العودة إلى فهرس السور: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن)


039.0 سورة الزمر


ملاحظة: قبل البدئ بهذه السورة، يجب الاطلاع على ما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– تسهيل فهم وتدبّر القرآن: اضغط هنا


039.1 التعريف بالسورة:

1) مكية؛ ماعدا الآيات (52، 53، 54) فمدنية. 2) من المثاني. 3) عدد آياتها 75 آية. 4) التاسعة والثلاثون من حيث الترتيب في المصحف. 5) والثانية والستون حسب ترتيب النزول، نزلت بعد “سبأ”. 6) أسماء أخرى للسورة: وتسمى أيضاً سورة الغرف. 7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة:

{الله} 53 مرة، {لله} 6 مرّات، اللهم 1 مرّة، رب 18 مرة، هو 6 مرات، أنزل 6 مرّات، خَلَق 4 مرّات، العزيز 3 مرات، سبحانه 2 مرة، الصفات التالية (1 مرّة): إله، فاطر، عليم، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أعلم، يغفر، غني، يهدي، خالق، تعالى، الواحد، القهار، الغفار، الغفور، الرحيم، وكيل، الحكيم، يحكم، له الملك، كافي، صدَق، يقدر، يبسط، رضي، مخرج، تعالى. انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

السورة الوحيدة التي فيها: {أعبد الله مخلصاً له الدين} 3 مرات، {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ} 2 مرة، {َوإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا ربه… ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً منه نسي (8)} تشبهها الآية (49)، وسيق 2 مرة، زمرا 2 مرة، مقاليد 1 هي والشورى.

أكثر سورة تكررت فيها: {الحمد لله، في الآيات (29، 74، 75)} 3 مرات هي والنمل؛ أولوا الألباب 3 مرات هي والبقرة، مثوى 3 مرات، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} 2 مرة، {سوء العذاب، في الآيات (24+47)}.

وتكرر فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: الأرض 12 مرة، عذاب 11 مرة، يتقون 9 مرات؛ (8 مرات): حق، خلق، كفر، السماوات، أحسن، متكبر؛ (7 مرّات): أنزل، هدى، ضلال، نفس، يعلمون، ذكر؛ (6 مرات): القيامة، كذب؛ (5 مرات): الكتاب، كسبوا، خاسر؛ (4 مرات): دين، رحمة، صدق، ضر، جهنم؛ (3 مرات): قضي، توكل، موت، نار، الآخرة، أجر، سيئات، نعمة؛ (2 مرة): جنة، دنيا، قرآن، خالدين، ناس، خزي؛ (1 مرة): كاف، يتوفى، أصحاب، شاكر.

039.2 فضائلها وما ورد عنها من الأثر:

وأخرج أحمد والترمذي وحسّنه والنسائي والحاكم وابن مردويه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقرأ كلّ ليلة بني إسرائيل والزمر.

039.3 وقت ومناسبة نزولها:

نزلت قبل الهجرة إلى الحبشة تشجّع المضطهدين من المسلمين على الفرار بدينهم: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ 10)}. بعض الأحاديث ذكرت بأن الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه عندما قرر الهجرة إلى الحبشة (المجلد 22 روح المعاني). أنظر أيضاً كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن في المبحث: 1.5.5- مراحل نزول القرآن المكي.

039.4 مقصد السورة:

039.4.1- ملخّص مقصد السورة: قضاء الله في خلقه أن يعبدوه مخلصين له الدين، ولا خيار صحيح لهم غير العبادة وقد أمرهم بذلك في كتابه، وهو لا يرضى لهم الكفر، فمن كفر فبإرادته. الناس في عبادتهم مجبرين على شكل مختارين. في الدنيا هم أمام خيار الحق بشيراً ونذيراً، وفي الآخرة أمام وعد الصدق والجزاء على أعمالهم، مصيرهم إلى زمرتين، زمرة في الجنة وزمرة في النّار.

أمر الله الناس بالعبادة، وأن العبادة هي لمصلحتهم أولاً وأخيراً، وأن الله غني عنهم. فهم في حاجة إليه يدعونه فيساعدهم في الدنيا، ويعدل بينهم يوم القيامة. ولن يرضى لهم الكفر. فهو خالق السماوات والأرض وفاطرها، خلقهم في بطون أمهاتهم خلقاً من بعد خلق. وقد فطرهم فهو أدرى بحاجاتهم، ومن يكفر فقد خسر الدنيا والآخرة. أمرهم أن يعبدوه وحده، وجادلهم بأن عبادتهم للآلهة الكثيرة لا تدل على علم، بل فيه ظلم لأنفسهم وضلال شقاء. (تكررت كلمات: أعبد، فاعبدوا، يا عباد، نعبدهم، عباده، يعبدوها، عبده، عبادي، عبادك 15 مرّة في السورة). وقد تحدثت السورة عن وحدانيّة الله، وملكيته لكلّ شيء بدون شريك بإسهاب، لأنها أصل الإيمان وأساس العقيدة السليمة وأصل كل عمل صالح.

039.4.2- مقصدها نجده في الآيات الثلاثة الأولى التي تبين أن: تنزيل القرآن (إنما هو من عند الله العزيز الحكيم) بالحق والعدل، وهو أن تعبد الله مخلصا له الدين. ألا لله العبادة والطاعة وحده لا شريك له، خالصة له لا شريك لأحد معه فيها، (فهو غني عن الشركاء). وتبين الآيتين الأخيرتين أن الهدف النهائي من اتباع الدين هو دخول الجنة، فنعم الأجر أجرهم على عملهم. والملائكة حول العرش المجيد يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور وقد قضي الأمر وحكم بالعدل، وكل الكون ينطق أن الحمد لله رب العالمين.

وملخّص المقصد هو: بيان أن الكتاب نزل من الله العزيز الحكيم (والكلام آية المتكلم) بالحق آمراً بالعبادة. وهي الهدف الحقيقي من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم: أي عبادة الله لا شريك له. وقد تكررت في السورة {أعبد الله مخلصاً له الدّين} في آيات ثلاث (2، 11، 14)، أي أخلص لله جميع دينك، والدين يشمل الإسلام والإيمان والإحسان، بأن تفرده وحده بها، لا غير ذلك من المقاصد.

039.4.3- الدين هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وهو النور، في اتباعه العصمة والنجاة والشفاء لكل الناس في الدنيا والآخرة، وفي تركه الهلاك والخسارة والشقاء والعذاب لكل الناس في الدنيا والآخرة.

كذلك قضى الله لكل نفس أجلها ورزقها، فلن تخرج من الدنيا قبل أن تستكملها، ثم هو الله سبحانه يقبضها ثم إليه مرجعها فيوفيها عملها. الناس في أمنهم وأرزاقهم وحياتهم مسيرون وهم يرون أنهم مخيرون. الله وهبهم الأمن والنعمة والحياة فتنة، ثم ابتلاهم بالخوف والجوع والنقص في الرزق والأنفس، ليرى ما هم فاعلون. إن هم أعطوا كما أمرهم الله (وما وهبهم من خزائنه) زادهم في الأمن والرزق، وإن هم منعوا ضيعوا وحرموا جميعاً. لأن الإعطاء إعطاء للجميع والإمساك إمساك عن الجميع. وهم هنا أيضاً مخيرون بين السعادة والشقاء يجلبونها لأنفسهم.

039.5 ملخص موضوع السورة:

ومقصدها في مطلعها، تأمر بعبادة الله: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2)} تكررت ثلاث مرّات، والدين هو الفطرة التي فطر الناس عليها، فلا خيار غيره، ومن أراد النعيم والرزق والأمان في الدنيا والآخرة فليعبد الله {الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)} مخلصاً له الدين، الذي خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر وخلق الأزواج والأنعام: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ (6)}، وهو غنيّ عنهم: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ (7)} ولا يرضى لعباده الكفر، ويرضى لهم الشكر. والإنسان يعلم بفطرته بأن لا ملجأ ولا منجا ولا مجيب إلا الله: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ (8)} وتشبهها الآية (49)، فليستجب لنداء فطرته ولا يكفر {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ} تكررت مرّتين. ف{الْحَمْدُ لِلَّهِ} على نعمه التوحيد وتنزيل الكتاب واتباع الدين ودخول المتقين الجنة، كما تحمده الملائكة {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ (75)}، وهي أكثر سورة تكررت فيها {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ثلاث (3) مرّات، وختمت بها وختم بها القضاء بالحق بين العباد.

سميت “الزمر” لأنه ذكر فيها زمرة السعداء من أهل الجنة، وزمرة الأشقياء من أهل النار، أولئك مع الإجلال والإكرام، وهؤلاء مع الهوان والصغار. وباعتبار ترتيبها تضمنت مجموعتين من الآيات، الأولى (الآيات 1-35) تتحدث عن الهداية في الدنيا، والثانية (الآيات 36-75) تتحدث عن لزوم العبادة لله الضار النافع الذي بيده كل شيء، كما يلي:

الأولى (35 آية): تبدأ (الآيات 1-7) بتأكيد أن القرآن {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)} أنزله بالحق، أمر فيه بعبادته وحده واتباع دينه، ونهى عن عبادة غيره أو اتخاذهم أولياء تقربهم إليه {هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)}، خالق السماوات والأرض وفاطرها، وخالق الناس في بطون أمهاتهم خلقاً بعد خلق، وسخر لهم مخلوقاته {اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ (6)}، ويرضى بالشكر ويعاقب على الكفر، ولا تحمل نفس إثم أخرى، وإليه مرجعهم فيحاسبهم على أعمالهم. ثمّ (الآيات 8-10) بأن الناس فئتان: فئة تعرف الله وقت الضّر وتنساه وقت النعمة فهم أصحاب النار، وفئة استفادت مما وهبها الله من العقل فعلمت الحق وعملت بمقتضاه، وللذين أحسنوا وصبروا أجر عظيم. ثمّ (الآيات 11-20) الأمر بإخلاص العبادة لله وحده دون سواه، وأن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، أما المخلصين فلهم البشرى في الدنيا ورضوان ونعيم دائم في الجنة. ثمّ (الآيات 21-29) ضرب للناس في القرآن من كلّ مثل، منها: أنه كما أنزل الله للناس الماء يحيي به الأرض، فقد أنزل القرآن كتاباً مثاني فيه الإسلام، نوراً يهدي به من يشاء مِن عباده، ومن يضلل فما له مِن هاد يهديه ويوفقه؛ ومثل آخر للعبد المشرك والعبد الموحد، بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضاً فيه، وعبد يملكه سيد واحد يعلم ما يطلبه منه، لا يستويان {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29)}. ثمّ (الآيات 30-35) الكلّ ميتٌ والله يحكم بينهم، فيجازي المكذبين بما يستحقون، والمصدقين بأحسن الجزاء.

المجموعة الثانية (40 آية): تبدأ (بالآيات 36-52) تبيّن كفاية الله وكفالته لعباده، يهديهم بالقرآن، ويقبض الأرواح بآجالها، ولا شفاعة إلا بإذنه، وتبيّن كراهية الكفار لذكر الله، ولجوءهم إليه عند الشدة، وتعذيبهم لكفرهم، ومفاجأتهم بالعذاب في الآخرة. ثمّ (الآيات 53-61) دعوة إلى التوبة قبل فوات الأوان، فأبواب رحمة الله مفتوحة، يغفر الذنوب، يريد لهم النجاة، فهو لم يخلقهم ليعذبهم، فليسلموا قبل أن يأتيهم العذاب في الدنيا فلا ينصرون، وقبل أن تقوم الساعة فيندموا ويتحسروا على ما فرطوا. ثمّ (الآيات 62-67) بأن الله هو الخالق وهو الوكيل، فلا تأتمروا بأمر الجاهلين، بل اعبدوا الله ينقلب حالكم من الخسران بسبب طاعة الجاهلين إلى وكالة من الأرض والسماوات مطويات بيمينه. ثمّ (الآيات 68-75) أنباء يوم القيامة وصدق الوعد والقضاء بالحق والجزاء على الأعمال، وترى الملائكة محيطين بعرش الرحمن، يسبحونه ويحمدونه {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)}.

أما باعتبار موضوعاتها، فهي أربعة موضوعات متساوية تتحدّث عن: الأمر بعبادة الله مخلصين له الدين، وأن العبادة منفعة في الدنيا ونجاة في الآخرة؛ وأن الله وحده يستحق العبادة لأنه خالق كل شيء ومالكه، وبيده مفاتح خزائن السماوات والأرض؛ والإنسان مخيّر بين الكفر والإيمان، ويعرف الله في الشدة وينساه في الرخاء، وأن منهم المؤمن والكافر؛ وجزاؤهم ضلال وهلاك في الدنيا وعذاب في الآخرة للمشركين، وهداية وتوفيق في الدنيا ونعيم دائم في الجنة للمؤمنين.

اللهم اشرح صدورنا للإسلام واجعلنا من عبادك المهتدين المخلصين لك الدين المصدقين الصابرين القانتين الذاكرين الشاكرين والمحسنين الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه.

039.6 بعض التفاصيل عن موضوع السورة:

باعتبار ترتيب آياتها:

لماذا هذا الدين، ولماذا علينا أن نعبد الله مخلصين؟ سنلاحظ أن السورة لم تذكر أية تفاصيل عن الدين، بل أشارت إلى مكان وجود هذا الدين (أي في القرآن)، وركزت على ذكر منافع اتباع الدين ومضار عدم اتباعه. لقد خلق الله الناس ليكرمهم بدخول الجنة. ولا بد من طاعة هذا الإله العزيز الكريم الذي كرّم الإنسان وأنعم عليه بلا مقابل يقدمه الإنسان وبدون سابق فضل استحقه لأجله. إذ لا يجوز أن يعيش أحد في ملك الله وينهل من نعيمه وهو يعصيه. ولأن الله الخالق عالم الغيب والشهادة علم أن أكثر الناس سيعصون، ابتلاهم في الدنيا بطاعته وعبادته (باتباع دينه مخلصين له الدين) مختارين. ثم جعل يوماً ليحاسبهم على أعمالهم، ونتيجة الابتلاء ستكون في الآخرة، من أطاع فاز بالجنة ومن عصى عذب في النار.

تبين لنا السورة أن الدين هو الفطرة وهو سعادة الإنسان في الدنيا وهو كذلك مفتاح سعادته في الآخرة، وتبين أيضاَ بأن الإنسان خلق ليكون متبعاً للدين فلو حاد عن هذا الاتباع قيد أنملة لخسر وعاش في تعاسة تتناسب طردياً مع مقدار ابتعاده عن الدين. وأن سعادة الإنسان بهذا الدين هي كسعادة الملائكة في تنفيذ أوامر الله وكسعادة باقي المخلوقات في التزام فطرته وسننه في الخلق. لكن الفرق بين الإنسان وبين غيره من المخلوقات أن الإنسان مخيّر في اتباعه (إن شاء أطاع وإن شاء عصى) أما المخلوقات الأخرى فهي مجبرة على اتباع سنن الله وفطرته التي فطرها عليها ولا تملك أن تعصيه أبداً.

فالمقصد من السورة هو الأمر بعبادة الله باتباع دينه، ومصير الناس إلى زمرتين، زمرة الجنة لمن آمن وأطاع الله وزمرة جهنّم لمن كفر فعصى الله: ولبيان هذا المقصد نجد موضوعات السورة باعتبار ترتيب آياتها جاءت في مجموعتين من الآيات:

– الأولى في الآيات (1-35) وتتحدث عن الهداية في الدنيا (التي تسعد روح الإنسان في الدنيا والآخرة) وبيان الصراط المستقيم الموصل للسعادة النهائية والأبدية في الآخرة وهو عبادة الله وحده ونبذ الشركاء،

– والثانية في الآيات (36-75) وتتحدث عن (تلبية حاجات الناس المادية من أمن وخوف، وعن رغباته الجسدية) أن الله هو الضار النافع بيده كل شيء، وما دونه لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً، ناهيك عن أن ينفعوا أو يضروا غيرهم. (فمتى عرف الإنسان هذه النتيجة، وأراد أن يستدرك الأمر ويعود، فباب التوبة والعودة إلى دين الله وطاعته يبقى مفتوحاً، لأن الله يريد أن يكرم الناس لا أن يعذبهم، لأجل هذا أرسل المرسلين وأنزل الكتاب، وبين الآيات وضرب الأمثال، وضيق على الناس في الدنيا إذا تركوا العبادة ليرجعوا، ووسع عليهم في الدنيا بعبادته ليشكروا، ولكي يتعلموا بالتجربة أنه الله الحق ولعلهم يهتدون).

– في نهاية كل مجموعة من المجموعتين نجد النتيجة النهائية التي هي مترتبة على حسن تصرف الإنسان من عدمه. الله العزيز الذي أكرم الإنسان بدون مقابل، رحيم عادل فإن شكر الإنسان النعمة بأن حافظ على نظام الله في ملكه (أي فطرته وسننه) بقي في النعيم، وإن أشرك ونسب هذا الفضل من الله إلى غيره فأطاعهم وأفسد النظام، طرد وعوقب على قدر إفساده وتطاوله على خالقه بشركه. في نهاية المجموعة الأولى تقرير أن الكل ميتون ثم يوم القيامة يبعثون فمن كذب بالصدق فمصيره جهنم، ومن صدق به فلهم ما يشاؤون عند ربهم الذي لا حدود ولا نهاية لعطاءه. وفي نهاية المجموعة الثانية نجد تفاصيل حصول موت المخلوقات ونهاية الدنيا، عند النفخ في الصور، ثم ينفخ فيه أخرى ليوم القيامة فإذا هم قيام ينظرون، ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ووفيت كل نفس ما عملت، فإذا هم فريقين فريق في الجنة وفريق في جهنم.

039.6.1- الآيات (1-35) وتتحدث عن الهداية في الدنيا: (التي تسعد روح الإنسان في الدنيا والآخرة) وبيان الصراط المستقيم الموصل للسعادة النهائية والأبدية في الآخرة وهو عبادة الله وحده ونبذ الشركاء. أنزل الكتاب وأرسل الرسول وبين الآيات وضرب الأمثال ليعبدوه، ليس له شركاء ولم يتخذ أولياء. فتركوا الحق واتبعوا الباطل وعبدوا الطاغوت:

039.6.1.1- الله خلق الناس ليعبدوه: تبين الآيات أمر الله في الناس وهو أنه خلقهم ليعبدوه (باتباع دينه والتزام فطرته) باختيارهم. فسخر لأجل ذلك لهم المخلوقات، لكي يسهل عليهم التفرغ للعبادة له وحده لا شريك له، وأنزل عليهم القرآن فيه بيان صراطه المستقيم في اتباع شرعه ودينه، وجعل فيه آيات بينات تدل على الخالق وضرب فيه الأمثال. ليعلموا أنه غني عنهم ولا يرضى لهم الكفر فيضرهم ويرضى لهم الشكر فيسعدوا به. الآيات (1-7)

تبدأ الآيات بتأكيد أمر الوحي بأنه من الله. أنزله ليبين الحق وهو يرضى بالشكر ويعاقب على الكفر: أنزل الله (العزيز الحكيم) الكتاب بالحق. أمر فيه بعبادته وحده لا شريك له واتباع دينه، ونهى عن عبادة غيره أو اتخاذهم أولياء تقربهم إليه سبحانه (هو الغني عن الشركاء). وبين أنه هو الله الواحد القهار خالق السماوات والأرض وفاطرها، وخلق الناس في بطون أمهاتهم خلقاً من بعد خلق، وسخر لهم مخلوقاته. لذلك أمرهم أن لا يعدلوا عن عبادته إلى عبادة غيره، لأنه له الملك (لا إله إلا هو)، إليه مرجعهم فيحاسبهم على أعمالهم، فلا تحمل نفس إثم نفس أخرى، وهو يرضى بالشكر على نعمه ويعاقب على الكفر.

039.6.1.2- فلما أنزل الله الكتاب فإذا بهم يعرضوا، ولا يعتبروا إلا إذا مسهم الضر، عندها تذكروا أن يلجأوا إلى الله خالقهم. أما وهم غارقون في النعيم فقد أنساهم هذا النعيم ذكر الله تعالى وهو غني عنهم. أما هم فلا غنى لهم عن فضله ورحمته. الآيات (8-10)

بعد عرض خلق الإنسان من نفس واحدة وتزويجها من جنسها، وخلق الأنعام، وغيرها. وبيان أنه هو من فطرهم ووضع الخصائص والصفات فيهم، فيعرض عليهم صفاتهم وردّات أفعالهم في الضراء وفي السراء، ويريهم تقلبهم وضعفهم وادعاءهم وقلة ثباتهم على نهج، إلا حين يتصلون بربهم، ويتطلعون إليه، ويقنتون له، فيعرفون الطريق، ويعلمون الحقيقة، وينتفعون بما وهبهم الله من خصائص الإنسان.

الناس فئتين فئة تعرف الله وقت الضر فقط، وقد ألغت عقولها وركضت وراء شهواتها تتمتع بنعم الله كالبهائم التي لا تعقل، فهي لا تعرف الله إلا وقت المصيبة إذا أصابتها. وفئة استفادت مما وهبها الله من العقل فعلمت الحق وعملت بمقتضاه، ذلك بأن للكون إلاهاً خلقهم ليبتليهم أيهم أحسن عملاً. وقد وعد سبحانه بأن للذين أحسنوا في هذه الدينا بعبادة ربهم وطاعته حسنة في الآخرة (وهي الجنة)، وحسنة في الدنيا من صحة ورزق ونصر وغير ذلك.

039.6.1.3- يبين لهم الرسول خطورة فعلتهم، وأنهم ما خلقوا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، فإن فعلوا فازوا وإن لم يفعلوا خسروا. الآيات (11-20)

الأمر بالإخلاص في العبادة لله وحده دون سواه، وأن يكونوا من المسلمين، وأن يخافوا عذابه في اليوم العظيم للعاصين. يوم القيامة يتضح حقيقة وعد الله للناس بالفوز أو الخسارة. إن الخاسرين حقاً هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. أما الذين أخلصوا لله بالعبادة لهم البشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن والتوفيق من الله، وفي الآخرة رضوان الله والنعيم الدائم في الجنة.

039.6.1.4- يضرب لهم في القرآن الأمثال تبين أن في قبول ما في القرآن من عبادة الله هو نور وهدى وسعادة ونجاة، وفي الإعراض عنه خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة. الآيات (21-29)

شرح الصدر للإسلام والقرآن ومشهد لعذاب الكفار يوم القيامة.

039.6.1.4.1- الآية (21) ضرب الله سبحانه للناس مثلين الأول وهو أنه كما أنزل الله للناس الماء ليحيي به الأرض فتسلك الينابيع وتخرج الثمار لفترة محددة ثم يجعله حطاماً، فقد أنزل كتاباً فيه الإسلام نوراً يهدي أرواح الناس، فليعمروا عمرهم المحدود بالذكر، ليقوا بذلك أنفسهم سوء العذاب، {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (21)}.

039.6.1.4.2- الآيات (22-26) لا يستوي المهتدي المنشرح صدره للإسلام والقرآن والمنعم بالجنة، والمعرض الضال عن الحق المعذب في النار. الله تعالى هو الذي نزل أحسن الحديث، وهو القرآن العظيم، تثنى فيه القصص والأحكام، والحجج والبينات، تقشعر من سماعه جلود الذين يخافون ربهم تأثراً بما فيه مِن ترهيب ووعيد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم استبشاراً بما فيه من وعد وترغيب، ذلك التأثر بالقرآن هداية من الله لعباده. والله يهدي بالقرآن من يشاء مِن عباده. ومن يضلله الله عن الإيمان بهذا القرآن، لكفره وعناده، فما له مِن هاد يهديه ويوفقه. كذَّب الذين مِن قبل، فأذاقهم الله العذاب والهوان في الدنيا، وأعد لهم عذاباً أشد وأشق في الآخرة.

039.6.1.4.3- المثل الثاني (27-29) ولقد ضرب الله في هذا القرآن من كل مثل ليتذكروا فينزجروا عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله. وجعل هذا القرآن عربياً واضح المعاني لعلهم يتقون. فيضرب الله المثل للعبد الموحد والعبد المشرك بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضاً فيه، وهو بينهم موزع، ولكل منهم فيه توجيه، ولكل منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتعارضة، وعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه، ويكلفه به، فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح.

039.6.1.5- يقرر لهم بأنهم ميتون، وأنهم في الدنيا مبتلون بالعمل. وأن لهم حياة أخرى يحاسبون فيها وينالون فيها جزاء أعمالهم. الآيات (30-35)

تقرير أن الكلّ ميت والكل مجازى، وفيها بيان ثواب الصالحين وعقاب الكافرين: هذا المقطع تعقيب على ما قبله فبعد أن عرض آية الماء النازل من السماء، وآية الزرع الذي يخرج بهذا الماء، وآية الكتاب النازل من عند الله، وأشار إلى ما يضربه في القرآن من الأمثال {بل أكثرهم لا يعلمون (29)} عقب على هذا: بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم موكول إلى الله، وأنه هو الذي يحكم بينهم بعد الموت، فيجازي الكاذبين المكذبين بما يستحقون، ويجازي الصادقين المصدقين جزاء المحسنين.

039.6.2- تتحدث الآيات عن ضرورة أن تكون العبادة لله: وتتحدث عن تلبية حاجات الناس المادية من أمن وخوف، وعن رغباته الجسدية وغيرها لا تكون إلا من عند الله. لأن الله هو الضار النافع بيده كل شيء، وما دونه لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً، ناهيك عن أن ينفعوا أو يضروا غيرهم. فإذاً: من الله الأمن والرزق والنفع والضر والهدى والإحياء والإماتة والشفاعة والرحمة، فنسبوها لغيره. (فمتى عرف الإنسان هذه النتيجة، وأراد أن يستدرك الأمر ويعود، فباب التوبة والعودة إلى دين الله وطاعته يبقى مفتوحاً، لأن الله يريد أن يكرم الناس لا أن يعذبهم) الآيات (36-75)

039.6.2.1- الله هو الوكيل فهو حسبهم خالق كل شيء فاطر السماوات والأرض وبيده كل شيء هو الكافي الهادي الرحمان يبسط الرزق لمن يشاء منزل الكتاب يتوفى الأنفس ثم يبعثها وإليه يرجعون عالم الغيب والشهادة يحكم بينهم بالعدل. أما الشركاء الذين اتخذوهم شفعاء يستبشرون بذكرهم فلا يملكون شيئاً ولا يعقلون. الإنسان لا يلجأ إلى الله إلا وقت الشدة، أما وهو في النعمة ففي كفر وغرور، والرزق من الله وهو آية من آياته. (36-52) = 17 آية

039.6.2.1.1- الله سيكفي عبده والمؤمنين في أمر دينهم ودنياهم ويمنع عنهم كيد السوء وتخويف المشركين. فالله فاطر السماوات والأرض وما بينهما بما فيه الإنسان، وعالم الغيب والشهادة. فالمؤمن يكل أمره وأمر المجادلين له إلى الله يوم القيامة ويمضي في طريقه ثابتاً. والرسول صلى الله عليه وسلم ليس وكيلاً على العباد في هداهم وضلالهم. إنما الله هو المسيطر عليهم، وليس لهم من دونه شفيع، وإليه المرجع والمصير. وهم يدعون الله وحده إذا أصابهم الضر. فإذا وهبهم منه نعمة ادعوا دعاوى عريضة وقال قائلهم: إنما أوتيته على علم عندي، الكلمة التي قالها الذين من قبلهم فأخذهم الله القادر على أن يأخذ هؤلاء. وما هم بمعجزين. وما كان بسط الرزق وقبضه إلا سنة من سنن الله، تجري وفق حكمته وتقديره وهو وحده الباسط القابض: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52)}. وفي هذه الآيات تعليم بالتجربة، يبتليهم بالضراء ثم بالنعمة، لكي يعلموا بأن الله هو الضار النافع المحيي المميت مالك كل شيء وفاطره باسط الرزق ومقدره، وفيه آية وعبرة لمن أراد الحق وأن يعود إلى عبادة الله وحده.

039.6.2.1.2- الآيات (36-40) التوكل على الله وكفالته لعباده، (41-42) المهتدون بالقرآن وقبض الله لأرواح خلقه، (43-44) لا شفاعة إلا بإذن الله، (45-46) كراهية الكفار لذكر الله، (47-48) مفاجأة الكفار بالعذاب في الآخرة، (49-52) لجوء الكفار إلى الله عند الشدة وتعذيبهم لكفرهم.

039.6.2.2- دعوة إلى التوبة قبل فوات الأوان: أبواب رحمة الله مفتوحة، يغفر الذنوب، يريد لهم النجاة فهو لم يخلقهم ليعذبهم، فليسلموا قبل أن يأتيهم العذاب في الدنيا ولا ينصرون، وليتبعوا الدين قبل أن تقوم الساعة فيندموا ويتحسروا على ما فرطوا. لا يعني إذا وقع العذاب في الدنيا على المسرفين بسبب بعدهم عن الدين أن الأمر قد فات، بل بإمكانهم تدارك ما فات والعودة إلى التكريم والنعيم. الآيات (53-61) = 9 آيات

الآيات تدعو العصاة للتوبة والاستقامة قبل الندم يوم القيامة وحلول عذاب الآخرة: يأتي هذا بعد أن بين سبحانه في الآيتين 47 و 48 الحال المفزعة التي يكون عليها الظالمون يوم القيامة، عندما يفتح أبواب رحمته على مصاريعها بالتوبة. ويطمع في رحمته ومغفرته أهل المعاصي مهما يكونوا قد أسرفوا في المعصية. ويدعوهم إلى الأوبة إليه غير قانطين ولا يائسين. ومع الدعوة إلى الرحمة والمغفرة صورة ما ينتظرهم لو لم يتوبوا، ولو لم ينتهزوا هذه الفرصة المتاحة قبل إفلاتها وفوات الأوان.

تبين هذه الآيات كم هي رحمة الله بعباده واسعة وعظيمة وهو يدعوهم إلى العودة إليه في أي وقت يشاؤون لكي يرحمهم، وحتى لو أسرفوا فهو لا يريد أن يعذبهم. مهما تمادَوا في المعاصي، وأسرفوا على أنفسهم بإتيان الذنوب، إن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها مهما كانت، إنه هو الغفور لذنوب التائبين من عباده، الرحيم بهم. يريهم سبحانه أين سيودي بهم إسرافهم في الذنوب وعدم اتباعهم لدينه من العذاب والهزيمة في الدنيا ثم العذاب والحسرة والندامة في الآخرة، لعلهم بذلك يتقون فيعبدونه فينقلب حالهم إلى فوز بالجنة لا يمسهم من عذاب جهنم شيء، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.

039.6.2.3- الله هو الخالق وهو الوكيل فلا تأتمروا بأمر الجاهلين بل اعبدوا الله فينقلب حالكم من الخسران بسبب طاعة الجاهلين إلى وكالة من بيده الأرض والسماوات مطويات. الله واحد لا شريك له. الآيات (62-67) = 6 آيات

في الآيات بيان أن الله وحده الخالق: الذي خلق كل شيء، المالك المتصرف في كل شيء. فتبدو دعوة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم إلى مشاركتهم عبادة آلهتهم في مقابل أن يشاركوه عبادة إلهه، مستغربة، والله هو خالق كل شيء، وهو المتصرف في ملكوت السماوات والأرض بلا شريك. فأنى يعبد معه غيره، وله وحده {مقاليد السماوات والأرض (63)}. {وما قدروا الله حق قدره (67)} وهم يشركون به وهو وحده المعبود القادر القاهر {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه (67)}.

الله تعالى هو خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وهو على كل شيء وكيل، وله مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يعطي منها خَلْقَه كيف يشاء. والذين جحدوا بآيات الله، أولئك هم الخاسرون في الدنيا وفي الآخرة. إذ عبدوا معه غيره مما لا ينفع ولا يضر، فسوَّوا المخلوق مع عجزه بالخالق العظيم. بل فليعبدوا الله الذي لا تصلح العبادة لشيء سواه، الذي من عظيم قدرته أن جميع الأرض في قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، تنزه وتعاظم سبحانه وتعالى عما يشرك به هؤلاء المشركون.

039.6.2.4- يوم القيامة وصدق الوعد والقضاء بالحق والجزاء على الأعمال. بعد أن أرسلت الرسل يتلون الآيات وينذرونهم لقاء يوم القيامة. الآيات (68-75) = 8 آيات

تبين أنه سبحانه صادق الوعد، وأنه غالب لكل شيء، ويضع الأشياء في أوفق محالها يعرف ذلك أولوا الألباب، وعلى ذلك دلت تسميتها الزمر لأنها إشارة إلى أنه أنزل كلاً من المحشورين داره المعدة له بعد الإعذار والإنذار، والحكم بينهم بما استحقته أعمالهم عدلاً منه سبحانه في أهل النار، وفضلاً على المتقين الأبرار.

039.7 الشكل العام وسياق السورة:

039.7.1- إسم السورة الزمر: سميت بهذا الاسم لأن الله تعالى ذكر فيها زمرة السعداء من أهل الجنة، وزمرة الأشقياء من أهل النار، أولئك مع الإجلال والإكرام، وهؤلاء مع الهوان والصغار.

قال البقاعي: السورة تبين أنه سبحانه صادق الوعد، وأنه غالب لكل شيء، فلا يعجل لأنه لا يفوته شيء، ويضع الأشياء في أوفق محالها يعرف ذلك أولوا الألباب، وعلى ذلك دلت تسميتها الزمر لأنها إشارة إلى أنه أنزل كلاً من المحشورين داره المعدة له بعد الإعذار والإنذار، والحكم بينهم بما استحقته أعمالهم عدلاً منه سبحانه في أهل النار، وفضلاً على المتقين الأبرار.

039.7.2- سياق السورة باعتبار موضوعات آياتها:

مقصدها: قضاء الله في خلقه أن يعبدوه مخلصين له الدين، ولا خيار للناس صحيح غير العبادة، وقد أمرهم خالقهم بذلك في كتابه {فاعبد الله (2)}، الله هو الحق وما دونه باطل، خالق كل شيء ومليكه، {ولا يرضى لعباده الكفر (7)} يفهم منه أن الواقع في الكفر إنما وقع بإرادته ورضاه. فالناس في عبادتهم مجبرين على شكل مختارين. إن هم في الدنيا تمسكوا بالدين نجوا ونجوا جميعاً وإن تركوه هلكوا وهلكوا جميعاً. وهم في الآخرة موعودين بالجزاء على أعمالهم {ووفيت كلّ نفس ما عملت}. مصيرهم إلى زمرتين، زمرة في الجنة وزمرة في النّار.

هم في الدنيا على سفينة إن تمسكوا بالدين نجوا ونجوا جميعاً وإن تركوه هلكوا وهلكوا جميعاً. مخيرون بين السعادة أو العذاب، يسلكون أحداهما بمحض إرادتهم، فيجلبون إمّا النفع أو الضرر لأنفسهم. خيار امتحان وابتلاء، لا يجتازه إلا صاحب عقل سليم عرف الحق {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (9)}.

فهل هذا ما حصل، هذا ما ستبينه موضوعات الآيات في السورة:

باعتبار موضوعات الآيات في السورة يمكن تمييز 4 مجموعات من الآيات، متساوية تقريباً في عدد آياتها، كما يلي:

– المجموعة الأولى (18 آية) هي قسمين من الآيات، الأول: الأمر بالعبادة: أمر فيه سبحانه بعبادته وحده مخلصين له الدين، وبين أن الآلهة التي اتخذوها فهي كفر ولا تقربهم إلى الله كما يدعون، أنزل بذلك القرآن (9 آيات). والثاني: أن في العبادة منفعة: إن العبادة الله مخلصين له الدين هي السلامة والنجاة، وأن الذي أراده الله من عباده هو التقوى والهجرة والإخلاص له في العبادة وشكره والاعتقاد بأنه كافيهم وهاديهم لأجل منفعتهم. (9 آيات).

– المجموعة الثانية تتحدث عن استحقاق الله للعبادة لأنه خالق كل شيء، وكل شيء ملكه (19 آية).

– المجموعة الثالثة (19 آية) فيها بيان صفة الإنسان ومدى تقبّله للعبادة الخالصة لله، وتصرفه تجاه ذلك، أي هل استجاب الناس أم لم يستجيبوا. وهي أربعة أقسام الأول فيه بيان أن الإنسان مخلوق مخير بين الكفر والشكر (5 آيات)، الثاني أن الإنسان يعرف الله في الشدة وينساه في الرخاء (5 آيات)، والثالث فيه صفة (ما يفعله) المؤمن (5 آيات)، والرابع فيه صفة الكافر (4 آيات).

– والمجموعة الرابعة فيها بيان مصير الفئة المؤمنة والفئة الكافرة في الدنيا والآخرة (19 آية).

039.7.2.1- المجموعة الأولى: الله تعالى أنزل القرآن ليبين للناس ويهديهم إلى السبب الذي خلقهم لأجله وهو عبادته وحده مخلصين له الدين، وأن الآلهة التي اتخذوها من دونه هي كفر ولا تقربهم إلى الله كما يدعون. وبين لهم كيف تكون العبادة له مخلصين له الدين، وأنها لأجل مصلحتهم، وأمرهم بأن لا يشركوا به شيئاً، وأنهم محاسبون على أعمالهم يوم القيامة. كما يلي: الآيات (1-3، 23، 27-29، 54، 55) (10-14، 36، 37، 65، 66) = 18 آية.

039.7.2.1.1- تنزيل القرآن إنما هو من الله العزيز في قدرته وانتقامه، الحكيم في تدبيره وأحكامه. أنزل القرآن يأمر بالحق والعدل، فاعبد الله وحده، وأخلص له جميع دينك. الآيات (1-3، 23، 27-29، 54، 55) = 9 آيات.

نزل الله أحسن الحديث، وهو القرآن العظيم، يأمر بالحق والعدل، فاعبد الله وحده، وأخلص له جميع دينك. كتاباً متشابهاً، تثنى فيه القصص والأحكام، والحجج والبينات، تقشعر من سماعه، وتضطرب جلود الذين يخافون ربهم؛ تأثراً بما فيه مِن ترهيب ووعيد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم، استبشاراً بما فيه من وعد وترغيب. والله يهدي بالقرآن من يشاء مِن عباده. ومن يضلله الله عن الإيمان بهذا القرآن؛ لكفره وعناده، فما له مِن هاد يهديه ويوفقه. ضرب الله في القرآن من كل مثل وجعله سهل الألفاظ واضح المعاني، من أمثاله عبداً مملوكاً لشركاء متنازعين، فهو حيران في إرضائهم (الآية 29). فارجعوا إلى ربكم واتبعوا القرآن من قبل أن يقع بكم عقابه، ثم لا ينصركم أحد من دون الله.

039.7.2.1.2- بيان ما الذي أراده الله من عباده من التقوى والهجرة والإخلاص له في العبادة وشكره والاعتقاد بأنه كافيهم وهاديهم؛ وبيان منافع وفوائد عبادة الله مخلصين له الدين، يقابله خسران المشركين. الآيات (10-14، 36، 37، 65، 66) =9 آيات.

يأمرهم سبحانه بالتقوى، وبإخلاص العبادة له وحده دون سواه. وأن للذين أحسنوا في هذه الدينا بعبادة ربهم وطاعته الجنة في الآخرة، والصحة والرزق والنصر وغير ذلك في الدنيا. وأن يهاجروا بدينهم فإن جزاء الصابرين وثوابهم عظيم. وتبين الآيات أن الله كاف عبده يدفع عنه السوء. وأن من يخذله فيضله عن طريق الحق، فما له مِن هاد يهديه إليه. وأن من يوفقه الله للإيمان به والعمل بكتابه واتباع رسوله فما له مِن مضل. فمن اهتدى بالقرآن، وعمل بما فيه، واستقام على منهجه، فنفعُ ذلك يعود على نفسه، ومَن ضلَّ بعد ما تبين له الهدى، فإنما يعود ضرره على نفسه.

039.7.2.2- المجموعة الثانية: استحقاق الله للعبادة لأنه خالق كل شيء ومالكه، وبيده مفاتح خزائن السماوات والأرض، فهو وحده يستحق العبادة. الآيات (4-6، 21، 30، 31، 38، 42، 44، 46، 52، 53، 62، 63، 67-70، 75) = 19 آية

أنزل الله الكتاب للناس يأمرهم بعبادته وحده مخلصين له الدين. لذلك فإن ربع عدد آيات السورة تتحدث عن أن الله واحد لا شريك له، ليس كالبشر فيحتاج إلى ولد، ولا به نقص فيحتاج إلى شريك، ولو أراد ذلك لاختار شيئاً من مخلوقاته (آية 4) وقد خلق كل شيء:

الله خلق السماوات والأرض وما فيهما بالحق، وجعل الليل والنهار، وسخر الشمس والقمر لمنافع العباد، كل منهما يجري في مداره إلى حين قيام الساعة. ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم على خلقه بهذه النعم هو العزيز على خلقه، الغفار لذنوب عباده التائبين (آية 5). خلق الناس من آدم، وخلق منه زوجه، وخلق من الأنعام ثمانية أنواع، يخلقها طوراً بعد طور. هو ربكم المتفرد بالملك المتوحد بالألوهية المستحق للعبادة وحده، فكيف تعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره مِن خلقه؟ (آية 6). أنزل من السماء ماءاً، فجعله ينابيع، ثم يُخْرج بهذا الماء زرعاً مختلفاً ألوانه وأنواعه، ثم يجعله حطاماً، إن في فِعْل الله ذلك لَذكرى وموعظة لأصحاب العقول السليمة (آية 21). إنكم أيها الناس جميعاً ميتون، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تتنازعون، فيحكم بينكم بالعدل والإنصاف (آية 30 و 31).

هم يعلمون أن الله هو الخالق، ويقرون به لكن يدعون معه شركاء لا تضرهم ولا تنفعهم (آية 38). الله يتوفى الأنفس (آية 42)، وله الشفاعة وله الملك وإليه يرجعون (آية 44)، فاطر السموات والأرض، عالم السر والعلانية (آية 46)، يوسِّع الرزق لمن يشاء مِن عباده، ويضيِّقه على مَن يشاء منهم (آية 52)، يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها مهما كانت (آية 53)، خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وهو على كل شيء حفيظ يدَبِّر جميع شؤون خلقه (آية 62)، له مفاتيح خزائن السموات والأرض، والذين جحدوا بآياته الواضحة أولئك هم الخاسرون في الدنيا بخِذْلانهم عن الإيمان، وفي الآخرة بخلودهم في النار (آية 63)، جميع الأرض في قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات في يمينه سبحانه وتعالى عما يشركون، يميت الخلق بنفخة في الصور، ثم يحييهم للحساب بنفخة أخرى، يقضى بين العباد بالعدل التام، وهم لا يُظلمون، ويوفَّي كلَّ نفس جزاء عملها، وهو سبحانه أعلم بما يفعلون (آية 67-70)، وترى الملائكة محيطين بعرش الرحمن، يسبحونه ويحمدونه، وقضى سبحانه بين الخلائق بالحق والعدل، وقيل: الحمد لله رب العالمين على ما قضى به بين أهل الجنة وأهل النار (آية 75).

039.7.2.3- المجموعة الثالثة: ماذا فعل الإنسان وهل استجاب وأطاع ربه كما أمره أم كذب وكفر وأطاع غيره وجعل له شركاء. وذلك كما يلي:

في هذه المجموعة من الآيات بيان صفة الإنسان ومدى تقبّله للعبادة الخالصة لله، وتصرفه تجاه ذلك، أي هل استجاب الناس أم لم يستجيبوا. وهي أربعة أقسام الأول فيه بيان أن الإنسان مخلوق مخير بين الكفر والشكر (5 آيات)، الثاني أن الإنسان يعرف الله في الشدة وينساه في الرخاء (4 آيات)، والثالث فيه صفة (ما يفعله) المؤمن (5 آيات)، والرابع فيه صفة الكافر (5 آيات). الآيات (7-9، 15، 18، 22، 24، 32، 33، 39-41، 43، 45، 49-51، 59، 64) = 19 آية.

039.7.2.3.1- الإنسان مخيّر بين الكفر أو الشكر، وأن يعبد ما شاء، أن يعمل على مكانته، أن يهتدي أو أن يضل. الآيات (7، 15، 39-41) = 5 آيات.

الكافر لا يهديه الله، لا يرضى لهم الكفر فلا يأمرهم به وإنما يرضى لهم شكر نعمه عليهم، وكل نفس تحمل أثمها لا إثم غيرها وتحاسب عليه.

039.7.2.3.2- الإنسان مقصر في حق ربه ولا يتعرف عليه إلا في الشدة، أما في الرخاء فيشرك. الآيات (8، 49-51) = 4 آيات.

إذا أصاب الإنسانَ بلاءٌ وشدة ومرض تَذكَّر ربه، فاستغاث به ودعاه، ثم إذا أجابه وكشف عنه ضرَّه، ومنحه نِعَمه، نسي دعاءه لربه عند حاجته إليه، وأشرك معه غيره.

039.7.2.3.3- المؤمن قائم ساجد يحذر، يسمع، ينشرح صدره، يتقي، يصدق. الآيات (9، 18، 22، 24، 33) = 5 آيات.

039.7.2.3.4- صفات وردات أفعال الكافرين: الكافر يكذب ويتخذ من دون الله شفعاء ويشمئز من ذكر الله ويستبشر بذكر من دونه ويستكبر ويأمر بعبادة غير الله. الآيات (32، 43، 45، 59، 64) = 5 آيات.

اتخذوا من دون الله شفعاء. تشمئز قلوبهم لذكر الله ويستبشرون لذكر من دونه. كذب الذين من قبل فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون.

039.7.2.4- بيان مصير الفئة المؤمنة والفئة الكافرة في الدنيا والآخرة: بيان مصير الناس ومصير هذا الكون يوم القيامة، وأن الله جعل الآخرة للحساب وإقامة العدل بين الناس. وأشارت الآيات كذلك إلى أن للعبادة بشارة التوفيق والهداية في الدنيا قبل يوم القيامة، وفي الكفر خزي في الدنيا قبل العذاب يوم القيامة. الآيات (16، 17، 19، 20، 25، 26، 34، 35، 47، 48، 56-58، 60، 61، 71-74) = 19 آية.

039.7.2.4.1- الفئة الكافرة (16، 19، 25، 26، 47، 48، 56-58، 60، 71، 72) = 12 آية

039.7.2.4.1.1- في الدنيا: يخوف الله عباده في الدنيا بالنار ليحذروه ويتقوه بطاعته واجتناب معصيته. فمن وجبت عليه كلمة العذاب باستمراره على غيِّه وعناده فلا حيلة لأحد بهدايته. كذَّبت الأمم السابقة فجاءهم العذاب من حيث لا يشعرون بمجيئه، فأذاقهم الله العذاب والهوان في الدنيا، وأعد لهم عذاباً أشد وأشق في الآخرة. الآيات (16، 19، 25، 26)

039.7.2.4.1.2- في الآخرة: لو أن لهؤلاء المشركين بالله ما في الأرض جميعا ومثله معه، لَبذلوه يوم القيامة ليفتدوا به من سوء العذاب، ولما قُبِل منهم. ظهر لهم جزاء سيئاتهم التي اقترفوها وأحاط بهم عذاب أليم عقاباً لهم على استهزائهم بالإنذار بالعذاب الذي وعدوا به. فتندم نفس وتقول: يا حسرتي على ما ضيَّعت في الدنيا من العمل بما أمر الله به، وقصَّرت في طاعته وحقه، كنت من المستهزئين. أو تقول لو أن الله أرشدني إلى دينه، أو ليت لي رجعة إلى الحياة الدنيا، فأكون فيها من الذين أحسنوا بطاعة ربهم. الذين كذبوا وجوههم مسودة في جهنم. يساقون إلى جهنم جماعات، حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها تزجرهم الملائكة قائلين: كيف تعصون الله وتجحدون أنه الإله الحق وحده؟ ألم يرسل إليكم رسلا منكم يتلون عليكم آيات ربكم، ويحذِّرونكم أهوال هذا اليوم؟ قالوا مقرين بذنبهم: بلى. قيل ادخلوا أبواب جهنم ماكثين فيها أبداً، فقَبُح مصير المتعالين على الإيمان بالله والعمل بشرعه. الآيات (47، 48، 56-58، 60، 71، 72)

039.7.2.4.2- الفئة المؤمنة (17، 20، 34، 35، 73، 74) = 7 آيات

039.7.2.4.2.1- في الدنيا: الذين اجتنبوا طاعة الشيطان وعبادة غير الله، وتابوا إلى الله بعبادته وإخلاص الدين له، لهم البشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن والتوفيق من الله، وفي الآخرة رضوان الله والنعيم الدائم في الجنة. الآية (17)

039.7.2.4.2.2- في الآخرة: الذين اتقوا ربهم لهم في الجنة غرف مبنية، تجري مِن تحتها الأنهار، وعد من الله الذي لا يخلف الميعاد. لهم ما يشاؤون جزاء طاعتهم وإحسانهم. يكفِّر عنهم السيئات، على طاعتهم في الدنيا بأحسن ما كانوا يعملون، وهو الجنة. وينجي الذين اتقوا بفوزهم بالجنة، لا يمسهم عذاب جهنم، ولا يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا. وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة جماعات، حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها، فترحِّب بهم الملائكة قائلين لهم: سلام عليكم، طابت أحوالكم، فادخلوا الجنة خالدين فيها. وقال المؤمنون: الحمد لله الذي صدَقنا وعده وأورثَنا الجنة نَنْزِل منها حيث نشاء، فنِعم ثواب العاملين في طاعة ربهم. (20، 34، 35، 61، 73، 74)

039.7.3- سياق السورة باعتبار ما جاء فيها من الأمثال والآيات تسهل فهم معانيها:

ثلث عدد آيات السورة احتوت على آيات وأمثال تسهل فهم مقصد السورة، وذلك كما يلي: الآيات (6-4، 8، 9، 21-23، 25-29، 36-38، 42-44، 49-52، 62، 63) = 25 آية = 33.33%

039.7.3.1- الآيات (4-6) تبين الآيات دليل وحدانية الله من خلق الكون وخلق الأنفس:

بأن الله واحد قهار له الملك لا شريك له، ولو أراد أن يتخذ ولداً لاختار من مخلوقاته ما يشاء، فكل شيء له متذلل خاضع. خلق السماوات والأرض وما فيهما بالحق، وجعل الليل والنهار، وسخر الشمس والقمر لمنافع العباد، وخلق المخلوقات أزواجاً. الله الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم على خلقه بهذه النعم هو العزيز على خلقه، الغفار لذنوب عباده التائبين. فكيف تعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره مِن خلقه.

039.7.3.2- الآيات (8، 9) عبادة الله مخلصين له الدين شيء مبني في أصل خلقة الإنسان وأصل فطرته.

ولبيان هذا يضرب الله مثلاً يتكرر في حياة كل إنسان يؤكد أنه بفطرته يؤمن بأن الله هو المعبود لا شريك له، لكن النعمة تنسيه وتعميه عن هذه الحقيقة وعن التفكر فيها. ولأن الله يريد للإنسان الخير والهداية فإنه يبتليه بشيء من الضراء لعله يتذكّر. فإذا مسّه الضر تذكر ودعا ربه منيباً إليه. الذي يعلم حقيقة ربه ودينه الحق، يقضي ساعات الليل في القيام والسجود لله، يخاف عذاب الآخرة، ويأمُل رحمة ربه؟

039.7.3.3- الآيات (21، 22) مثال على أن الله ينزل نعمه وخيراته على مخلوقاته فينزل الماء من السماء فيخرج به الزرع. كذلك ينزل القرآن فيحيي به قلوب العباد (الذين اختاروا وتقبلوا الإيمان):

إن في إنزال الله المطر من السحاب ثم إخراج الزرع مختلفاً ألوانه وأنواعه، ثم يجعله حطاماً متكسِّراً متفتتاً، إن في ذلك لَذكرى وموعظة لأصحاب العقول السليمة. كذلك من وسَّع الله صدره، فسعد بقبول الإسلام والإيمان به، فهو على بصيرة من أمره وهدى من ربه، فويل للذين قَسَتْ قلوبهم، وأعرضت عن ذكر الله، أولئك في ضلال مبين.

039.7.3.4- الآية (23) تبين أن تأثر المؤمن بالقرآن فيه آية على أن الله يريد للناس العبادة والإيمان، وأن أمره بذلك ينسجم مع أصل خلقة الإنسان وفطرته:

الله تعالى هو الذي نزل أحسن الحديث، وهو القرآن العظيم، متشابهاً في حسنه وإحكامه وعدم اختلافه، تثنى فيه القصص والأحكام، والحجج والبينات، تقشعر من سماعه، وتضطرب جلود الذين يخافون ربهم؛ تأثراً بما فيه مِن ترهيب ووعيد، ثم تلين جلودهم وقلوبهم، استبشاراً بما فيه من وعد وترغيب، ذلك التأثر بالقرآن هداية من الله لعباده. والله يهدي بالقرآن من يشاء مِن عباده. ومن يضلله الله عن الإيمان بهذا القرآن؛ لكفره وعناده، فما له مِن هاد يهديه ويوفقه.

039.7.3.5- الآيات (25، 26) هلاك الأمم فيه آية وعظة على أن العبادة هي من أجل سعادة وبقاء الإنسان:

كذَّبت الأمم من قبل رسلهم، فجاءهم العذاب من حيث لا يشعرون بمجيئه. فذاقوا العذاب والهوان في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأشق لو كانوا يعلمون ما سيحلَّ بهم بسب كفرهم وتكذيبهم.

039.7.3.6- الآيات (27-29) يضرب الله مثلاً فيه دليل على نعمة التوحيد وعدم وجود الشريك، وأن العبادة لله وحده مخلصين له الدين هو الحق لو كانوا يعلمون:

تقرر الآيات بأن الله ضرب للناس في القرآن من كل مثل ليتذكروا. وجعل القرآن عربياً واضح الألفاظ سهل المعاني، لا لَبْس فيه لعلهم يتقون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. من هذه الأمثلة أن ضرب الله مثلا عبداً مملوكاً لشركاء متنازعين، فهو حيران في إرضائهم، وعبداً خالصاً لمالك واحد يعرف مراده وما يرضيه، هل يستويان مثلا؟ لا يستويان. كذلك المشرك هو في حَيْرة وشك، والمؤمن في راحة واطمئنان. الحمد لله وحده، بل المشركون لا يعلمون الحق فيتبعونه.

039.7.3.7- الآيات (36-38) إن حماية الله لرسوله وللمؤمنين وكفايته لهم هي آية على أن الله هو أحق بالعبادة. وهم كذلك يقرون بأن الله هو الخالق فكيف يعبدون غيره ممن لا يستطيعون كشف ضرّ قدره الله ولا منع رحمته:

أليس الله بكاف عبده محمداً وعيد المشركين وكيدهم من أن ينالوه بسوء؟ ويخوِّفونه بآلهتهم التي زعموا أنها ستؤذيه. ومن يضلّه الله عن طريق الحق، فما له مِن هاد يهديه إليه، ومن يهديه الله لدينه فما له مِن مضل عن الحق الذي هو عليه. الله عزيز في انتقامه مِن الكفار. ولئن سئل هؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله: مَن خلق هذه السماوات والأرض؟ ليقولُنَّ: خلقهنَّ الله، فهم يُقِرُّون بالخالق. قل لهم: حسبي الله هو الضار النافع، أما الآلهة التي تشركونها مع الله فلا تضر ولا تنفع.

039.7.3.8- الآية (42) ومن الآيات والدلائل التي تدعوا إلى التفكر والتدبر في قدرة الله وتحكمه في خلقه هي قبضه للأنفس وإرسالها:

الله سبحانه وتعالى، هو الذي يقبض الأنفس حين موتها، نفس الميت والنائم. فيرسل نفس النائم وذلك بإعادتها إلى جسم صاحبها إلى استكمال أجلها ورزقها، ويحبس نفس الميت لانقضاء أجلها، إن في ذلك لَدلائل واضحة على قدرة الله لمن تفكر وتدبر.

039.7.3.9- الآيات (43، 44) إن في عجز الآلهة التي لا تملك شيئاً ولا تعقل عبادتهم لها دليل واضح على ضلال سعيهم باتخاذها شفيعاً تشفع لهم عند الله في حاجاتهم. يقابله أن الله له ملك السماوات والأرض وهو يعلم أعمالهم وسيجازيهم عليها بعد مماتهم:

039.7.3.10- الآيات (49-52) يبتلي الله سبحانه وتعالى عباده بالنعم من عنده، ليرى ما هم فاعلون. فإذا بهم ينكرون فضله، وينسبونها لأنفسهم فلم تغن عنهم من الله شيئاً:

فإذا أصاب الإنسان شدّة أوضُرٌّ، دعا الله أن يُفرِّج عنه، فإذا كشف عنه ما أصابه، وأعطاه نعمة منه عاد كافراً، وقال: إنما الذي أوتيتُه على علم. بل ذلك فتنة يبتلي الله بها عباده؛ ولكن أكثرهم لا يعلمون؛ فيعدُّون الفتنة منحة. قد قال مقالتهم هذه مَن قبلهم من الأمم الخالية المكذبة، فما أغنى عنهم حين جاءهم العذاب ما كانوا يكسبونه من الأموال والأولاد. فأصابهم وبال سيئات ما كسبوا من الأعمال، والذين ظلموا أنفسهم من هذه الأمّة سيصيبهم أيضاً ما أصاب الذين من قبلهم، وما هم بمعجزين الله.

أولم يعلم هؤلاء أن رزق الله للإنسان لا يدل على حسن حال صاحبه، فإن الله يوسِّع الرزق لمن يشاء، ويضيِّقه على مَن يشاء، وفي ذلك التوسيع والتضييق في الرزق لَدلالات واضحات لقوم يُصدِّقون أمر الله ويعملون به.

039.7.3.11- الآيات (62، 63) إن في خلق الله للأشياء كلها وفي ملكه مفاتيح خزائن السماوات والأرض وتصرفه فيها لخير دليل على توفيق من أطاعه وخسران من عصاه:

هذه الآيات تؤكد ما قبلها وما بعدها من الآيات التي تتحدث عن نجاة المتقين وهلاك المكذبين. فالله تعالى هو خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وهو على كل شيء حفيظ يدَبِّر جميع شؤون خلقه. وله مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يعطي منها خَلْقَه كيف يشاء.

039.7.4- الإشارة إلى عدد آيات القصص والأمثال والآيات وباقي الموضوعات في السورة:

039.7.4.1- آيات القصص: 0 آية.

039.7.4.2- قصص يوم القيامة في الآيات: (15-20، 24-26، 30-35، 56-61، 67-75) = 30 آية.

039.7.4.3- الأمثال في الآيات: (4، 8، 9، 22، 23، 27-29، 36-38، 47-51، 64-66) = 19 آية.

039.7.4.4- آيات الله في السماوات والأرض في الآيات: (5، 6، 21، 42-46، 52، 62، 63) = 11 آية.

039.7.4.5- مقصد السورة وموضوعاتها في الآيات: (1-3، 7، 10-14، 39-41، 53-55) = 15 آية.

039.8 تناسب وتناسق السورة مع غيرها من السور:

039.8.0- الزمر هي الثالثة في الربع الأخير من القرآن والذي يدعو إلى الهدى والدين بأسلوب عملي، جاءت لتبيّن عظيم منافع الصبر والإخلاص لله في العبادة، بعد أن مُهّد له في السورتين السابقتين بإبطال نقيضه. ففي الصّافات تمّ إبطال كلّ مزاعم الكافرين: من أن القرآن سحر، والرسول ساحر، وإنكار البعث، وجعل البنات والبنين والأنساب لله، واستعجال العذاب؛ وفي ص تمّ إبطال: عبادة الأوثان، وزعمهم بتعدد الآلهة والشركاء، واستكبارهم وعنادهم. وقد تكرر في الزمر {اعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} 3 مرات، وأن العبادة تكريم لهم في الدنيا ونعيم في الآخرة، وتقدّم في الصافات تكرار صدق ونجاة {عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} 5 مرات، وفي “ص” أن الشيطان سوف يغوي الناس أجمعين {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)}. وسيأتي بعد الزمر سبع سور تؤكّد عظيم نعمة الإخلاص لله، وهي سور الحواميم السبعة تتحدّث مجتمعة عن أنّ القرآن الذي أنزله الله رحمة للأمّة الخاتمة بشيراً ونذيراً، يأمر الناس بالعبادة ليغفر لهم وليفوزوا، ويحذرهم من المعصية لكي لا يخسروا، وبيّنت أن في القرآن كل وسائل ودواعي الإيمان، من الحجج والبراهين والآيات، والإشارات والدلائل الكونية في السماوات والأرض وفي الأنفس وغيرها، لينصتوا له ويتدبروا آياته فيؤمنوا، لكن أكثر الناس انشغلوا عنه بأهوائهم ونعم الله عليهم، فأعرضوا ولم يؤمنوا، فالإنسان للأسف لا يعرف الله إلا في الشدة وينساه في الرخاء.

 

039.8.1- سورة الزمر مع سورتي “ص” والصافات:

تبين سورة الصافات أن الله سبحانه وتعالى عظيم فوق كل ما يتصوره الإنسان، فعلى الإنسان الاعتراف بربوبيته وعبادته، وفي ذلك النجاة والفوز العظيم، وفي عبادة غيره العذاب والجحيم والهلاك. وسورة ص تبين عناد الإنسان وتشككه وعدم اعتباره بالحق وإعراضه عنه، وتدافع عن صدق الوحي إلى محمّد عليه السلام، وأن ما جاء به هو الحق، وأنه إنذار بأن الإنسان مجازى على أعماله في الدنيا، قبل الحساب في الآخرة، وختام السورة يقول {ولتعلمن نبأه بعد حين (88)}. وختام سورة الزمر تقول {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75)}. ثمّ تليها الحواميم وكأنها تبين أن الله يريد أن يرحم عباده فيفوزوا في يوم القضاء يوم النبأ الذي سيعلمونه بعد حين.

وقد تكررت من قبل في سورة الصافات {عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} 5 مرات، وذكر في “ص” أن الشيطان سوف يغوي الناس أجمعين إلا عباد الله المخلصين {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)}، وتكررت في الزمر {أعبد الله مخلصاً له الدين} 3 مرات، وبينت الزمر أن المقصد من وجود الناس على الأرض هو الإخلاص لله بالعبادة، وأن العبادة تكريم لهم في الدنيا ونعيم في الآخرة.

 

039.8.2- سورة الزمر مع سورة الأنعام:

تكررت في سورة الزمر معاني سورة الأنعام. مع اختلاف الأسلوب وطريقة السياق، فالمعاني نفسها التي وردت في الأنعام جاءت بطريقة مختصرة في سورة الزمر. فقد افتتحت الأنعام بِ {الحمد لله} على نعمة الخلق، واختتمت بجعله سبحانه الناس {خلائف الأرض (165)} ليبلوهم فيم آتاهم من النعم. كما افتتحت سورة الزمر بالإشارة إلى نعمة نزول الكتاب بالحق: وهو العبادة والتوحيد، واختتمت بِ {الحمد لله} على وراثة الأرض طريق الجنّة وقضاء الله بالحق في الآخرة:

السورتان تقرران جلال قدر الله ونفاذ قضائه وحكمه في مخلوقاته وقوله فيهم، وتوجيهه لهم إلى ما فيه مصلحتهم وهدايته لهم، ليؤمنوا ويعملوا الصالحات. وفيه إشارة إلى أن الله تعالى هو الواحد، والخالق، والمدبر، وهو الملك، وصاحب القول، والقرار، فهو يأمر ويقرر، وعلى الإنسان وجميع المخلوقات أن تسمع (فقط) وتطيع ولا تشرك بعبادته أحداً. وفيه إشارة إلى تقرير خلق الله للأشياء، وتأكيده، واستحقاق الله الحمد، ولا ينبغي لمخلوق أن يكفر بخالقه. لكن في الأنعام تركز في موضوعاتها على أن الإيمان بالله وحده واتباع أوامره ونواهيه يجلب للناس النعيم والسعادة (الإيمان بأركانه الستة: الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره)، وفي الزمر أن عبادة الله وحده مخلصين له الدين تجلب السعادة والنعيم للناس في الدنيا والآخرة.

اقرأ بتدبر وتأمل سورة الأنعام وهي أطول سور مكيّة، ثم اقرأ بالطريقة نفسها سورة الزمر كيف تكررت المعاني مع اختلاف الأسلوب وطريقة السياق، فالمعاني نفسها التي وردت في الأنعام جاءت بطريقة مختصرة في سورة الزمر. لقد تحدثت السورتان عن نعم الله على الإنسان، وعن خلق السماوات والأرض وخلق الأنسان من نفس واحدة وإنزال الماء من السماء وبسط الرزق وإنزال الكتاب، وأنه ليس له ولد وهو غني عن الناس وإليه مرجعهم فيغفر ويعذب وبيده الضر والنعمة، إلخ. انظر كيف افتتحت الأنعام بِ {الحمد لله (1)} عند ذكر نعمة الخلق وجعل الظلمات والنور واختتمت الزمر بها بل تكررت عند ذكر نعمة التوحيد، ونعمة وراثة الأرض طريق إلى الجنة، ونعمة القضاء بالحق في الآخرة في الآيات (29، 74، 75). وتكرر في السورتين الأمر للرسول عليه السلام بالرد على العاصين بقول {قل إني أخاف إن عصيت ربّي عذاب يوم عظيم) الآية (13) الزمر و(15) الأنعام، وتكرر ذكر مسئولية كل إنسان عن أوزاره {ولا تزر وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم} الآية (7) الزمر و(164) الأنعام، وتكرر ذكر صفة الإنسان بعدم تقدير الله حق قدره {وما قدروا الله حق قدره} الآية (67) الزمر و (91) الأنعام. كذلك تكرر معنى {لو أراد أن يتخذ ولداً (4)} الزمر في الآية (101) الأنعام، (الواحد القهار (4)} الزمر في الآية (18) الأنعام، {من الأنعام ثمانية أزواج (6)} الزمر في الآية (143) الأنعام، {خلقكم من نفس واحدة (6)} الزمر في الآية (98) الأنعام، {إذا مس الإنسان ضرّ دعا (8 + 49)} و{إن أرادني الله بضر (38)} الزمر في الآيات (17 + 63) الأنعام، {وأمرت لأن أكون أول المسلمين (12)} الزمر والآية (163) الأنعام، {اولئك الذين هداهم الله (18)} الزمر والآية (90) الأنعام، {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءاً (21)} الزمر والآية (99) الأنعام، {أفمن شرح الله صدره للإسلام (22)} الزمر والآية (125) الأنعام، {فمن أظلم ممن كذب على الله (32)} الزمر والآية (21 + 93) الأنعام، {ومن يهد الله فماله من مضل (37)} الزمر والآية (117 + 125) الأنعام، {الله يتوفى الأنفس حين موتها (42)} الزمر والآية (60) الأنعام، {قل اللهم فاطر السماوات والأرض (46)} والآية (14) الأنعام، {يأتيكم العذاب بغتة (55)} الزمر والآية (47) الأنعام، معنى {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ (56)} الزمر والآية (31) الأنعام، ومعنى الآية (58) الزمر والآية (27) الأنعام، وهكذا.

039.8.3- قال الإمام جلال الدين السيوطي: لا يخفى وجه اتصال أولها بآخر “ص” حيث قال في “ص” {إِن هو إِلا ذكر للعالمين (87)} ثم قال هنا {تنزيل الكتاب من اللَهِ (1)} فكأنه قيل‏: هذا الذكر تنزيل وهذا تلاؤم شديد بحيث أنه لو أسقطت البسملة لالتأمت الآيتان كالآية الواحدة وقد ذكر الله تعالى في آخر ‏”‏ص”‏ قصة خلق آدم وذكر في صدر هذه قصة خلق زوجه وخلق الناس كلهم منه وذكر خلقهم في بطون أمهاتهم خلقاً من بعد خلق ثم ذكر أنهم ميتون ثم ذكر وفاة النوم والموت ثم ذكر القيامة والحساب والجزاء والنار والجنة وقال‏: {وقَضى بينَهُم (69+75)‏} فذكر أحوال الخلق من المبدأ إلى المعاد متصلاً بخلق آدم المذكور في السورة التي قبلها.

039.8.4- وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بنيت سورة ص على ذكر المشركين وعنادهم وسوء ارتكابهم واتخاذهم الأنداد والشركاء، ناسب ذلك ما افتتحت به سورة الزمر من الأمر بالإخلاص الذي هو نقيض حال من تقدم، وذكر ما عنه يكون وهو الكتاب، فقال تعالى {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1)} {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين (2)} {ألا لله الدين الخالص (3)} وجاء قوله تعالى {والذين اتخذوا من دونه أولياء (3)} – الآية في معرض أن لو قيل: عليك بالإخلاص ودع من أشرك ولم يخلص، فسترى حاله، وهل ينفعهم اعتذارهم بقولهم {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى (3)} وهؤلاء هم الذين بنيت سورة ص على ذكرهم، ثم وبخهم الله تعالى وقرعهم فقال {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى (4)} – الآية، فنزه نفسه عن عظيم مرتكبهم بقوله سبحانه {هو الله الواحد القهار (4)} ثم ذكر بما فيه أعظم شاهد من خلق السماوات والأرض وتكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل وذكر آيتي النهار والليل ثم خلق الكل من البشر من نفس واحدة، وهي نفس آدم عليه السلام، ولما حرك تعالى إلى الاعتبار بعظيم هذه الآيات وكانت أوضح شيء وأدل شاهد، عقب ذلك بما يشير إلى معنى التعجب من توقفهم بعد وضوح الدلائل، ثم بين تعالى أنه غني من الكل بقوله {إن تكفروا فإن الله غني عنكم (7)} ثم قال {ولا يرضى لعباده الكفر (7)} فبين أن من اصطفاه وقربه واجتباه من العباد لا يرضى له بالكفر، وحصل من ذلك مفهوم الكلام أن الواقع من الكفر إنما وقع بإرادته ورضاه لمن ابتلاه به ثم أنس من آمن ولم يتبع سبيل الشيطان وقبيلته من المشار إليهم في السورة قبل فقال تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى (7)}، {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم (7)} الأسراء، {ولا تكسب كل نفس إلا عليها (164)} الأنعام، ثم تناسجت الآي والتحمت الجمل إلى خاتمة السورة.

039.8.5- راجع آخر سورة غافر (040.8).

انظر أيضاً تناسب وتناسق سورة الأحقاف مع غيرها من السور؛ وتناسب سور الحواميم مع بعضها ومع السورتين التي قبلها والتي بعدها (في 046.8.2)؛ وتناسب وتناسق الحواميم مع بعضها ومع قبلها وبعدها في (046.8.4).

انظر تناسب سورة القمر مع غيرها من السور (054.8.4).

– انظر 4.2.4.18.2.0- جدول يبيّن تناظر نصفي القرآن، ويلخص تناسب مقاصد سوره حول أن الإيمان واتباع طريق الهدى نعمة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.

– انظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد.

أعلى الصفحة Top