي بنحوه بدون ذكر فاطمة، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أمّ المؤمنين أمّ حبية.

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني وأشياخ بدر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله فقال: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في قوله: {إذا جاء نصر الله والفتح} حتى ختم السورة فقال بعضهم: أمرنا الله أن نحمده ونستغفره إذا جاء نصر الله وفتح علينا وقال بعضهم: لا ندري وبعضهم لم يقل شيئاً، فقال لي يا ابن عباس: أكذلك تقول؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له قال: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون} والفتح فتح مكّة، فذلك علامة أجلك {فسبح باسم ربّك واستغفره إنه كان تواباً}، فقال عمر بن الخطاب لا أعلم منها إلا ما تقول.

110.4 مقصد السورة:

110.4.1- أمر الرسول والمؤمنين بالتسبيح بحمد الله واستغفاره، ليتوب الله وينصر ويفتح عليهم في الآخرة، كما تاب ونصر وفتح عليهم في الدنيا.

110.4.2- مقصد السورة نجده في الآية الأخير من السورة وهو سبح بحمد ربك واستغفره ليتوب عليك ويغفر لك وينصرك في الآخرة، كما نصرك في الدنيا. وباقي السورة جاء ليسهل فهم هذا المقصد: أي أن الله قد قَبِل عملك وطاعتك وصبرك وجهادك وتاب عليك فنصرك وفتح عليك في الدنيا، ودخل الناس في دينه أفواجاً، وهو الآن يأمرك بالتسبيح بحمده والاستغفار ليتوب عليك وينصرك ويفتح عليك في الآخرة. وقد علم صلى الله عليه وسلّم قبل موته أنه ذاهب إلى النعيم في أعلى عليين في الجنة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من نبي يمرض إلا خيِّر بين الدنيا والآخرة”، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ (69)} النساء، فعلمت أنه خير، البخاري، ومسلم.

والنصر: هو الإعانة على تحصيل المطلوب، والفتح: هو تحصيل المطلوب.

الخطاب موجّه للرسول صلى الله عليه وسلم بشكل مخصوص، يأمره ربه بأن يسبح بحمده ويستغفره عن ترك الأفضل، استعداداً للآخرة؛ لكنه أيضاً لعموم المؤمنين، وأن الله خلق الناس ليتوب عليهم وينصرهم في الدنيا والآخرة. قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)} غافر؛ والفتح بالجنة، قال تعالى: {وَفُتِحَتْ أبوابها (73)} الزمر.

وهذه سُنّة الله الثابتة في كل الأمم: يعطي سبحانه إشارات ومبشرات، وذلك بأنه يُنعم على عباده أولاً، ثم يأمرهم بما يسعدهم ثانياً، وفي هذه السورة يحثهم على التسبيح بحمد الله والاستغفار لينصرهم في الآخرة بعد أن نصرهم في الدنيا. (وهو هنا مشابه لما قلناه في سورة قريش، فبعد أن أنعم عليهم بالطعام والأمان، أمرهم بالعبادة لكي تدوم النعمة عليهم، انظر سورة قريش (106.7.4) سياق السورة باعتبار أن ما فعلته قريش يتكرر في كلّ الأمم.).

110.4.3- وقال البقاعي: مقصودها الإعلام بتمام الدين اللازم عنه مدلول اسمها النصر، اللازم عنه موت النبي صلى الله عليه وسلم، اللازم عنه العلم بأنه ما برز إلى عالم الكون والفساد إلا لإعلاء كلمة الله تعالى وإدحاض كلمة الشيطان، لعنة الله تعالى عليه، اللازم عنه أنه صلى الله عليه وسلم خلاصة الوجود، وأعظم عبد للولي الودود، وعلى ذلك أيضاً دل اسمها التوديع وحال نزولها وهو أيام التشريق من سنة حجة الوداع.

110.5 ملخص موضوع السورة:

بعد البشارة بنصر الله، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشكر ربّه على ذلك، ويسبح بحمده ويستغفره، استعداداً للآخرة، كما يلي:

110.5.1- الآيات (1، 2) البشرى للرسول عليه السلام بالنصر، والفتح ودخول الناس في الدين أفواجاَ.

110.5.2- الآية (3) أمره صلى الله عليه وسلم عليه بالتوجه إلى ربّه بالتسبيح والاستغفار، استعداداً للآخرة، لأن هذه علامة أجله.

110.6 بعض التفاصيل عن موضوع السورة:

البشرى للرسول عليه الصلاة والسلام بالنصر، تحقيقاً لوعده سبحانه وتعالى، فهو يمهل ولا يهمل، وقد وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم به غير مرة من ذلك قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد (85)} القصص، وقوله: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللَّه آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً (27)} الفتح، وهذه الآية نزلت عام الحديبية وذلك قبل نزول سورة النصر الله، على جميع الأقوال.

فالوعد والبشرى بالنصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجاَ، وهو “فتح مكة” الذي عزَّ به المسلمون، وانتشر الإِسلام في الجزيرة العربية، وبهذا الفتح المبين دخل الناس في دين الله أفواجاً. حينئذ أمر صلى الله عليه وسلم عليه بالتوجه إلى ربّه بالتسبيح والاستغفار، استعداداً للآخرة، لأن هذه علامة أجله.

110.6.1- الآية (1) إذا تمَّ لك النصر على كفار قريش، وتم لك فتح “مكة”.

110.6.2- الآية (2) ورأيت الناس يدخلون في الإسلام جماعات جماعات.

110.6.3- الآية (3) إذا وقع ذلك فتهيأ للقاء ربك بالإكثار من التسبيح بحمده والإكثار من استغفاره، إنه كان تواباً على المسبحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم ويقبل توبتهم.

ولم ينتهي الوعد الكريم والبشارة العظيمة بالنصر والفتح بوفاة الني صلى الله عليه وسلم، بل وإنه كما وعد الله نبيّه بالنصر والفتح فالوعد قائم لأمته لمن سار على طريقه من بعده إلى قيام الساعة، قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51)} غافر؛ فسينصرون كنصره صلى الله عليه وسلّم، وسيسبّحون بحمد ربهم، ويستغفرونه اقتداءاً بنبيهم، وكما أمرهم ربهم. والوعد قائم إلى يوم القيامة، حتى لا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين. إنه كان ولا يزال توّباً على عباده، متى آبوا إليه فينصرهم ويستغفرونه. قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)} النور.

110.7 الشكل العام وسياق السورة:

110.7.1- اسم السورة “النصر” الذي يأتي من الله عز وعلى رحمة بعباده ليقيم لهم الحق والعدل ويزيل عن كاهلهم الطغيان، يستحق منهم الشكر على هذه النعمة. وذلك بالتسبيح لله انسجاماً مع سائر مخلوقات الله فكل ما في الكون يسبّح لله. وزيادة على التسبيح ليستغفر الله ربه، لأنّ الإنسان خطّاء ولا بدّ أن يكون قصّر في حق الله وهو مالم يفعله غيره من المخلوقات. فجوّ النصر هذا يستوجب من الإنسان أن يتيقن بأن أمر الله هو الغالب وأن الحق والعدل لا بد قادم، فيستعد للقاء الله بالأعمال الصالحة التي تثقل موازينه يوم الحساب. أي عكس ما يفعله المنتصرون لأجل حطام الدنيا فيفرحون ويزدادون طغياناً ويتجبرون على خلق الله.

110.7.2- سياق السورة باعتبار مناسبة نزولها:

الآيات كلها واضحة، والخطاب فيها موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم على ما عليه الجمهور بدون خلاف. والأمر بالتسبيح للّه وحمده واستغفاره واجب أكيد إذا ما أتمّ اللّه على نبيه نعمته ويسّر له الفتح والنصر وأقبل الناس على دين اللّه أفواجا. ومعظم المفسرين على أن الفتح المذكور في السورة هو فتح مكة حتى إنهم جعلوا تفسيرها وسيلة لإيراد قصة هذا الفتح. ولأن فتح مكة كان قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين فإن ما عنته الآيات ليس فتح مكة وحسب بل مجموعة الانتصارات والفتوحات العظيمة التي يسرها اللّه لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى قبيل وفاته والتي بلغت ذروتها بفتح مكة وبغزوة تبوك الكبرى وبفتح الطائف في السنة التاسعة الهجرية؛ ثم بسبيل الوفود التي أخذت تتدفق من جميع أنحاء جزيرة العرب على المدينة المنورة خلال السنتين التاسعة والعاشرة لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم والدخول في دين اللّه أفواجا واستمر تدفقها إلى قبيل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وهي آخر سورة تامّة نزلت من القرآن، كما هو مذكور في مناسبة النزول أعلاه، لكن نزلت بعدها آيات قد ألحقت بسور أخرى. ولأنها الأخيرة فقد جاءت ملأى بالوعود المتواصلة الكريمة، بل كلّها وعود وبشائر بالنصر والفتح في الدنيا والآخرة: كما يلي:

110.7.2.1- الآية (1) البشارة بنصر الله في الدنيا، ومجيء فتح مكة، والوعد بانتصارات غيرها، صحيح أن مناسبتها فتح مكّة لكن كلمة {نصر} غير معرّفة، وقد تعني نصر من الله على قريش وعلى غيرها ممن قاتله من أعداءه. وكذلك إضافة {نصر} إلى {اللَّه} تشعر بتعظيم هذا النصر وأنه نصر عزيز خارق للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه، وإظهار نتائجه المبهرة، التي جعلت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. وهو أيضاً فتح عجيب فاق التصور بدأ بصلح الحديبية، وظل يتواصل إلى يومنا هذا، وقد ظنه المسلمون في أوّل الأمر هزيمة.

110.7.2.2- الآية (2) الوعد والبشارة بدخول الناس في دين الله أفواجاً، وقد تحقق في حياته صلى الله عليه وسلّم وبعد مماته بقرون إلى يومنا هذا.

110.7.2.3- الآية (3) الوعد بالمغفرة المشروط بالاستغفار، والبشارة بالنصر في الآخرة. وقد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشكر ربّه على ذلك النصر والفتح، ويسبح بحمده ويستغفره، استعداداً للآخرة، لأن هذه علامة أجله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله” فبكى أبو بكر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر.

كلمة: {إِذَا} اسم يدل على زمان مستقبل، وهي ظرف لما يُستقبل من الزمان، فههنا لما ذكر وعداً مستقبلاً بالنصر، فهي بشارة ووعد أن نصره جاء لرسوله بفتح مكّة وستستمر الفتوحات على أمّته في المستقبل، كما حصل حقاً، ووعد وبشارة أيضاً بدخول الناس في دينه أفواجاً. إن ربّك كان ولا يزال توابا إن هم سبّحوا بحمده واستغفروه، فسيفتح عليهم في النعيم في الآخرة، كما فتح على نبيهم في الدار الآخرة.

110.7.3- سياق السورة باعتبار ترتيب آياتها وموضوعاتها:

ابتدأت السورة بالنصر وختمت بالتوبة. والخطاب موجّه للرسول صلى الله عليه وسلّم بعد أن حاز النصر والفتح في الدنيا ليستعد للنصر والفتح في الآخرة، والخطاب مستمرّ للمؤمنين من بعده، وليس للكافرين. وهذه سنّة الله التي لا تتغير، لا يكلِّف الناس ولا يأمرهم إلا بعد أن يريهم عظيم نعمته عليهم، وأعظم ما يتمناه المؤمن وغاية مراده هو النصر والفتح في الدنيا ثم في الآخرة. وهذه السورة تقول حققنا لكم النصر الأول في الدنيا وها أنتم ترونه بأم أعينكم، وبقي الوعد بالنصر الثاني في الآخرة، فاستعينوا على ذنوبكم وخطايا أنفسكم بالتسبيح بحمد الله واستغفاره، إنه كان ولا يزال غفاراً، يغفر لكم وينصركم في الآخرة كما نصركم في الدنيا.

وهي كالمعادلة في الرياضيات، أي من أراد أن يغفر له الله وينصره في الآخرة فليسبح بحمد الله ويستغفره، والعكس صحيح من يسبح بحمد الله ويستغفره، حتماً يغفر له وينصره في الآخرة، وهذا كالتشبيه الذي استخدمناه في سورة قريش، لكن هناك كان الخطاب للكفار يأمرهم بالعبادة ليحوزوا على الطعام والأمان في الدنيا، أما هنا فالخطاب للمؤمنين يأمرهم بالتسبيح والاستغفار لكي يفوزوا بالمغفرة والنصر في الآخرة.

ولا تزال الفتوحات على المؤمنين تتوالى والناس يدخلون في دين الله أفواجاً منذ فتح مكة إلى يومنا هذا، وقد فتحت الكثير من البلاد كالقسطنطينية (اسطنبول)، ولا يزال يدخل الناس في دين الله أفواجاً، بل ودخلت الدول في دين الله كأندونيسيا التي لم يصلها جندي واحد مسلم، ودخلت أمم كالتتار الذين اعتنقوا الإسلام بعد فتحهم البلاد الإسلامية محاربين محتلين فعادوا مسلمين، فلعل وعسى في أيامنا هذه أن ينشر الله الإسلام في كل بلاد الكفر فيدخلون طوعاً ورضاءاً واختياراً دون تكليف ولا إكراه فِي دِينِ اللَّهِ أفواجاً، ويتهافتون عن طيب نفس ورضاء خاطر ورغبة بهذا الدّين الحنيف، كما تهافتوا من قبل وانتشر الدين في أندونيسيا وماليزيا والفلبين وغيرها بدون قتال، وأن يدخل كذلك كل الغزاة في البلاد الإسلامية في عصرنا هذا الإسلام كما دخل التتار.

110.7.4- السورة كلّها بشائر في الدنيا والآخرة، وإشارات إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلّم: ففي الآية الأولى بشارة بالنصر وفي الثانية بدخول الناس في دين الله أفواجاً والثالثة الأمر والبشارة بالتوبة والنصر في الآخرة بشرط التسبيح والتحميد لله رب العالمين لا إله إلا هو، على نعمه والاستغفار فما من إنسان إلا ويذنب ويخطئ ويقصر في عمله.

110.7.4.1- فالبشائر في الدنيا هي بنصر الله لرسوله، وفتحه مكّة، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، بحيث يكون كثير منهم من أهله وأنصاره، بعد أن كانوا من أعدائه، وقد وقع هذا المبشر به، كما يلي:

الرسول صلى الله عليه وسلّم هو قدوة المسلمين في تطبيق شرع الله ودينه، وقد كان في بداية أمره يدعوا قريش فيقول: “كَلِمَةً وَاحِدَةً لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ، وَتُدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ؟ قُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ” فينفرون من كلامه وينصرفون إلى آلهتهم. وهذه السورة نزلت مع تحقق هذا الوعد للموحدين، فقد ملكوا العرب ودان لهم بها العجم.

وقد كان العرب مترددون لا يسلمون، ينتظرون هذا الفتح، يقولون: إنْ ظهر محمد على قومه فهو نبي. وقال ابن كثير: المراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولا واحدا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي. فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجاً، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيماناً، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة. وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي.

110.7.4.2- وأما البشائر في الآخرة فهي بتوبة الله على نبيّه صلى الله عليه وسلم، وتحقيق وعد الله له بدخوله الفردوس الأعلى، وهي أعلى درجة في الجنة، و{مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ (69)} النساء؛ وقد أمر رسوله بعد حصول النصر والفتح، أن يشكر ربّه على ذلك، ويسبح بحمده ويستغفره، لأنه كان ولا يزال تواباً.

وفي هذا أيضاً أمر ودروس لأمته إلى الاقتداء بسيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم حتى يتحقق لهم شيء مما تحقق له. فيستمر النصر لهذا الدين في الدنيا، ويزداد عند حصول التسبيح بحمد الله واستغفاره، وتتحقق لهم البشرى في الآخرة بلحاقهم بنبيهم الذي سبقهم إلى الجنة. فالله يغفر ذنوب عباده وينصرهم في الدارين: الله توّاب على عباده، ينصرهم ويفتح عليهم في الدنيا ويقبل توبتهم ويدخلهم في دينه، وسيتوب عليهم وينصرهم كذلك في الآخرة فليسبحوا بحمده وليستغفروه كما أمرهم.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقلت يا رسول الله: أراك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال: “أخبرني أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها {إذا جاء نصر الله والفتح} فتح مكة {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً}.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده. سبحانك الله وبحمدك، اللهم اغفر لي” يتأول القرآن يعني {إذا جاء نصر الله والفتح}.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: “سبحانك اللهم وبحمدك، وأستغفرك وأتوب إليك” فقلت له: قال: “إني أمرت بها” وقرأ {إذا جاء نصر الله} إلى آخر السورة.

وأخرج عبد الرزاق ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: لما نزلت {إذا جاء نصر الله والفتح} كان النبي صلى الله عله وسلم يكثر أن يقول: “سبحانك اللهم وبحمدك إغفر لي إنك أنت التواب الغفور”.

وأخرج النسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت {إذا جاء نصر الله والفتح} نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزلت فأخذني أشد ما يكون اجتهاداً في أمر الآخرة.

110.8 تناسب وتناسق السورة مع غيرها من السور:

110.8.1- قال الإمام جلال الدين السيوطي: وجه اتصالها بما قبلها: أنه قال في آخر ما قبلها: {ولي دين}‏ فكان فيه إشعار بأنه خلص له دينه وسلم من شوائب الكفار والمخالفين فعقب ببيان وقت ذلك وهو مجيء الفتح والنصر فإن الناس حين دخلوا في دين الله أفواجاً فقد تم الأمر وذهب الكفر وخلص دين الإسلام ممن كان يناوئه، ولذلك كانت السورة إشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم وقال الإمام فخر الدين: كأنه تعالى يقول: لما أمرتك في السورة المتقدمة بمجاهدة جميع الكفار بالتبري منهم وإبطال دينهم جزيتك على ذلك بالنصر والفتح وتكثير الأتباع. قال: ووجه آخر وهو: أنه لما أعطاه الكوثر وهو: الخير الكثير ناسب تحميله مشقاته وتكاليفه فعقبها بمجاهدة الكفار والتبري منهم فلما امتثل ذلك أعقبه بالبشارة بالنصر والفتح وإقبال الناس أفواجاً إلى دينه وأشار إلى دنو أجله، فإنه ليس بعد الكمال إلا الزوال، توقع زوالا إذا قيل تم.

110.8.2- قال الرازي: لما قال في آخر السورة المتقدمة: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ} فكأنه قال: إلهي وما جزائي فقال: نصر الله فيقول: وما جزاء عمي حين دعاني إلى عبادة الأصنام فقال: {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ (1)} المسد. وقال: أن في السورة المتقدمة لم يذكر شيئاً من أسماء الله، بل قال: ما أعبد بلفظ ما، كأنه قال: لا أذكر اسم الله حتى لا يستخفوا فتزداد عقوبتهم، وفي هذه السورة ذكر أعظم أساميه لأنها منزلة على الأحباب ليكون ثوابهم بقراءته أعظم فكأنه سبحانه قال لا تذكر اسمي مع الكافرين حتى لا يهينوه واذكره مع الأولياء حتى يكرموه.

110.8.3- وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كمل دينه واتضحت شريعته واستقر أمره، صلى الله عليه وسلم وأدى أمانة رسالته حق أدائها عرف عليه صلى الله عليه الصلاة والسلام نفاد عمره وانقضاء أجله، وجعلت له على ذلك علامة دخول الناس في دين الله جماعات بعد التوقف والتثبط {حكمة بالغة فما تغني النذر (5)} القمر، {لو شاء الله لجمعهم على الهدى (35)} الأنعام، وأمر بالإكثار من الاستغفار المشروع في أعقاب المجالس وفي أطراف النهار وخواتم المآخذ مما عسى أن يتخلل من لغو أو فتور، فشرع سبحانه وتعالى الاستغفار ليحرز لعباده من حفظ أحوالهم ورعي أوقاتهم ما يفي بعليّ أجورهم كما وعدهم {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته (115)} الأنعام، وقد بسطت ما أشارت إليه هذه السورة العظيمة، وكل كلام ربنا عظيم، فيما قيدته في غير هذا، وأن أبا بكر رضي الله عنه عرف منها أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم نعيت إليه نفسه الكريمة على ربه وعرف بدنو أجله، وقد أشار إلى هذا الغرض أيضاً بأبعد من الواقع في هذه السورة قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً (3)} المائدة، وسورة براءة وأفعاله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع لكن لم يبلغنا استشعار أحد من الصحابة رضى الله عنهم تعيين الأمر إلا من هذه السورة. وقد عرفت بإشارة براءة وآية المائدة تعريفاً شافياً، واستشعر الناس عام حجة الوداع وعند نزول براءة ذلك، لكن لم يستيقنوه وغلبوا رجاءهم في حياته صلى الله عليه وسلم، ومنهم من توفي، فلما نزلت {إذا جاء نصر الله والفتح} استيقن أبو بكر رضي الله عنه ذلك استيقاناً حمله على البكاء لما قرأها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- انتهى.

– انظر 4.2.4.18.2.0- جدول يبيّن تناظر نصفي القرآن، ويلخص تناسب مقاصد سوره حول أن الإيمان واتباع طريق الهدى نعمة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.

– انظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد.

أعلى الصفحة Top