العودة إلى فهرس السور: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن)


107.0 سورة الماعون


ملاحظة: قبل البدئ بهذه السورة، يجب الاطلاع على ما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– تسهيل فهم وتدبّر القرآن: اضغط هنا


107.1 التعريف بالسورة:

1) سورة مكية أو مدنية. 2) من المفصّل. 3) عدد آياتها 7 آيات. 4) السابعة بعد المائة من حيث الترتيب في المصحف. 5) والسابعة عشرة حسب ترتيب النزول، نزلت بعد سورة “التكاثر”. 6) أسماء أخرى للسورة: وتسمّى أيضاً سورة الدّين وسورة أرأيت.

7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة: لم يذكر فيها لفظ الجلالة {الله} أو أيّ من أسماءه وصفاته. انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

السورة الوحيدة التي ذكرت فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: الماعون 1 مرّة.

تكررت فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: (2 مرّة): المصلين، الذي، الذين، هم (1 مرّة): أرأيت، يكذب، بالدين، فذلك، يدع، اليتيم، يحض، طعام، المسكين، فويل، ساهون، يراءون، يمنعون.

107.2 فضائلها وما ورد عنها من الأثر:

107.3 وقت ومناسبة نزولها:

وهي مكية في قول أكثر المفسرين. وروي عن ابن عباس وقتادة والضحاك أنهم قالوا إن هذه السورة نزلت في المدينة. وروي عن ابن عباس أيضاً، وفي (الإِتقان): قيل نزل ثلاثٌ أولها بمكة إلى قوله: {المسكين (3)}، وبقيتها نزلت بالمدينة، أي بناء على أن قوله: {فويل للمصلين (4)}، إلى آخر السورة أريد به المنافقون وهو مروي عن ابن عباس وقاله هبة الله الضرير وهو الأظهر. قال ملا حويش: وهي سبع آيات: الثلاث الأول نزلت في مكة في العاص بن وائل، والأربع الأخر نزلت في المدينة في عبد اللّه بن أبي بن سلول. وعدت السابعة عشرة في عداد نزول السور بناء على أنها مكية، نزلت بعد سورة التكاثر وقبل سورة الكافرون.

107.4 مقصد السورة:

107.4.1- إنذار وتهديد شديد بالهلاك للمكذّبين بالآخرة والحساب ويقسون على اليتيم ويحرمون المسكين من الطعام وللمصلين الذين هم ساهون عن صلاتهم ويراؤون في أعمالهم ويمنعون ماعونهم عن ذوي الحاجة إليه. فهذه أفعال وصفات المكذّبين والمنافقين والمرائين (ستة صفات)، وليست صفات المصلين الفائزين المفلحين.

المصلون المفلحون هم الذين في صلاتهم خاشعون، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)} المؤمنون، وهم أيضاً محافظون عليها، وعن اللغو معرضون، وللزكاة فاعلون، ولفروجهم حافظون، ولأماناتهم وعهدهم راعون، وبربهم لا يشركون. وفي مدحهم أيضاً قال تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة (17)} البلد، وقال: {وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر (3)} العصر.

هذه السورة تتوعّد وتهدد بالويل فئتين من الناس: المكذّب بالبعث والحساب، والمصلّي نفاقاً ورياءً، وقد ذكرت صفات المنافقون الساهون عن صلاتهم، وهم ليسوا الكفار، فالكفار لا يُصلون، وليسوا المؤمنين لأن هذه ليست من صفات المؤمنين، إنما هي تقصد وتتوعد المصلين المنافقين المرائين، أو كل الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ولا يتقيدون بأمور الدين إلا رياء وتقية، إذا حضرهم المؤمنون، ويتركونها إذا غابوا عنهم.

107.4.2- ومقصد السورة وهو التعجيب من سوء خلق المكذّبين بالحساب والجزاء فالويل لهم، نجده في الآية الرابعة {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4)} وهو تهكّم لأنهم ليسوا كذلك، أما باقي السورة فهي تعجب وتفضح صفات هؤلاء المصلين الذين استحقوا الويل. وقد تكرر في القرآن ذم وتعنيف هذه الصفات، كما قال: {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى يُرَاءونَ الناس ولا يذكرون الله إلاَّ قليلاً (142)} النساء، {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ (38)} النساء، {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)} الأنفال، {كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18)} الفجر.

{فَوَيْلٌ}: قال الفخر: واعلم أن هذا اللفظ إنما يستعمل عند الجريمة الشديدة كقوله: {وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ (1)} المطففين، {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ (79)} البقرة، {وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1)} الهمزة.

وقال الفخر أيضاً: فاعلم أن الفرق بين المنافق والمرائي؛ أن المنافق هو المظهر للإيمان المبطن للكفر، والمرائي المظهر ما ليس في قلبه من زيادة خشوع ليعتقد فيه من يراه أنه متدين، أو تقول: المنافق لا يصلي سرًا والمرائي تكون صلاته عند الناس أحسن.

107.4.3- وقال البقاعي: مقصودها التنبيه على أن التكذيب بالبعث لأجل الجزاء أبو الخبائث، فإنه يجرئ المكذب على مساوئ الأخلاق ومنكرات الأعمال حتى تكون الاستهانة بالعظائم خلقاً له فيصير ممن ليس له خلاق، وكل من أسمائها الأربعة في غاية الظهور في الدلالة على ذلك بتأمل السورة لتعرف هذه الأشياء المذكورة، فهي ناهية عن المنكرات بتصريحها، داعية إلى المعالي بإفهامها وتلويحها.

107.5 ملخص موضوع السورة:

أوّلها مكّيّة وآخرها مدنيّة، تصف أخلاق الفريقين المكذّبين بالدين وهما: في الآيات الثلاث الأولى المكّية تصف الكافر المكذب بيوم الحساب بأنّه {الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)}، والآيات الأربع الأخيرة المدنيّة تصف المكذّبين المنافقين والمرائين بأنهم {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)}. ومقصدها التعجيب من سوء خلق وصنيع المكذّبين بالدّين، وأنه الأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي، وتتوعّدهم بالويل ردعاً وتخويفاً، بعكس الإيمان ففيه الخير الكثير، كما يلي:

(الآيات 1-3): أرأيت الذي يكذّب بالدّين أي الحساب والجزاء، فذلك الذي يدُعّ اليتيم ولا يحضّ على طعام المسكين، وهما صفتان مخالفتان للحق والعدل والحكمة.

(الآيات 4-7): فويل للمصلّين المكذّبين بالدين السّاهين عن صلاتهم والمرائين المانعين الماعون، وهم المنافقون الذين خالف ظاهرهم باطنهم، والمراؤون سُمعة وإرضاءً للعباد، فكلّ حسناتهم سيّئات وذنوب.

ولمّا تتابعت ستّ صفات ذميمة للمكذبين بالدّين: وهم الذين يكذّبون بالحساب ويَدُعّون اليتيم ولا يحضّون على طعام المسكين لأنهم اشتروا الدّنيا بالآخرة ولا يؤمنون بالجزاء، وساهون عن صلاتهم لأنهم منافقون يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، ويراؤون في أعمالهم لإرضاء الناس ونيل إعجابهم، ويمنعون ماعونهم لسوء خلقهم ولؤمهم وظنّهم أن الذي أعطاهم لا يراقبهم. وهو نقيض الإيمان، فالمؤمنون: مصدّقون بعقولهم لكلام الله وآياته، ومؤمنون بقلوبهم بوعد الله ووعيده وحسابه، ومسلمون بجوارحهم لأمره وشرعه، طاعة واختياراً يبيعون القليل الفاني بالكثير الباقي.

وهذا يتناسب مع ما تقدّم في سورتيّ الفيل وقريش ففيهما الدّليل على أن الدّنيا لا تمضي جزافاً بل جعل الله فيها الثواب والعقاب وجعل سنن وموازين وأسباب حمى بها بيته الحرام من أصحاب الفيل فجعلهم كعصف مأكول، وهيّأ لبلده الحرام وساكنيه الرزق والطعام والأمن والأمان. أما الجزاء في الآخرة فهو ما أكّدته هنا سورة الماعون بالويل للمكذّبين بالحساب، ثمّ في الكوثر بالخير الكثير الذي أعطاه الله لرسوله والمؤمنين وبتر عدوّهم.

اللهم ارزقنا حسن الخُلق والإخلاص في الإيمان والقول والعمل، واليقين وحسن الظن بك، واجعلنا من المتّقين وأعمالنا خالصة لوجهك الكريم.

107.6 بعض التفاصيل عن موضوع السورة:

تتساءل السورة بقصد التعجب والتنفير من أفعال المكذّبين المنافقين الذين لا يقصدون بأعمالهم وجه الله، والمرائين في أعمالهم وصلاتهم، وتتوعدهم بالعذاب والهلاك، كما يلي:

107.6.1- الآيات (1-3) أفعالهم مع العباد: أرأيت أفعال ذلك الذي يكذِّب بالبعث والجزاء؟ فذلك الذي يدفع اليتيم ليمنعه من حقه؛ ولا يحضُّ غيره على إطعام المسكين، فكيف له أن يطعمه بنفسه؟

107.6.2- الآية (4) عقابهم: الويل والهلاك والعذاب الشديد.

107.6.3- الآيات (5-7) أفعالهم مع ربهم: فهم عن صلاتهم لاهون، لا يقيمونها على وجهها، ولا يؤدونها في وقتها؛ ويتظاهرون بأعمال الخير مراءاة للناس؛ ويمنعون إعارة ما لا تضر إعارته من الآنية وغيرها، فلا هم أحسنوا عبادة ربهم، ولا هم أحسنوا إلى خلقه.

107.7 الشكل العام وسياق السورة:

107.7.1- أسم السورة “الماعون”: وهي الكلمة الأخير التي ختمت بها السورة، لتكون العنوان والانطباع الأخير الذي يصف وينفّر من بشاعة فعل المنافقين، إذ يبقون الماعون في مخبأه أو في مخزنه ويمنعون استعماله، فلا ينتفع به صاحبه ولا يستعين به المحتاجين؛ هذا الفعل مع ما ذكر من دعّ اليتيم وعدم الحضّ على طعامه والسهو عن الصلاة والمراءاة، هي صفات المكذب بالدين، الذي هو غافل عن أن العذاب الأليم الذي ينتظره عقاباً على سوء أفعاله. وفي هذا التشنيع والتنفير على المكذبين المنافقين، تقصد السورة على الحض على الإيمان بالدين وعدم التكذيب به، لأن الدين هو حافز على فعل الخير. أما المنافقون فلا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه، ولا حتى بإعارة ما ينتفع به مع بقاء عينه ورجوعه إليهم.

107.7.2- سياق السورة باعتبار ترتيب آياتها:

السورة تسأل بقصد التعجيب والتنفير من صفات الذي يكذب بالآخرة والحساب ولا يخطر على باله أنّه مجازى على أفعاله والمنافق المرائي، فهي تبدأ بالاستفهام بقصد التعجيب من مصيره وهو الويل والهلاك، وتفظيع أعماله وهي: التكذيب بيوم الدين والاعتداء على الضعيف واحتقاره والإِمساك عن إطعام المسكين، ثم السهو عن الصلاة والمراءاة ومنع الماعون. وبهذا التنفير يكون الترغيب بالإِيمان بالبعث والجزاء، فهو الدافع إلى أفعال البر والخير والرفق بالناس، ابتغاء مرضاة الله، واتباعاً لدينه، وطمعاً في ثوابه بالفوز في الدنيا والآخرة. أما المنافق فلا يفعل الخير إلّا مخافة ممن يقيم عليه العقوبات في الدنيا، حتى إذا اختلى بنفسه وأمن الرقباء جاء بالفحشاء والأعمال النَّكراء، كما يلي:

107.7.2.1- الآيات (1-3) هل عرفت الذي يكذب بالجزاء، فهو الذي يدفع اليتيم دفعاً عنيفاً ويزجره زجراً قبيحاً، ولا يحث غيره من ذوي اليسار على إطعام المحتاج ولو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد، لخشي الله تعالى وعقابه، ولم يقدم على ذلك، فحين أقدم عليه علم أنه مكذب.

107.7.2.2- الآية (4) الويل للمصلي المنافق الذي ينكر الحساب والجزاء، فلن يردعه رادع، لأن إنكاره سبب كل معاصيه.

107.7.2.3- الآيات (5-7) الساهون عن صلاتهم، أي لاهُون يتغافلون عنها متشاغلون بغيرها، وتضييعها أحياناً وتضييع وقتها أخرى؛ والمراؤون بأعمالهم والمانعون الماعون وكل ما ينفع الناس ويعينهم، وذلك لتكذيبهم بالجزاء.

107.7.3- سياق السورة باعتبار موضوعاتها:

موضوعات السورة هي التعجيب والذمّ لكل من لا يؤمن “بالدين” أي بالبعث والجزاء وبما جاءت به الرسل، لأنه بذلك سيترك حقوق الله وحقوق عباده، أي سيقسو على اليتيم ولا يرحم المسكين وسيفرّط في صلاته، فتتوعده بالويل. وهي بذلك تحث على إكرام اليتيم، والمساكين، وبذل العارية والأموال، والتحضيض على ذلك، ومراعاة الصلاة، والمحافظة عليها، وعلى الإخلاص فيها وفي جميع الأعمال. وذلك بذم من لم يفعل ذلك وتوعدهم بالويل. وقد احتوت على ثلاثة مجموعات من الآيات، كما يلي:

107.7.3.1- الآيات (2، 3، 7) منع حقوق العباد: هؤلاء المنافقين هم مصلين، لكنهم مفسدون يمنعون حقوق العباد فلا فائدة من صلاتهم. فالآيات فيها ذم وتعجيب من عدم إخراج حقوق الأيتام والمحتاجين وعدم الحث على الحفاظ عليها. وقد تقرر في سورة الفجر أن عدم إكرام اليتيم وعدم التحاض على طعام المسكين والجشع وحب المال كانت من أعظم أسباب هلاك أكبر الأمم مثل أقوام عاد وإرم وفرعون.

107.7.3.2- الآية (4) الويل للمصلين، إن لم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر. فوصفهم بـالمصلين، إِذَنْ تهكم، والمراد عدمه، أي الذين لا يصلون، فهم ساهون، أي ليسوا بمسلمين.

107.7.3.3- الآيات (1، 5، 6) صلاتهم وأعمالهم شرك لإرضاء الناس: ففي الآيات وعيد وتعجيب من الذين يكذبون بيوم الحساب، فهم منافقون ساهون عن صلاتهم لا يصلون إذا لم يراهم أحد، وهم مراؤون يفعلون الخير ليقول عنهم الناس أهل خير وقد قيل، فالله غنيّ عن شركهم.

كما قصروا في شأن المخلوق حيث زجروا اليتيم ولم يحضوا على إطعام المسكين فقد قصروا في طاعة الخالق فما صلوا وما فعلو الخير بل منعوا الحقوق.

107.7.4- سياق السورة باعتبار أن الصلاة في الإسلام ليست صورة وحركات فقط:

107.7.4.1- بل إن الصلاة مع باقي أركان الإسلام من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وصيام رمضان وحج البيت وزكاة المال مجتمعة، هي الأركان الخمسة والأساس التي بني عليها الإسلام، ثم يليه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر بأركانه الستة (وقد ركزت سورة الماعون على الإيمان بالدين أي اليوم الآخر والحساب)، ثم يليه الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. لذلك فالويل للمصلّي المذكور في هذه السورة لأنه في الحقيقة لم يؤمن ولم يصلّي، بل أتى بحركات وأقوال لكي يرضي بها الناس، وسيتركه الله للناس، ولن يقبل الله منه شيئاً لأنه لم يرد مرضاة الله ابتداءاً.

راجع أيضاً ما يلي:

– راجع سورة النور (24.7.3.1) حول موضوع: مقدمة عن دين الله الإسلام.

انظر سورة الحديد 057.8.7 عن الإنفاق في سبيل الله.

– انظر سورة الفجر (089.4). والتي مقصدها حول الأمر بالإنفاق على الفقراء والمساكين لأن فيه الإصلاح والفوز والنهي عن البخل لأن فيه الطغيان والفساد والهلاك.

– انظر سورة الليل خاصة (092.2) فضائلها وما ورد عنها من الأثر، وأنها نزلت في السماحة والبخل، ومقصدها تزكية النفس بإنفاق المال.

107.7.4.2- وفي الحديث الذي رواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنّ أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النّار. ورجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها، قال تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن. قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسّع اللّه عليه وأعطاه من أصناف المال كلّه فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال ما عملت فيها، قال ما تركت من سبيل تحبّ أن ينفق فيها المال إلا أنفقت فيها لك. قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار”.

107.8 تناسب وتناسق السورة مع غيرها من السور:

107.8.0- ولمّا تتابعت ستّ صفات ذميمة للمكذبين بالدّين: وهم الذين يكذّبون بالحساب ويَدُعّون اليتيم ولا يحضّون على طعام المسكين لأنهم اشتروا الدّنيا بالآخرة ولا يؤمنون بالجزاء، وساهون عن صلاتهم لأنهم منافقون يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، ويراؤون في أعمالهم لإرضاء الناس ونيل إعجابهم، ويمنعون ماعونهم لسوء خلقهم ولؤمهم وظنّهم أن الذي أعطاهم لا يراقبهم. وهو نقيض الإيمان، فالمؤمنون: مصدّقون بعقولهم لكلام الله وآياته، ومؤمنون بقلوبهم بوعد الله ووعيده وحسابه، ومسلمون بجوارحهم لأمره وشرعه، طاعة واختياراً يبيعون القليل الفاني بالكثير الباقي.

وهذا يتناسب مع ما تقدّم في سورتيّ الفيل وقريش ففيهما الدّليل على أن الدّنيا لا تمضي جزافاً بل جعل الله فيها الثواب والعقاب وجعل سنن وموازين وأسباب حمى بها بيته الحرام من أصحاب الفيل فجعلهم كعصف مأكول، وهيّأ لبلده الحرام وساكنيه الرزق والطعام والأمن والأمان. أما الجزاء في الآخرة فهو ما أكّدته هنا سورة الماعون بالويل للمكذّبين بالحساب، ثمّ في الكوثر بالخير الكثير الذي أعطاه الله لرسوله والمؤمنين وبتر عدوّهم.

107.8.1- قال الإمام جلال الدين السيوطي: لما ذكر تعالى في سورة قريش: {الذي أطعمَهُم مِن جوعٍ} ذكر هنا ذم من لم يُحض على طعام المسكين ولما قال هناك: {فليعبدوا رب هذا البيت} ذكر هنا من سها عن صلاته.

107.8.2- وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت السور المتقدمة من الوعيد لمن انطوى على كل ما ذكر فيها مما هو جار على حكم الجهل والظلم الكائنين في جبلة الإنسان ما تضمنت كقوله: {إن الإنسان لربه لكنود (6)} العاديات، {إن الإنسان لفي خسر (2)} العصر، {يحسب أن ماله أخلده (3)} الهمزة، وانجر أثناء ذلك مما تثيره هذه الصفات الأولية ما ذكر فيها أيضاً كالشغل بالتكاثر، والطعن على الناس ولمزهم والاغترار المهلك أصحاب الفيل أتبع ذلك بذكر صفات قد توجد في المنتمين إلى الإسلام أو يوجد بعضها أو أعمال من يتصف بها وإن لم يكن من أهلها كدع اليتيم، وهو دفعه عن حقه وعدم الرفق به، وعدم الحض على طعام المسكين، والتغافل عن الصلاة والسهو عنها، والرياء بالأعمال والزكاة والحاجات التي يضطر فيها الناس بعضهم إلى بعض، ويمكن أن يتضمن إبهام الماعون هذا كله، ولا شك أن هذه الصفات توجد في المتسمين بالإسلام، فأخبر سبحانه وتعالى أنه من صفات من يكذب بيوم الدين ولا ينتظر الجزاء والحساب، أي أن هؤلاء هم أهلها، ومن هذا القبيل قوله عليه الصلاة والسلام “أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً” أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقوله عليه الصلاة والسلام “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن” أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا الباب كثير في الكتاب والسنة. فمن هذا القبيل قوله تعالى: {أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2)} الماعون، أي أن هذه الصفات من دفع اليتيم وبعد الشفقة عليه، وعدم الحض على إطعامه والسهو عن الصلاة والمراءاة بالأعمال ومنع الحاجات إن هذه كلها من شأن المكذب بالحساب والجزاء لأن نفع البعد عنهما إنما يكون إذ ذاك، فمن صدق به جرى في هذه الخصال على السنن المشكور والسعي المبرور، ومن كذب به لم يبال بها وتأبط جميعها، فتنزهوا أيها المؤمنون عنها، فليست من صفاتكم في أصل إيمانكم الذي بايعتم عليه، فمن تشبه بقوم فهو منهم، فاحذروا هذه الرذائل فإن دع اليتيم من الكبر الذي أهلك أصحاب الفيل، وعدم الحض على إطعامه فإنما هو فعل البخيل الذي يحسب أن ماله أخلده، والسهو عن الصلوات من ثمرات إلهاء التكاثر، والشغل بالأموال والأولاد، فنهى عباده عن هذه الرذائل التي يثمرها ما تقدم والتحمت السور.

– راجع سورة الهمزة (104.8.2): تناسب الزلزلة إلى الهمزة (6 سور) مع بعضها ومع ما قبلها وبعدها. حول موضوع التخويف من الحساب والجزاء في الآخرة.

– انظر 4.2.4.18.2.0- جدول يبيّن تناظر نصفي القرآن، ويلخص تناسب مقاصد سوره حول أن الإيمان واتباع طريق الهدى نعمة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.

– انظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد.

أعلى الصفحة Top