العودة إلى فهرس السور: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن)


064.0 سورة التغابن


ملاحظة: قبل البدئ بهذه السورة، يجب الاطلاع على ما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– تسهيل فهم وتدبّر القرآن: اضغط هنا


064.1 التعريف بالسورة:

1) سورة مدنية. 2) من المفصّل. 3) عدد آياتها 18 آية. 4) الرابعة والستون من حيث الترتيب في المصحف. 5) والثامنة بعد المائة حسب ترتيب النزول، نزلت بعد “التحريم”. 6) ليس لها أسماء أخرى.

7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة: الله 19 مرّة، هو 3 مرّات؛ (مرتين): له، يَعْلَم، عليم، خلق؛ (مرّة واحدة): لله، رب، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، بصير، قدير، خبير، غفور، يغفر، رحيم، شكور، حليم، عزيز، حكيم، حميد، غني، صور، له الملك، له الحمد، الله لا إله إلا هو، جامع، أنزل، أحسن. انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

السورة الوحيدة التي ذكرت فيها الكلمات: تغابن.

تكررت فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: (3 مرّات): السماوات، الأرض، أطيعوا، رسول، يوم؛ (مرّتين): خالدين، قرض.

064.2 فضائلها وما ورد عنها من الأثر:

064.3 وقت ومناسبة نزولها:

قال مقاتل والكلبي: هي مدنيّة ومكيّه. وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة التغابن بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وأخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة التغابن بمكة إلا آيات من آخرها نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي، شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّا لكم فاحذروهم (14)} إلى آخر السورة. وأخرج ابن اسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار نحوه. وعلى الرغم من عدم وجود دليل من داخل السورة يساعد على معرفة وقت نزولها، إلا أن موضوعها يظهر أنها من المحتمل أن تكون نزلت في بداية العهد المدني. لهذا فإن جزء منها يشبه السور المكية والجزء الآخر يشبه السور المدنية.

064.4 مقصد السورة:

064.4.1- التنبيه على حقيقة أن الناس مجموعون إلى يوم الجمع والتغابن، والدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزل، والأمر بالعمل الصالح والاستعداد ليوم الحساب والتغابن، والتحذير من الكفر والتكذيب، والاستغناء بالدنيا عن المصير في الآخرة.

مقصدها نجده في الآيات (7-9): وهو المبالغة في التحذير من أنه لا بد من البعث والحساب يوم القيامة {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثنّ ثمّ لتنبؤن بما عملتم (7)}، الدعوة إلى الإيمان {بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا (8)}، وهو القرآن. والتنبيه على أنهم مجموعون يوم الجمع الأعظم {يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن (9)}.

الناس خلقوا بالحق لتسبيح الله أي عبادته وطاعته، فمن يعبد الله ويطيعه أكثر يكون نصيبه من السعادة والفوز والدرجات أكثر، وذلك حاصل في الدنيا كما سيحصل في الآخرة في يوم اسمه التغابن. وكما هو حال السباق في التجارة، فإن من يجتهد أكثر يربح أكثر ومن لا يجتهد تضيع عليه فرصة الربح، فكذلك الإيمان والكفر والاستعداد ليوم الجمع، وهو يوم يحصل فيه التغابن، فمن يؤمن ويعمل صالحاً يفوز الفوز العظيم بدخول الجنات، ومن يكفر ويكذب ويعمل السيئات فهو من أصحاب النار وبئس المصير.

064.4.2- وقال الإمام البقاعي: مقصودها الإبلاغ في التحذير مما حذرت منه المنافقون بإقامة الدليل القاطع على أنه لا بد من العرض على الملك للدينونة على النقير والقطمير يوم القيامة يوم الجمع الأعظم، واسمها التغابن واضح الدلالة على ذلك، وهو أدل ما فيها عليه فلذلك سميت به.

064.5 ملخص موضوع السورة:

خلق العباد أمّة واحدة ثمّ تفرّقوا إلى طريقين باختيارهم وعملهم وكسبهم: {فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ (2)}. سبق علمه بذلك، وجعل لهم بقضائه وقدره إرادة وقدرة وتمكيناً، وأقام الحجّة عليهم والعذر وقد سبق علمه بما هم فاعلون، فخلق الكون بالحقّ وصوّر الإنسان بأحسن صورة، ويعلم سرّهم وجهرهم ويعلم ما في صدورهم وإليه مصيرهم. وتضمنت السورة ثلاث مجموعات من الآيات تعلمهم أن الله خلق الوجود لعبادته وتسبيحه وحمده، وأنه من يطيع ويفعل ذلك من الناس باختياره يفوز، ومن يعصي يخسر، بثلاث طرق تخاطب العقل والقلب والجسد مجتمعة وهي: (4 آيات) كلام الله، ثم (6 آيات) دروس وعبر من تجارب كفر وهلاك الأمم، ثمّ (8 آيات) عن آيات الله المقروءة في الكتاب وفي الكون بالسمع والبصر والفؤاد، كما يلي:

(الآيات 1-4): الإعلام بأربع حقائق هي: أن الكون يسبح لله {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)}. وجعل منهم بسابق علمه المؤمن والكافر، وجعل بقضائه وقدره لهم قدرة وعملاً وإرادة بها يتمكنون من فعل ما يريدون {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2)}. وخلق الكون بالحق وعلم وحكمة وأحسن خلق الإنسان وتصوير {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)} فيجازيهم على الإيمان والكفر. ويعلم كلّ شيء وما يسّرون وما يعلنون {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4)}.

الآيات (5-10): دروس وعبر من قصص الذين كفروا {فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5)} لسببين، الأوّل: رفضهم الإيمان بالرسل فيتركهم تعالى يهلكون أنفسهم بقوانينهم الخاطئة. والثاني: رفضهم الإيمان باليوم الآخر مما يفسد فهمهم للحياة وبالتالي تفسد أخلاقهم فيهلكهم بذنوبهم. ثم أمرهم بما يعصمهم من الهلكة بالإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزل، وتحذيرهم من اليوم الذي سيجمع فيه الأولون والآخرون {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ (9)} والذي سيظهر فيه الفرق والتفاوت الكبير بين الخلائق، أي: للمؤمنين فوز عظيم وخلود في الجنّة وللكافرين بؤس وخلود في النار.

الآيات (11-18): تخاطب المؤمنين بخمسة أشياء، أولاً: أن جميع ما أصاب العباد فبقضاء الله وقدره {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (11)} في علمه وعمله وجميع أحواله وأقواله وأفعاله، ثانياً: الأمر بطاعة الله ورسوله وذلك بامتثال أمرهما واجتناب نهيهما، ثالثاً: الاعتماد والتوكّل على الله في كل الأمور، رابعاً: التحذير من الاغترار بالأزواج والأولاد فإن بعضهم عدوّ لكم {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)}، خامساً: الأمر بتقوى الله بالسمع والطاعة والإنفاق واجتناب نواهيه بقدر ما يستطيعه الإنسان، لأن في ذلك الخير والفلاح والقرض الحسن المضاعف الأجر والربح {يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)}.

اللهم اهد قلوبنا واجعلنا مع الذين آمنوا بك وبرسولك والنور الذي أنزلت، واكتبنا مع السابقين المفلحين الفائزين.

064.6 بعض التفاصيل عن موضوع السورة:

يدور مقصد السورة وموضوعاتها حول تغابن الناس أي تسابقهم في الفوز والحصول على أعلى الدرجات كما يحصل عند السبق في التجارة، فيرى من هو اعلى منه منزله بأنه غبنه في السبق إلى الربح العظيم المضاعف، أو حصل على المنزلة العالية بالإكثار في العمل الصالح والسبق في الخيرات، ويرى أهل النار أن أهل الجنة غبنوهم بالمبادرة إليها بينما أصحاب النار غافلون قد غرتهم الحياة الدنيا واطمأنوا بها مفضلينها جهلاً على الآخرة حتى خسروا كلّ شيء. الله لم يخلق الناس ليبقوا في هذه الدنيا خالدين، بل خلقهم ليسبّحوه ويحمدوه حالهم كحال الذين يسبحون في السماوات والأرض. وهم هنا ليختبرهم بالعمل ويفاضل بينهم في الأجر والدرجات، فمنهم مؤمن يعمل الصالحات فيدخل الجنة وذلك هو الفوز العظيم، ومنهم كافر مكذب بآيات الله فمصيره النار وبئس المصير.

تنقسم السورة باعتبار مقصدها وترتيب آياتها إلى ثلاثة موضوعات كما يلي:

064.6.1- الحديث عن جميع المخلوقات بمن فيهم الناس بأنهم خلقوا بالحق، وهو نقيض الباطل، من أجل أن يؤمنوا بالله فيعبدوه ويطيعوه، ونقيضه أن يكفروا بالله فيشركوا ويعصوا أوامره ويخالفوا شرعه:

الآيات (1-4) كل ما في السماوات والأرض مطيع لله يسبحه ويحمده. والناس ليسوا استثناء لكنهم مخيّرون فمنهم مؤمن ومنهم كافر.

الله خلق السماوات والأرض بالحق، والحق هو عكس الباطل، وصوّر الإنسان فأحسن صورته، والحق والحكمة أن جزاء ذلك الإحسان هو مقابلته بالإحسان، وذلك بطاعة الخالق الذي أبدع بالحق وأحسن، وفي طاعة الخالق (أي تسبيحه وعبادته) تتحقق سعادة الإنسان وفوزه، وقد تكرر ذكر خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق كثيراً في القرآن، والحق دائم لا يزول، والإنسان جزء من هذا الحق الذي لا يزول، صحيح أن الله خلق الموت والحياة لكن هذا الخلق جعله الله ليبتلي الناس أيهم أحسن عملا، فإذا جاء يوم الجمع فلا موت بعده ولا عمل، ولكن فوز عظيم ونعيم دائم في الجنة، أو عذاب خالد في النار، ودرجات متفاوتة أقيمت الحجة عليهم باستحقاقها بسبب أعمال الناس في الحياة الأولى، وسيعلمون نتيجتها في يوم التغابن.

064.6.2- الحديث عن الكفار وعن سبب كفرهم ومصيرهم، وأنهم قد أتتهم الرسل تبين لهم أنهم مجموعون ومحاسبون على أعمالهم في يوم التغابن:

الآيات (5-6) الأمم السابقة استؤصلت وهلكت بالعذاب لأنها لم تطع ربها ولم تتبع الرسل.

الآية (7) الله كما حاسب الناس على أعمالهم في الدنيا وهو دليل على أنه خبير بأعمالهم وسيحاسبهم عليها في الآخرة كما حاسبهم عليها في الدنيا، فيأمرهم بالإيمان مختارين.

الآية (8) الله أمرهم بأن يؤمنوا به وبرسوله وكتابه وجعل لهم الدليل في الخلق والآيات والأنباء.

الآيات (9، 10) ينبئهم بأنه سيجمعهم ويفاضل بينهم في الأجر والدرجات فمنهم مؤمن يعمل الصالحات فيدخل الجنة وذلك هو الفوز العظيم ومنهم كافر مكذب بآيات الله فمصيره النار وبئس المصير.

064.6.3- تأمر المؤمنين بطاعة الله والرسول واتباع الكتاب والإنفاق، تبين لهم سبيل النجاة وهو التوكل على الله وعبادته وعدم الانشغال عن ذلك بالأموال والأزواج والأولاد (لأنها كلّها أسباب ووسائل لاستمرار الحياة وليست هدف وجود الإنسان على الأرض):

الآيات (11-13) الله يهدي قلب المؤمن فيعلم المؤمن بأن ما أصابه من مصيبة فبأذن الله. ويعلم أن كل شيء هو من الله فيتوكل عليه ويطيع الله ويطيع رسوله ومن يتول فحسابه عند ربه فالرسول مبلغ عن ربه.

الآيات (14-15) يحذر سبحانه وتعالى من الأموال والأولاد والأزواج، وقد جعلهم الله فتنة وقد يكون منهم أعداء، فليعفوا وليصفحوا وينتظروا الأجر من الله.

الآيات (16-18) الخلاصة: تقوى الله والسمع والطاعة والإنفاق، والإنفاق هو الخير (وفيه الدليل على التوكل على الله لفائدة الفرد، وهو يتعدى النفس الشحيحة فيفيد الناس والمجتمع يمنع العداوات ويبعد الفتن ويصل الناس) فهو قرض حسن يضاعفه الله، الله عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.

064.7 الشكل العام وسياق السورة:

064.7.1- سميت بهذا الاسم لاشتمالها على التغابن من جانب كلا المؤمنين بعدم زيادة الطاعة والكافر لتركه الإيمان. والتغابن اسم من أسماء القيامة. وهي السورة الوحيدة التي ذكرت فيها كلمة التغابن ومعناها في اللغة: البيع بثمن كبير أو فاحش، أو الشراء بثمن قليل يبخس السلعة قيمتها الحقيقية، كأن يبيع ما يساوي خمسة بثلاثة، أو يشتري ما قيمته ثلاثة بخمسة.

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {ذلك يوم التغابن (9)} قال: غبن أهل الجنة أهل النار. وروي عن مجاهد مثله. وقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنّة، ويذهب بأولئك إلى النار.

وهو الفرق والتفاوت الكبير بين الخلائق، في يوم جمع الله الأولين والآخرين. يرفع أقوام إلى أعلى عليين، في الغرف العاليات، والمنازل المرتفعات، المشتملة على جميع اللذات والشهوات، ويخفض أقوام إلى أسفل سافلين، محل الهم والغم والحزن والعذاب الشديد. فيظهر التغابن: وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة، فهو أن يغبن بعضهم بعضاً لنزول المؤمنون منازل الكافرين التي كانوا ينزلونها لو كانوا مؤمنين ونزول الكافرون منازل المؤمنين التي كانوا ينزلونها لو كانوا ينزلونها لو كانوا كافرين.

وقد يكون من التغابن ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: “أتدرون من المفلس؟” قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: “إن المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النار”.

064.7.2- سياق السورة باعتبار ترتيب آياتها:

الدعوة إلى الإيمان جاءت مرتبة في الآيات (1-4) لتخاطب كل الناس والآيات (5-10) تخاطب الناس الذين لا يؤمنون بدعوة القرآن والآيات (11-18) تخاطب الذين آمنوا وقبلوا هذه الدعوة. الإيمان {بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا (8)}، وهو القرآن وما احتواه من مكارم الأخلاق، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي {واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا (16)}.

الآيات (1-4) تخاطب كلّ الناس وتطلعهم باختصار على أربعة حقائق جوهريّة وهي: أن الملك لله، فلا يخرج مخلوق عن ملكه، وهو على كل شيء قدير. وأنه لم يخلق الكون بدون غرض ولا حكمة، بل خلق بالحق وإليه المصير. وأنه خلق العباد، وجعل منهم المؤمن والكافر، فإيمانهم وكفرهم كله، بقضاء الله وقدره، وهو الذي شاء منهم ذلك، بأن جعل لهم قدرة وإرادة، بها يتمكنون من كل ما يريدون من الأمر والنهي. وأن إليه مصير المخلوقات يوم القيامة فيجازي على الإيمان والكفر فهو لا يخفى عليه شيء من السّر أو العلن.

الآيات (5-10) تخاطب الناس الذين لا يؤمنون: ببيان حقيقة من التاريخ الإنساني عن هلاك الأمم، أمّة بعد أمّة وأن هناك سببين في إهلاك هذه الأمم الأوّل: هو رفضهم الإيمان بالرسل فيتركهم الله يهلكون أنفسهم بقوانينهم الخاطئة. والثاني: هو رفضهم الإيمان باليوم الآخر مما يفسد فهمهم للحياة وبالتالي تفسد أخلاقهم فيهلكهم الله بذنوبهم. فتحذرهم الآيات وتأمرهم بما يعصمهم من الهلكة وهو الإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزل. وتحذرهم من اليوم الذي سيجمع فيه الأولين والآخرين، والذي سيظهر فيه الفرق والتفاوت الكبير بين الخلائق، أي للمؤمنين فوز عظيم وخلود في الجنّة وللكافرين بؤس وخلود في النار.

الآيات (11-18) تخاطب المؤمنين وتأمرهم بخمسة أوامر مهمّة: أولها أن جميع ما أصاب العباد فبقضاء الله وقدره. ومن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وصدق إيمانه بالقيام بلوازمه وواجباته، فيكون هذا أكبر سبب لهداية الله له في أحواله وأقواله وأفعاله وفي علمه وعمله. الثاني: إطاعة الله ورسوله وذلك بامتثال أمرهما واجتناب نهيهما. الثالث: الاعتماد على الله في كل الأمور. الرابع: تحذير من الله للمؤمنين، من الاغترار بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدوّ لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر. الخامس: يأمر الله بتقواه والذي هو امتثال أوامره واجتناب نواهيه بقدر ما يستطيعه الإنسان. ولا يكلّفه أكثر من طاقته. واسمعوا وأطيعوا، فإن الخير كله في امتثال أوامر الله تعالى وقبول نصائحه، والانقياد لشرعه، والشرّ كلّه في مخالفة ذلك.

064.7.3- سياق السورة باعتبار مقصدها وهو مصير الناس يوم التغابن:

جاء مقصد السورة وهو البشارة لمن يؤمن ويعمل صالحاً والنذارة لمن يكفر ويكذب ولا يعمل ليوم الجمع في الآيتين (9، 10). ثم ثمانية آيات قبلها تبين أن كل المخلوقات تطيع الله ما عدا الإنسان فهو مخيّر وأن جميع الأمم هلكت بسبب كفرها. وثمانية آيات بعدها فيها أمر المؤمنين بالطاعة وتحذرهم من الاغترار بالدنيا، كما يلي:

064.7.3.1- الآيات (1-4) الله خلق بالحق وصوّر وأحسن وإليه المصير وهو بذلك يستحق أن يعبد ويسبح له ويحمد. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. لذلك نجد أن كل من في السماوات والأرض يسبح لله ويحمده ويعبده، أما الناس فهم تجاه رسالة ربهم مخيرون بعبادته انقسموا فريقين فريق مؤمن وآخر كافر.

064.7.3.2- الآيات (5-8) أن الأمم السابقة استؤصلت وهلكت بالعذاب لأنها لم تطع ربها ولم تتبع الرسل، وكما حاسب الله الناس على أعمالهم في الدنيا، سيحاسبهم عليها في الآخرة. فأمرهم بالإيمان مختارين، وجعل لهم الدليل بإرسال الرسل، وفي تسبيح الخلائق، وفي الآيات، والأنباء عما سبق من مصائر الأمم، وعما هو قادم في الآخرة.

064.7.3.3- الآيات (9، 10) مقصد السورة هو البشارة والنذارة والأمر بالاستعداد ليوم الجمع، وهو يوم يحصل فيه التغابن بين الناس، في ذلك اليوم يفوز الذين آمنوا وعملوا الصالحات الفوز العظيم بدخول الجنات، والذين كفروا وكذبوا ولم يعملوا فهم من أصحاب النار وبئس المصير.

064.7.3.4- الآيات (11-18) تقرر للمؤمنين بأن كل ما أصابهم فهو من الله. لذلك تأمرهم بالإيمان بالله وطاعته وطاعة رسوله والتوكل على الله وحده، وتحذرهم من الاعتماد والاغترار بالأموال والأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدوّ لهم. وكذلك تأمرهم بتقوى الله بقدر ما يستطيعونه وطاعته بالإنفاق، ليحصلوا بذلك على الفلاح والأجر المضاعف والمغفرة.

064.7.4- سياق السورة باعتبار القصص والآيات الموجودة فيها:

القصص هنا هو مثال عملي وحيّ لكي نفهم مقصد السورة وباقي الموضوعات المذكورة فيها، وكذلك الآيات، كما يلي:

064.7.4.1- الآيات (5-10) آمنوا ولا تكفروا لأنكم مخلوقون لتؤمنوا فتفوزا: هي قصة متكررة عند جميع الأمم السابقة، كفروا فأهلكوا في الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة، أتتهم الرسل بالبينات فكفروا وتولوا واستغنى الله عنهم فهو غني حميد. وزعم الكفار من الأمم السابقة، وكذلك كفار الوقت الحاضر أنهم لن يبعثوا، فأكدت لهم الآيات أنهم سيبعثون وينبئون بما عملوا، وأمرتهم بأن آمنوا بالله والرسول والكتاب، لأنهم محاسبون ومجازون على أعمالهم، وهم مقبلون على يوم الجمع والتغابن، الذي فيه إما فوز أو خسارة.

064.7.4.2- الآيات (1-4) الحقيقة التي يغفل عن تأملها الناس وتخبر عنها الآيات هي أن كل المخلوقات تسبح الله الذي خلقها، وقد خلقها بالحق وليس بالباطل، وليس لعباً ولهواً. فمن الناس من يكفر ومنهم من يؤمن، والنتيجة هي إمّا هلاك أو نجاة في الدنيا، ثم وفي يوم الجمع والتغابن إما فوز عظيم أو خسران وبئس المصير.

الله له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير: خلق الناس (ولم يكونوا شيئاً) فكان منهم (باختياره) كافر ومنهم (باختياره) مؤمن (عرفوا) بأعمالهم (تدل على ذلك) والله بصير بها. خلق السماوات والأرض وجعل الناس بأحسن صورة وإليه المصير فيجازي كلا بعمله (كافر أو مؤمن). يعلم سبحانه وتعالى كل ما في السماوات والأرض، ويعلم ما تخفونه وما تظهرونه. والله عليم بما تضمره الصدور وما تخفيه النفوس.

064.7.4.3- الآيات (11-18) كل ما يجري في حياة الناس وكل ما يصيبهم فهو من الله، فأطيعوه وأطيعوا رسوله وتوكلوا عليه ولا تطيعوا غيره واحذروا الأزواج والأولاد، وأنفقوا من المال الذي اعطاكم اياه الله فالدنيا تفسد بدون إنفاق المال، الذي جعله الله وسيلة لإعمار الدنيا ولتبادل المصالح والمنافع وليس للتخزين.

064.7.5- الإشارة إلى عدد آيات القصص والأمثال والآيات وباقي الموضوعات في السورة:

064.7.5.1- القصص في الآيات (5-7) = 3 آيات

064.7.5.2- قصص يوم القيامة في الآيات (9، 10) = 2 آية

064.7.5.3- الآيات (1-4) = 4 آيات

064.7.5.4- مقصد السورة وموضوعاتها في الآيات: (8، 11-18) = 9 آيات

064.8 تناسب وتناسق السورة مع غيرها من السور:

064.8.0- هذه السورة هي آخر المسبّحات الخمسة: الحديد، الحشر، الصف، الجمعة، التغابن، وهي كلّها مدنيّة؛ تبدأ الآية الأولى في كلٍّ منها بتسبيح الكون لله، أي إبعاده عن السوء وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، وتنتهي بأن الله {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} عزيز في ملكه حكيم في تصريف شؤونه، ماعدا التغابن تنتهي بأنه {لَهُ الْمُلْكُ} والقدرة والتصرّف والتقدير، {وَلَهُ الْحَمْدُ} على ما أنعم من خير ورزق وهداية، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} وذلك لجمعه الناس في يوم التغابن.

ولمّا سمّيت “التغابن” وهو من أسماء القيامة، ويعني: البيع بثمن كبير أو فاحش، أو الشراء بثمن قليل يبخس السلعة قيمتها الحقيقية، وهو من التغابن في التجارة، ولا غبن يوم القيامة أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنّة، ويذهب بأولئك إلى النار. وهي الوحيدة التي ذكر فيها التغابن، يتوسطها (الآيتين 9، 10)، وثماني آيات قبلها تبين أن كل المخلوقات تطيع الله ما عدا الإنسان فهو مخيّر، وأن جميع الأمم هلكت بسبب كفرها، وثماني آيات بعدها فيها أمر المؤمنين بالطاعة وتحذيرهم من الاغترار بالدنيا، وأن جميع أعمالهم وتجارتهم مع الله هي تجارة وقرض رابح {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17)}. وهذا هو مقصود السور المسبحة: ففي الحديد قال تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)}، {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)}؛ وفي الحشر: قصّة إخراج الظالمين من ديارهم وأخذ أموالهم والإفاءة بها على المؤمنين ثم عذابهم في النار؛ وفي الصف: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)}؛ وفي الجمعة: {وَذَرُوا الْبَيْعَ (9)}، {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ (11)}.

064.8.1- قال الإمام جلال الدين السيوطي: لما وقع في آخر سورة المنافقون‏:‏ {وأَنفِقوا ممّا رَزقناكُم مِن قبلِ أَن يأَتي أَحدكُم الموت (10)} عقب بسورة التغابن لأنه قيل في معناه‏:‏ إن الإنسان يأتي يوم القيامة وقد جمع مالاً ولم يعمل فيه خيراً فأخذه وارثه بسهولة من غير مشقة في جمعه فأنفقه في وجوه الخير فالجامع محاسب معذب مع تعبه في جمعه والوارث منعَّم مثاب مع سهولة وصوله إليه وذلك هو التغابن فارتباطه بآخر السورة المذكورة في غاية الوضوح ولهذا قال هنا‏: {وأَنفِقوا خيراً لأَنفُسَكُم ومَن (16)} وأيضاً ففي آخر تلك‏:‏ {لا تُلهِكُم أَموالِكُم وَلا أَولادكُم عَن ذكرِ اللَهِ (9)} وفي هذه‏:‏ {إِنَّما أَموالكُم وأَولادكم فتنة (15)} وهذه الجملة كالتعليل لتلك الجملة ولذا ذكرت على ترتيبها وقال بعضهم‏:‏ لما كانت سورة المنافقون رأس ثلاث وستين سورة أشير فيها إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله‏: {ولَن يؤخِر اللَهُ نفساً إِذا جاءَ أَجَلُها (11)} فانه مات على رأس ثلاث وستين سنة وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم.

064.8.2- وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بسط في السورتين قبل من حال من حمل التوراة من بني إسرائيل ثم لم يحملها، وحال المنافقين المتظاهرين بالإسلام، وقلوبهم كفرا وعناداً متكاثفة الإظلام، وبين خروج الطائفتين عن سواء السبيل المستقيم، وتنكبهم عن هدى الدين القويم، وأوهم ذكر اتصافهم بمتحد أوصافهم خصوصهم في الكفر بوسم الانفراد وسماً ينبئ عن عظيم ذلك الإبعاد، سوى ما تناول غيرهم من أحزاب الكفار، فأنبأ تعالى عن أن الخلق بجملتهم وإن تشعبت الفرق وافترقت الطرق راجعون بحكم السوابق إلى طريقين فقال تعالى {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن (2)} التغابن، وقد أوضحنا الدلائل أن المؤمنين على درجات، وأهل الكفر ذو طبقات، وأهل النفاق أدونهم حالاً وأسوأهم كفراً وضلالاً {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار (145)} النساء، وافتتحت السورة بالتنزيه لعظيم مرتكب المنافقين في جهلهم ولو لم تنطو سورة المنافقين من عظيم مرتكبهم إلا على ما حكاه تعالى من قولهم {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل (8)} المنافقين، وقد أشار قوله تعالى {يعلم ما في السماوات وما في الأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور (4)} التغابن، إلى ما قبله وبعده من الآيات إلى سوء جهل المنافقين وعظيم حرمانهم في قولهم بألسنتهم مما لم تنطو عليه قلوبهم {والله يشهد أن المنافقون لكاذبون (1)} المنافقين، واتخاذهم أيمانهم جنة وصدهم عن سبيل الله إلى ما وصفهم سبحانه به، فافتتح سبحانه وتعالى سورة التغابن بتنزيهه عما توهموه من مرتكباتهم التي لا تخفى عليه سبحانه {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم (78)} التوبة، ثم قال تعالى: {ويعلم ما تسرون وما تعلنون (4)} التغابن، فقرع ووبخ في عدة آيات ثم أشار إلى ما منعهم من تأمل الآيات، وصدهم عن اعتبار المعجزات، وأنه الكبر المهلك غيرهم، فقال تعالى مخبراً عن سلفهم في هذا المرتكب، ممن أعقبه ذلك أليم العذاب وسوء المنقلب {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا (6)} التغابن، ثم تناسج الكلام معرفاً بمآلهم الأخروي ومآل غيرهم إلى قوله {وبئس المصير (10)} التغابن.

راجع تناسب سورة الحديد مع غيرها من السور (057.8). حول موضوعات: اسم الله الأعظم، والإنفاق في سبيل الله، والتسبيح في القرآن.

راجع تناسب سورة المجادلة مع غيرها من السور (058.8.1.4 و 058.8.1.5). حول ترابط السور المدنية العشرة مع بعضها، من الحديد إلى التحريم.

راجع تناسب سورة التحريم مع غيرها من السور (066.8). حول ترابط السور المسبحة مع بعضها، ومع ما تلاها من السور المدنية، ومع سورتي الإسراء والأعلى المكّيتين. ومع ما قبلها من بداية سورة الفاتحة حتى سورة الواقعة.

– انظر 4.2.4.18.2.0- جدول يبيّن تناظر نصفي القرآن، ويلخص تناسب مقاصد سوره حول أن الإيمان واتباع طريق الهدى نعمة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.

– انظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد.

أعلى الصفحة Top