العودة إلى فهرس السور: اضغط هنا (تسهيل فهم وتدبّر سور القرآن)


092.0 سورة الليل


ملاحظة: قبل البدئ بهذه السورة، يجب الاطلاع على ما يلي:
– المقدّمة والتمهيد: اضغط هنا
– تسهيل فهم وتدبّر القرآن: اضغط هنا


092.1 التعريف بالسورة:

1) سورة مكية. 2) من المفصّل. 3) عدد آياتها 21 آية. 4) الثانية والتسعون من حيث الترتيب في المصحف. 5) والتاسعة حسب ترتيب النزول، نزلت بعد سورة “الأعلى”. 6) ليس لها أسماء أخرى.

7) أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في السورة: لم يُذكَر في السورة لفظ الجلالة {الله}. ذكر فيها (1 مرّة): رب، الأعلى، خلق، هَدى، أنذر. انظر أيضاً في كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: الفصل رقم 1.7: أسماء الله وصفاته وبعض الكلمات المكررة في القرآن.

تكررت فيها الكلمات التالية ومشتقاتها: (2 مرّة): ماله، بالحسنى، فسنيسره؛ (1 مرّة): سعيكم، لشتى، أعطى، بخل، لليسرى، للعسرى، تردى، تلظى، سيجنبها، يتزكى.

 

092.2 فضائلها وما ورد عنها من الأثر:

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: إني لأقول هذه السورة نزلت في السماحة والبخل {والليل إذا يغشى (1)}.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه وابن جرير عن علي بن أبي طالب قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى (5)} إلى قوله: {للعسرى (10)}.

وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: لما نزلت هذه الآية {إنا كل شيء خلقناه بقدر (49)} من سورة القمر، قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل أفي شيء نستأنفه أم في شيء قد فرغ منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر نيسره لليسرى ونيسره للعسرى.

وأخرج أحمد ومسلم وابن حبان الطبراني وابن مردويه عن جابر بن عبد الله: أن سراقة بن مالك قال: يا رسول الله أفي أي شيء نعمل؟ أفي شيء ثبتت فيه المقادير، وجرت فيه الأقلام أم في شيء نستقبل فيه العمل؟ قال: بل في شيء ثبتت فيه المقادير وجرت فيه الأقلام. قال سراقة: ففيم العمل إذن يا رسول الله؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {فأما من أعطى واتقى (5)} إلى قوله {فسنيسره للعسرى (10)}.

وروى ابن جرير وابن أبي حاتم: ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلّهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً. وأنزل الله في ذلك القرآن {فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10)}.

وروى عطاء والضحاك عن ابن عباس قال: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول أحد أحد، فمر به النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: “أحد – يعني اللّه تعالى – ينجيك ” ثم قال لأبي بكر: “يا أبا بكر إن بلالا يعذب في اللّه” فعرف أبو بكر الذي يريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فانصرف إلى منزله، فأخذ رطلا من ذهب، ومضى به إلى أمية بن خلف، فقال له: أتبيعني بلالا؟ قال: نعم، فاشتراه فأعتقه. فقال المشركون: ما أعتقه أبو بكر إلا ليد كانت له عنده؛ فنزلت {وما لأحد عنده (19)} أي عند أبي بكر {من نعمة (19)}، أي من يد ومنة، {تجزى (19)} بل {ابتغاء (20)} بما فعل {وجه ربه الأعلى (20)}.

092.3 وقت ومناسبة نزولها:

موضوع السورة يشبه إلى حد كبير موضوع سورة الشمس، عن تزكية النفس، وكأن أحدهما تشرح الأخرى، وسورة الليل تتحدث عن تزكية النفس بإنفاق المال. نفس الشيء الذي فصلته سورة الشمس بطريقة فصلته هذه السورة بطريقة أخرى. وفي هذا إشارة إلى أن هاتين السورتين نزلتا في نفس الوقت تقريباً. انظر أيضاً كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن في المبحث: 1.5.5- مراحل نزول القرآن المكي.

092.4 مقصد السورة:

 

092.4.1- تأكيد هدي الله وسنته في إنفاق المال لتزكية النفس، وسعي الناس المختلف والمتباعد في ذلك. فمنهم ساع بالعطاء والتقوى مصدق بالوعد (أي بالجزاء على الأعمال)، فسعيه ميسر لليسرى، ومنهم ساع بالبخل والإعراض عن الله وبالتكذيب بالحسنى فسعيه ميسر للعسرى.

092.4.1.1- معنى سعيكم لشتّى: أي المختلف والمتباعد، فمنهم متقي مؤمن بالجزاء، ومنهم مستغني مكذب بالجزاء. أو فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار. أو فمن فاعل خيراً ومن فاعل شراً. أو كما في الحديث، قوله صلى الله عليه وسلم: الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها.

092.4.1.2- معنى {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}: أي التصديق بالخلف من الله على نفقته، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن یَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَیَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَھُوَ یُخْلِفُهُ وَھُوَ خَیْرُ الرَّازِقِینَ (39)} سبأ، وفي الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إلا وَبِجَنْبِيهَا مَلَكانِ يُنادِيانِ، يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللهِ كُلُّهُم إلا الثَّقَلَينِ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقا خَلَفا، وأعْطِ مُمْسِكا تلَفا” فأنـزلَ الله في ذلك القرآنَ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)} … إلى قوله {لِلْعُسْرَى}. وقيل الحسنى هي الجنة، قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ (26)} يونس، فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم. وقيل إنها قول لا إله إلا الله، والمعنى: فأما من أعطى واتقى وصدق بالتوحيد والنبوة حصلت له الحسنى، وذلك لأنه لا ينفع مع الكفر إعطاء مال ولا اتقاء محارم، وهو كقوله: {أَوْ إِطْعَامٌ في يَوْمٍ ذِي مسغبة (14)} إلى قوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ (17)} البلد. وقيل إن الحسنى لفظة تسع كل خصلة حسنة، قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إحدى الحسنيين (52)} التوبة، يعني النصر أو الشهادة، وقال تعالى: {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً (23)} الشورى، فسمى مضاعفة الأجر حسنى، وقال: {إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى (50)} فصلت.

092.4.2- وقال الإمام البقاعي: سورة الليل مقصودها الدلالة على مقصود الشمس، وهو التصرف التام في النفوس بإثبات كمال القدرة بالاختيار باختلاف الناس في السعي مع اتحاد مقاصدهم، وهي الوصول إلى الملاذ من شهوة البطن والفرج وما يتبع ذلك من الراحة، واسمها الليل أوضح ما فيها على ذلك بتأمل القسم والجواب، والوقوع من ذلك على الصواب، وأيضا ليل نفسه دال على ذلك لأنه على غير مراد النفس بما فيه من الظلام والنوم الذي هو أخو الموت، وذلك مانع عن أكثر المرادات، ومقتضى لأكثر المضادات.

092.5 ملخص موضوع السورة:

نزلت في المرحلة السرّية من العهد المكّي، وتشبه في موضوعاتها عن تزكية النفس وإنفاق المال والتقوى سورة الشمس، وكأنهما نزلتا في نفس الوقت لتشرح إحداهما الأخرى. ومقصدها التأكيد على أن سعي الناس في الدنيا مختلف ومتباعد بين سعيين، أحدهما أعطى واتقى وصدّق بوعد الله، فسيسّره إلى السعادة والفلاح، يقابله من بخل واستغنى وكذّب فسيسّره إلى الشقاء والخيبة، أمّا بعد الموت فلا فائدة بالمال {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)}. وتضمنت مجموعتين من الآيات، استهلّت (11 آية) بالقسم بالليل وبالنهار في إشارة إلى العطاء والتقوى والبخل والاستغناء، وبالذكر والإنثى في إشارة إلى سعيهم المختلف {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4)}، ثمّ (10 آيات) الإعلام بهداية الناس حتى يعلموا أن لله ملك الدنيا والآخرة، والإنذار والوعد والوعيد بالجزاء على السعي في الدارين، كما يلي:

(الآيات 1-11): القسم بالليل إِذا غشي بظلامه، وبالنهار إِذا أنار بضيائه، وبخلق الذكر والأنثى وخالقهما، على أن سعي الناس مختلف، فأمَّا من بذل من ماله واتقى الله وصدَّق بالوعد بالجزاء فسيرشده ويوفقه إلى أسباب الخير والصلاح وييسِّر له أموره، وأما مَن بخل واستغنى عن هدي ربّه وكذَّب بالحسنى فسيُيَسِّر له أسباب الشقاء، ولا ينفعه ماله الذي بخل به إذا وقع في النار.

(الآيات 12-21): إن علينا (بفضلنا وحكمتنا) أن نبيِّن طريق الهدى، وإن لنا ملك الحياة الآخرة والحياة الدنيا، فحذَّرتكم أيها الناس، وخوَّفتكم نار جهنم، لا يدخلها إلا الأشقى الذي كذَّب وتولّى، وسيُزحزَح عنها الأتقى الذي يبذل ماله يتزكّى، لا مكافأة على نعمة سلفت، لكنه ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يعطيه الله في الجنة ما يرضى به.

ولمّا استهلّت بالقسم بهذه الأشياء المتباعدة والمختلفة (الليل والنهار والذكر والأنثى) في تناسب وإشارة إلى أنّ أعمال العباد أيضاً شتّى ومتباعدة (أعطى، بخل، اتّقى، استغنى، صدّق، كذّب)، وتناسب كذلك مع الجزاء (اليسرى، العسرى، الآخرة، الأولى، تردّى، يتزكّى، الأشقى، يرضى)، ولمّا أعلم تعالى أنه سييسّر لكلّ ساعٍ مراده إلى اليسرى أو العسرى، وأعلم بأنه خلقهم لينفعهم ويرحمهم ويرضيهم بالنعيم المقيم، فقد بيّن بفضله وحكمته لهم طريق الهدى من طريق الضلال {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)}، وأنّ نفع اهتدائهم وضرّ تولّيهم عائد عليهم فلله ملك كلّ شيء {وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13)}، فلذلك أعقبه النذير والوعد والوعيد: بأنه من كذّب وتولّى عن الهدى وبخل واستغنى فدنياه معسرة والنار مصيره في الآخرة، ومن اتقى وأنفق ماله ليتزكّى ابتغاء وجه ربّه الأعلى فدنياه ميسّرة وسينجوا في الآخرة، وسيرضيه الله.

اللهم اجعلنا من الذين ينفقون في السرّاء والضرّاء ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً ابتغاء مرضاتك.

092.6 بعض التفاصيل عن موضوع السورة:

مقصد السورة وهو تزكية النفس بإنفاق المال، الذي هو أهم وسيلة جعلها الله للناس لتتيسّر بها حياتهم وتسهل تعاملاتهم. ولبيان كيف يكون ذلك يقرر سبحانه وتعالى أربعة حقائق وسنن دنيوية أوجدها، فمن اتبعها وسار على هديها تيسرت أموره في الدنيا وفاز في الآخرة ومن خالفها تعسرت أموره في الدنيا وخسر في الآخرة.

092.6.1- الآيات (1-4) يقسم تعالى بالليل عندما يغطي بظلامه الأرض وما عليها، وبالنهار إذا انكشف عن ظلام الليل بضيائه، وبخلق الزوجين: الذكر والأنثى. بأن سعي الناس مختلف: أي إن عملكم لمختلف بين عامل للدنيا وعامل للآخرة.

092.6.2- الآيات (5-11) وأن الناس فريقين ما بين معطي وغير معطي: فأمَّا من بذل من ماله واتقى الله في ذلك، وصدَّق بالجزاء، فسنرشده ونوفقه إلى أسباب الخير والصلاح ونيسِّر له أموره. وأما مَن بخل بماله واستغنى عن هدي ربه، وكذَّب بالجزاء، فسنُيَسِّر له أسباب الشقاء، ولا ينفعه ماله الذي بخل به إذا وقع في النار.

092.6.3- الآيات (12، 13) الله هو الهادي مالك كل شيء، (أرسل الرسل وأقام الحجة): إن علينا بفضلنا وحكمتنا أن نبيِّن طريق الهدى الموصل إلى الله وجنته من طريق الضلال. وإن لنا ملك الحياة الآخرة والحياة الدنيا.

092.6.4- الآيات (14-21): وعد وتوعد بالحساب والجزاء: فحذَّرتكم أيها الناس، وخوَّفتكم نار جهنم. لا يدخلها إلا الأشقى، الذي كذَّب وأعرض عن الإيمان بالله ورسوله، وطاعتهما. وسيُزحزَح عنها شديد التقوى، الذي يبذل ماله ابتغاء زكاة نفسه ونمائها بالمزيد من الخير. وليس إنفاقه ذاك مكافأة لمن أسدى إليه معروفاً، لكنه يبتغي بذلك وجه ربه الأعلى ورضاه، ولسوف يعطيه الله في الجنة ما يرضى به.

092.7 الشكل العام وسياق السورة:

092.7.1- إسم السورة “الليل”: وهي تفتتح بالليل إذا غشي الخليقة بظلامه، ثم النهار إذا تجلى بإشراقه، فهما صورتان متعاكستان: صورة الليل عند ما يستر بظلامه، وصورة النهار عند ما يتجلى وينكشف لذي عينين. وقد جاءت موضوعات السورة متناسقة منسجمة مع هذا المطلع الرائع، فالتقوى والإنفاق فيه الزكاة والنماء والعمل في الدنيا ثم الجنة في الآخرة، يقابله الاستغناء والبخل وفيه الأفول وتوقف الحياة والظلام في الدنيا ثم العذاب في النار وظلامها وسوادها في الآخرة.

وكما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة (الليل والنهار والذكر والأنثى) كان القسم عليه أيضا متضادا؛ ولهذا قال: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضاً ومتخالفة، فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا. وكان كل شيء في السورة أزواج متضادة: الإنفاق والبخل اليسرى والعسرى التقوى والاستغناء والتصديق والتكذيب والآخرة والأولى ويتزكى وتردى.

092.7.2- سياق السورة باعتبار ترتيب آياتها:

092.7.2.1- الآيات (1-4) يقسم الله بالزمان الذي تقع فيه أعمال العباد، أي بالليل الذي يعم ويواري الأشياء، وبالنهار الذي يظهر ويظهر الأشياء، ويقسم بخلق الذكر والأنثى بأن سعي الإنسان أفراد وشعوب وجماعات لمتفاوت تفاوتاً كثيراً، أو متباين تباين الليل والنهار، والذكر والأنثى.

092.7.2.2- الآيات (5-11) أعمال العباد محصورة بين خيارين: الأول من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، الثاني من بخل واستغنى وكذب بالحسنى. ثم بين بأن النتيجة لهذين النوعين من الأعمال لا يمكن أن تكون متشابهة، فأحدهما ميسر لليسرى أي: يوفقه الله حتى يكون العطاء والتقوى أيسر الأمور عليه وأهونها، والآخر للعسرى أي: فسنخذله حتى يكون العطاء والتقوى أعسر شيء عليه وأشدّه. والآيات في القرآن في هذا المعنى كثيرة دالّة على أن الله عزّ وجل يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكلّ ذلك بقدر مقدّر، وأيضاً الأحاديث الدالّة على هذا المعنى، كالمذكورة أعلاه، كثيرة. ثمّ يستفسر مستنكراً {وما يغني عنه ماله (11)} لن يذهب معه إلى القبر ولن يفيده في الآخرة، فإنه لا يصحبه إلا عمله.

092.7.2.3- الآيات (12-21) ذكر أربعة حقائق مختصرة: الأولى: أن الله لم يترك الإنسان بدون إنذار، بل تكفل ببيان الهدى {إن علينا للهدى (12)}، وقد أنجز ذلك بإرسال الرسل وإنزال الوحي بالآيات والهدى، كما نراه حقيقة، وإن لم تذكره السورة. الثانية: أن الله هو وحده المالك والمتصرف في الدنيا والآخرة {وإن لنا للآخرة والأولى (13)} فهو الذي جعل سعي الناس شتى لحكمة أرادها وتوعدهم بالحساب والجزاء. الثالثة تكرار لما في الآيات الأولى وهو أن الناس فريقين ما بين معطي من مال الله الذي جعله بين أيديهم يتزكى لتتيسر بها حياتهم وتسهل تعاملاتهم، وغير معطي فتتعسر حياتهم وتتعقد معاملاتهم. الحقيقة الرابعة: الشقي هو من يكذب ويتولّى عن الهدى الذي جاءت به رسل الله فالنار مصيره. أما الذي يخشى الله والذي ينفق في الخير ليكسب رضى الله وبدون دافع أو مصلحة دنيوية فسيرضيه الله.

092.7.3- سياق السورة باعتبار موضوعاتها:

احتوت السورة على موضوع واحد أقسمت عليه وهو عطاء المال وأن سعي الناس فيه مختلف. وأن الحياة ميسّرة تعمر بالعطاء ومعسرة تفسد بالبخل. وأن الله وعد بهداية الناس حتى يعلموا بأن له كل شيء، أي الآخرة والأولى. وبيان جزاء العطاء والبخل في الدنيا ثم في الآخرة، كما يلي:

092.7.3.1- في الدنيا: فإن سعي الناس ينقسم إلى فريقين: فريق ينفق بسبب تقوى الله مع إيمانه بوعد الله بالجزاء على الأعمال، وفريق يبخل ويكنز المال بسبب استغنائه عن الله وتكذيبه بالجزاء على الأعمال.

092.7.3.1.1- الآيات (1-4) القسم بالليل إِذا غشي الخليقة بظلامه، وبالنهار إِذا أنار الوجود بإِشراقه وضيائه، وبالخالق العظيم الذي أوجد النوعين الذكر والأنثى، على أن عمل الخلائق مختلف، وطريقهم متباين. ثم تلته الآيات لبيان سبيل السعادة، وسبيل الشقاء.

092.7.3.1.2- الآيات (5-11) بيان أعمال الناس ونتائجها في الدنيا: فأمَّا من بذل من ماله واتقى الله في ذلك، وصدَّق بالوعد بالجزاء، فسنرشده ونوفقه إلى أسباب الخير والصلاح ونيسِّر له أموره. وأما مَن بخل بماله واستغنى عن جزاء ربه، وكذَّب بالوعد بالجزاء، فسنُيَسِّر له أسباب الشقاء، ولا ينفعه ماله الذي بخل به إذا وقع في النار.

092.7.3.2- في الآخرة: ابتدأت الآيات ببيان هداية الله للناس (بإرسال المرسلين منذرين)، ثم بالوعد والوعيد بالجزاء لكلا الفريقين في الآخرة، وهو نار للمكذب، ونجاة ونعيم للمنفق ليتزكى: (نفس المعنى حول الإنفاق والجزاء وبطريقة مختلفة)

092.7.3.2.1- الآيات (12، 13) إن الله لم يترك الناس بدون هدى ولا إنذار، بل هداهم وبين لهم طريق الهدى، وبين أنه هو وحده المالك والمتصرف في الدنيا والآخرة، وإن من كانت هذه صفته، فجدير أن يُبادر لطاعته ويحذر من معصيته.

092.7.3.2.2- الآيات (14-21) ولذلك توعدهم بنار الآخرة تتلظى وتتوهج، لا يصلاها إلا الذي كذب بالهدى والحق الذي جاءه وأعرض عن آيات ربه وبراهينها التي وضح أمرها وبهر نورها، عناداً وكفراً؛ ووعد سبحانه بأنه سيجنبها الأتقى الذي ينفق ماله في سبيل الخير، يتزكى به عن رجس البخل وحب الدنيا، ليكسب رضى الله لا رضى الناس ولا يبتغي مكافأة دنيوية من أحد، فسيرضيه الله.

فللإنسان حرية الاختيار بين طريقين، فيما يريده لنفسه من ربه، من أراد الدنيا فهو الشقي الذي كذب وتولّى عن الهدى الذي جاءت به رسل الله فدنياه معسرة والنار مصيره في الآخرة، ومن أراد الآخرة فهو الذي يخشى الله وينفق في الخير، فتتيسّر دنياه وينجوا في الآخرة، وسيرضيه الله.

 

092.7.4- سياق السورة باعتبار مقصدها وهو المال والإنفاق أو البخل:

092.7.4.1- الآيات (1-11) قد جعل الله سعي الناس في الدنيا شتى بين سعيين اثنين لا ثالث لهما: يقسم تعالى على ذلك بالليل والنهار والذكر والأنثى، بأنه خلق الناس وجعل سعيهم شتى متباين بين طرفين متقابلين ومتوازيين لا يلتقيان كليهما مرتبط بالمال والإنفاق أو البخل. أحدهما وهو العطاء جعله الله سبباً لليسرى والآخر وهو البخل سبباً للعسرى. ودليل ارتباط السعيين بالمال هو ما ذكر في الآية (11) من أن المال لا يغني ويصبح بلا فائدة عند الموت، فلا يعود له أية قيمة ترجى، بعد أن كان كل سعي الناس لأجله وكل اعتمادهم في الدنيا عليه، وبعد أن كان صلاح أمور معيشتهم لا ينتظم إلا به.

092.7.4.1.1- كل سعي الناس في هذه الحياة الدنيا هو من أجل المال لأنه هو الوسيلة والأداة الوحيدة التي جعلها الله في الدنيا لتقييم أعمال الناس، وهي الميزان أو المكيال الذي يوزن به ويتقيم به سعيهم فيما بينهم في الدنيا. فالموظف أو التاجر أو الصانع أو المزارع أو أي سعي يسعاه أي أجير أو عامل في الدنيا، فإنه لا يبيع أو لا يأخذ الأجير أجره مقابل عمله إلا بالمال (إلّا ما ندر). ثم بعد ذلك، أي بعد أن يبيع الأجير جهده بالمال، يقوم هو بدوره بشراء حاجاته ومصالحه ومستلزمات حياته الضرورية من جهود غيره من الناس بالمال أيضاً. لذلك بالاعتماد على مقدار المال المكنوز يستطيع الفرد أو الجماعة شراء القوة والنفوذ والتأثير وشراء الذمم وشراء جهود الناس وتجاراتهم وصناعاتهم وزراعاتهم وكل ما يبيعون. ومن هنا يبدأ التمايز والتفاضل بين الناس وتقييم الدرجات الدنيوية بينهم، ومن هنا تتفاوت نظرة بعضهم إلى بعض: أي أن مكانة هذا الفرد الدنيوية: غني أو فقير أو زعيم أو عبد، أو أن هذا مجتمع قوي أو ضعيف، كلّه يقاس بالاعتماد على مقدار المال والثروات والممتلكات المكنوزة لديهم، والتي تقيّم أو تشترى بالمال.

092.7.4.1.2- لكن الله لم يخلق الناس لكي يجمعوا المال، لكن خلقهم ليتقوه وجعل كرامتهم عنده بالتقوى لا بالمال، بل خلقهم ليتقوه ويعبدوه وحده، وجعل سعادتهم وقرّة عينهم في العبادة؛ كذلك الله خلق الناس ليستخلفهم في الأرض، وخلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملاً؛ الله خلق الناس ليكرمهم (انظر كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن: 7.3.2- خلق الله الإنسان لكي يكرمه ويسعده في الدنيا والآخرة، بالعلم والمعرفة والعبادة). فالله لا يريد من الناس مال أو رزق، قال تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)}، وقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} الذاريات؛ بل الله يريد أن يرى أعمال الناس، ولأن الله يحب الناس فكرّمهم وفضّلهم واستخلفهم في الأرض، وفي المقابل يريدهم أن يحبوه، وحب الله لا يأتي بالكلام، بل بطاعته وعبادته كما أمر: أي بالإيمان به وحده وبالعمل الصالح وباتباع هديه قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13)} الليل، {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)} آل عمران، كما جاء في كتابة القرآن، وفي اتباع سيرة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنته.

092.7.4.1.3- أما في الآخرة فلا وجود ولا نفع للمال، {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)} بل جعل الله بدلاً منه الحسنات والسيئات، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)} الأنعام، فهي المعيار أو المقياس الذي يقاس به أعمال الناس وتحدد به، وبناءاً عليه درجاتهم في الجنة أو في النار. فمن أراد في الآخرة الدرجات فعليه أن ينفق (وغيرها من الأعمال المفروضة في القرآن) ويستبدل ما يكنزه من المال بالحسنات. الله يريدنا أن ننفق المال الكثير لذلك فهو يريدنا أن نجمع المال الكثير ولا يأتي المال إلا بالعمل، فإذاً نعمل ونسعى لنكسب المال ثم ننفق هذا كلام الله في هذه السورة وهذا أمره ووعده، فمن آمن به فلينفق، ولا يخشى الفقر فيبخل ويكنز المال.

092.7.4.1.4- هذه السورة تقول أن الإنفاق يجعل سعينا ميسّراً في حياة يسيرة، وبسبب الإنفاق تفك كل العقد والمصاعب وتختفي كل القيود والإعسارات، فتصبح سهلة سلسة بالمطلق، فيها الزكاة والنماء والبقاء والفلاح والنجاح وفيها كل شيء خيّر وجميل، يزول الليل والظلام ويأتي بالنهار والنور؛ الإنفاق هو كل شيء (مع تقوى الله طبعاً والإيمان بالحسنى) وهو الصلاح والعمار والدعوة والجهاد والزكاة والحسنات والتيسير والسعادة والبقاء والنماء والعلم والمدارس والتجارة والطرق والمستشفيات والرفاهية والآلات والشركات والسلاح والقتال ….. وغيره إلى ما لا نهاية له من المنافع والمصالح الإنسانية المشتركة والمتشابكة؛ الإنفاق هو كلّ هذا وأكثر لإنه العمل ولأنه الهدى والدين الذي أمرنا الله به في هذه السورة وفي القرآن وفي سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم التي أمرنا الله باتباعها. وقد خلقنا الله لنعمل وليبلونا أينا أحسن عملاً …. كما بيّناه أعلاه. لكن إذا كان الإنفاق للاستغناء عن الله وبالتكذيب بالحسنى والجزاء في الآخرة فينقلب كل الخير المذكور هنا إلى معكوسه من الشر والدمار والهلاك. وتقول السورة كذلك أن البخل (نقيض الإنفاق) يجعل سعينا معسراً في حياة معقدة صعبة عسيرة شديدة فيها الضنك والبؤس والفقر والظلم ….. وغيره وبالبخل ينقلب كل أيضاً الخير المذكور هنا إلى معكوسه من الشر والدمار والهلاك.

092.7.4.2- الآيات (12-21) يقول الله تعالى: أن عليه الهدى في الأولى وهي الدنيا والحساب والجزاء في الآخرة، وينذرنا ويتوعدنا بنار تلظى إن كذبنا وأعرضنا عن هداه ولم ننفق المال ابتغاء الخير والزكاة لأنفسنا.

هذه الآيات تعود وتؤكد بأن الله الذي له الآخرة والأولى يرضيه ويأمرنا بإيتاء المال لأن فيه الزكاة وفيه التقوى والرضى، ويتوعد بالنار والشقاء لمن يكذب ويتولى عن هدي الله وهو هنا مرتبط بالإنفاق ابتغاء وجهه الكريم دون انتظار المقابل من المنفق عليهم.

092.7.5- أيهما أفضل الغني الشاكر، أم الفقير الصابر:

092.7.5.1- لقد وعد الله في هذه السورة بالحياة الميسرة الطيبة للمنفقين، وكذلك في غيرها لمن يعملون الصالحات، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (97)} النحل؛ وتوعد فيها بالحياة العسيرة الخبيثة للبخلاء، وكذلك في غيرها لمن يعرض عن ذِكره، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً (124)} طه. وفي الأحاديث الصحيحة: عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها” متفق عليه، وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏‏”‏المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير”. وهذا تأكيد واضح وجلي بأن الله جعل كل شيء بالأسباب، فالإنسان نفسه هو مصدر السعادة أو التعاسة إن هو سعى في أسبابها والطرق المؤدية إليها.

092.7.5.2- لكن الإسلام لا يميز بين الناس بسبب فقرهم وغناهم ولا بسبب ألوانهم وأوطانهم، فهم سواسية كأسنان المشط والمفاضلة بينهم فقط بالتقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13)} الحجرات. أما في الأمور المعيشية في الدنيا فإن الله رفع بعضهم فوق بعض درجات وسخر بعضهم لبعض لتعمر بهم الحياة بالأسباب {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً، وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (32)} الزخرف. فلا تصح الحياة إذا كانت كل من فيها ملوك وأغنياء ولا تصلح أذا كان كل من فيها ضعاف وفقراء.

092.7.5.3- لكن أيهما أفضل ‏الفقير الصابر، أو الغنى الشاكر‏؟‏ والصواب أنه ليس هذا أفضل من هذا مطلقاً، بل أفضلهما أتقاهما‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13)‏}‏ الحجرات‏، وقال عمر بن الخطاب‏:‏ الغنى والفقر مطيتان، لا أبالي أيتهما ركبت، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا (135)‏}‏ النساء. والفقر والغنى حالان يعرضان للعبد باختياره تارة وبغير اختياره أخرى كالمقام والسفر، والصحة والمرض، والإمارة والائتمار، والإمامة والائتمام‏. كما في الحديث المرفوع للبغوي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه تعالى‏:‏ ‏‏”‏وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السـقم، ولو أصححته لأفسـده ذلك، إني أدبّـر عبادي، إني بهم خبير بصير‏”. وممن هو من أفضل الخلق، من النبيين والصديقين، وقد كان فيهم من اجتمع له الأمران‏:‏ الغنى تارة والفقر أخرى؛ وأتى بإحسان الأغنياء وبصبر الفقراء‏:‏ كنبينا صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر‏.‏

092.7.5.4- ومن القصص التي حصلت أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، ‏ أن الفقراء قالوا له‏:‏ يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يُصَلُّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها ولا نتصدق فقال‏:‏ ‏”‏ألا أعلمكم شيئاً إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم، ولم يلحقكم من بعدكم إلا من عمل مثل عملكم‏؟ فعلمهم التسبيح المائة في دبر كل صلاة‏.‏ فجاؤوا إليه فقالوا‏:‏ إن إخواننا من الأغنياء سمعوا ذلك ففعلوه، فقال”‏‏:‏ ‏{‏‏ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (54)‏} المائدة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يستعيذ من فتنة الفقر، وشر فتنة الغني، وقال بعض الصحابة‏:‏ ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏”‏والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها‏”.

092.7.6- الإشارة إلى عدد آيات القصص والأمثال والآيات وباقي الموضوعات في السورة:

092.7.6.1- آيات الله في السماوات والأرض: (1-3) = 3 آيات.

092.7.6.2- مقصد السورة وموضوعاتها في الآيات: (4-21) = 18 آيات.

092.8 تناسب وتناسق السورة مع غيرها من السور:

092.8.0- وهي واحدة من خمس سور متتالية ومتناسبة في مقاصدها من الفجر إلى الضحى، في التعريف بما للمعطي والمتقي من اليسرى وللبخيل من العسرى: فالفجر تبيّن سنّة الله تعالى في الابتلاء بالغنى والفقر، وأن هلاك الأمم كان بسبب أكلهم حقوق الآخرين أكلاً لمّاً، وحبهم المال حباً جماً، والبلد تأمر بمكابدة هوى النفس والتخلص من حب المال ومغريات الدنيا، وتأمر بالإنفاق والإطعام والتواصي بالصبر والمرحمة، والشمس تؤكّد أنه {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)}، ومن أبواب الزكاة الإنفاق، وفي الليل إنفاق المال لتزكية النفس والفوز بالرضى، وفي الضحى خلق الله الإنسان ليعطيه حتى يرضيه، فلا يقهر اليتيم ولا يردّ السائل وليبذل النعمة لمن يحتاجها.

فالإنفاق علاج لأمراض البخل وحب كنز المال التي أهلكت الأمم، لأن فيه الزكاة والنماء والفلاح والرضى للفرد والجماعة، ولأنه السبيل إلى العمار والبقاء والعلم، والمدارس والطرق والمستشفيات والتجارة والآلات والشركات والقوّة … إلى ما لا نهاية له من المنافع والمصالح الإنسانية المشتركة والمتشابكة في الدنيا والآخرة.

092.8.1- قال الإمام جلال الدين السيوطي: سورة الليل‏ تفصيل إجمال سورة الشمس فقوله {فأَمّا مَن أَعطى واتقى (5)} وما بعدها تفصيل {قَد أَفلحَ مَن زكاها ((9)} وقوله: {وأَما مَن بَخِلَ واستغنى (8)} تفصيل قوله {وقَد خابَ مَن دساها (10)}.

092.8.2- وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما بين قبل حالهم في الافتراق، أقسم سبحانه على ذلك الشأن في الخلائق بحسب تقديره أزلاً ليبلوهم {أيهم أحسن عملاً (7)} الكهف، {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً (2)} الملك، فقال تعالى: {إن سعيكم لشتى (4)} الليل، فاتصل بقوله تعالى {قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10)} الشمس، وإن قوله تعالى {فأما من أعطى واتقى (5)} إلى {العسرى (10)} الشمس، يلائمه تفسيراً وتذكيراً بما الأمر عليه من كون الخير والشر بإرادته وإلهامه وبحسب السوابق قوله: {فألهمها فجورها وتقواها (8)} الشمس، فهو سبحانه الملهم للإعطاء والاتقاء والتصدق، والمقدر للبخل والاستغناء والتكذيب {والله خلقكم وما تعملون (96)} الصافات، {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (23)} الأنبياء، ثم زاد ذلك إيضاحاً بقوله تعالى {إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة والأولى (13)}.

– انظر كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن، الباب الثامن: 8.1.4- القضاء والقدر.

– راجع سورة عبس (080.4.1) والتي مقصدها وموضوعاتها حول موضوع التزكية.

– راجع كتاب تسهيل فهم وتدبّر القرآن، مبحث: 7.3.3- سعادة الإنسان بالتزكية.

– راجع تناسب سورة الحديد مع غيرها من السور (057.8). حول موضوعات: اسم الله الأعظم، والإنفاق في سبيل الله، والتسبيح في القرآن.

– انظر سورة الأعلى (087.0) خاصة الآيات (14-19) حول فلاح الإنسان وسعادته بتزكية نفسه.

– انظر سورة الشمس (091.4.1) والتي مقصدها وموضوعاتها حول الآيتين: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)}.

– راجع سورة البينة (098.8.5): تناسب الأعلى حتى البينة (اثنتا عشرة سورة). حول موضوع أمر الإنسان بالقيام بواجبه وما فيه مصلحته وبما يحقق له السعادة والفوز.

– انظر 4.2.4.18.2.0- جدول يبيّن تناظر نصفي القرآن، ويلخص تناسب مقاصد سوره حول أن الإيمان واتباع طريق الهدى نعمة وسعادة وفلاح في الدنيا والآخرة.

– انظر الجدول 7.4.9: وفيه تلخيص مقصد القرآن: وهو الهدى إلى طريق السعادة والزكاة بثلاثة أشياء مجتمعة هي: العقل والقلب والجسد، وأن الناس فريقين شقي وسعيد.

أعلى الصفحة Top